هل هناك عودة للقتال ؟

خيارات غزة بعد الهدنة

يظل الخوف هو الحقيقة الوحيدة التي تتجسد عندما يكون الأمر متعلقاً بإسرائيل لأن التجربة معها كانت طافحة بالتملص والخداع تجاه كل الاطراف ليس فقط الخصوم بل وأيضاً الوسطاء ، في العدد السابق كان هناك تساؤل عن المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب وهل ستتمكن غزة من النجاة من كومة الإلغام التي نصبها الإسرائيلي وكان العنوان ” هل ستنجو غزة ” أي هل تنتقل للمرحلة الثانية بأمان ؟ فالسلوك الإسرائيلي في غزة على الأرض يشيء بما يعاكس تماماً كأنه كان يريد اتمام المرحلة الأولى والتي تضمنت تسليم أسراه المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية وتجريدها ورقة قوتها التفاوضية والوحيدة والتنصل من المرحلة الثانية وله سوابق في هذا ليس أبرزها أوسلو منذ ثلث قرن الذي نفذ فيه المرحلة الأولى وكانت التجربة الثانية قبل عام في هدنة ترامب الأولى في يناير من العام الماضي عندما أخذ الإسرائيلي أسراه في المرحلة الأولى ولم ينتقل للمرحلة الثانية وبغطاء أميركي حينها عندما هدد الرئيس ترامب غزة بالجحيم محملاً إياها مسؤولية انهيار الهدنة .

مصدر القلق ليس فقط التصريحات والوقائع التي لا تشي بمرونة  يمكن أن تؤدي لإستكمال تطبيق الإتفاق بل الشعور بأن الطرفان المخادعان الإسرائيلي والأميركي يتآمران ويخططان ويطبخان سوياً كل شيء فلا أحد يصدق أن الولايات المتحدة وخصوصاً حين يرأسها دونالد ترامب الذي يفاخر بأنه أكثر الرؤساء الأميركان قدم خدمات لإسرائيل يمكن أن يقدم أية مبادرة دون التشاور مع نتنياهو وحتى دون أن يكون نتنياهو من وضع خطوط أساسها إذا لم نقل أن يكون من صاغها وهناك من دلائل التاريخ ما يكفي لتأكيد هذا الإعتقاد حد اليقين فإن منطق الأشياء تجعلنا نعتقد أن الثنائي المخادع قدم بعض الإغراءات لحركة حماس في الخطة عندما طرحها نهايات سبتمبر الماضي بعد لقائه بنتنياهو الذي التقى مراراً حينها بما يشبه مطبخ سياسي مع جاريد كوشنير و حتى تقبل الموافقة وتنفيذ المرحلة الأولى وتكون الحركة حينها قد تجردت من أوراقها ثم تقوم اسرائيل وبغطاء أميركي بسحب تلك الإغراءات التي لم تعد ضرورية وبالتالي استكمال العملية بما يتناسب مع مسار اسرائيلي تهندس فيه تل أبيب وجيشها تفاصيل مستقبل غزة تلك التفاصيل التي لو وضعتها في الخطة لما وافقت حماس وهذه لعبة اسرائيلية معروفة ويبدو أن هذا ما يحصل .

بدا كل شيء متعثراً أو أريد له أن يتعثر ليفسح المجال للرؤية الإسرائيلية فلا قوة الإستقرار الدولية التي وضعت اسرائيل العصي في دواليبها برفضها دولة من دول الناتو وهي تركيا قد تشكل العمود الفقري لتلك القوة بل يمكن أن تشكل مصدر اطمئنان لحماس لتسليم سلاحها أو لحدود صلاحيات قوة الإستقرار ومطالب اسرائيل منها والدور الذي ترسمه لها لتبدو كأنها تريدها أن تكون ذراعاً من أذرعة الجيش الإسرائيلي ومهمة تلك القوات هو تجريد سلاح حركة حماس أي القيام بالعمل القذر الذي لم يتمكن جيش اسرائيل إكماله أو عدم الإلتزام بوقف إطلاق النار أو تحريك الخط الأصفر الذي يقسم غزة أو الأهم الذي يفصح عن النوايا الإسرائيلية هو الشرط الإسرائيلي الحاسم بأن لا مرحلة ثانية قبل تجريد تام لحركة حماس من السلاح .

في واشنطن خلال الزيارة السادسة لتوأمه المخادع في البيت الأبيض قدم بنيامين نتنياهو أرقاماً تبدو خيالية حول قدرات حركة حماس والتي تكشف إلى حد كبير عن نوايا تتضح اكثر فأكثر فقد قال أن لدى حركة حماس سيتن ألف بندقية ينبغي تسليمها ولديها عشرين ألف مسلح وبغض النظر عما تعكسه تلك الرقام بالعادة لكل مسلح بندقية واحدة لكن التضليل يتكثف في عدد المسلحين أنفسهم فقد دخلت اسرائيل الحرب وهي تقدر عدد مسلحي حماس بين عشرين إلى خمس وعشرين ألف مقاتل في كتائب القسام الجناح المسلح للحركة موزعون على خمس محافظات دخلت اسرائيل أربعة منها ” فقط محافظة الوسطى لم يتم اجتياحها والتي تضم مخيمات الوسطى النصيرات المغازي البريج ومدينة دير البلح ” وكان الجيش الإسرائيلي يفاخر بانه فكك بين قتل وأسر معظم الكتائب فأن يعلن أن عدد المسلحين باق كما هو يعني أحد تفسيرين الأول أن جيش اسرائيل لم يتمكن من النيل من كتائب حماس العسكرية وبقيت بكامل قوتها وهذا مستحيل أو أن نتنياهو يكذب تمهيداً لشيء ما وهذا أقرب لمنطق الأشياء.

وزير دفاع اسرائيل ” اسرائيل كاتس ” يلمح إلى أن ما حدث في الأسابيع الأخيرة من وقف لإطلاق النار هو عبارة عن هدنة مؤقتة لإستئناف الحرب ، صحيح أن هناك انتخابات لحزب الليكود هذا الشهر وصحيح أن الكثير من التصريحات يتم إطلاقها بهدف تعزيز المواقع الحزبية داخل الحزب الحاكم وهي ما طالب نتنياهو بوقفها حين أوعز لكاتس بالتوقف عن التصريحات الإنتخابية لكن تصريحاً كهذا عن الوقف المؤقت يجب أن يؤخذ على محمل الجد لأن السلوك الإسرائيلي على الأرض يبدو مكملاً لكل ما يصدر من خطاب اسرائيلي بات واضحاً أنه يستقوي بالأميركي للذهاب حيث يريد .

مرحلة ثانية يريدها الإسرائيلي بما يتوافق مع متطلبات الأمن القومي والمصالح العليا لإسرائيل مختلفة عن ما جاء في الخطة الأميركية التي عرضها ترامب وهو ما يبدو أنه جرى الإتفاق عليه مع الرئيس الأميركي في الزيارة السادسة لنتنياهو في البيت الأبيض في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي والذي أعلنت وسائل الإعلام أن التطابق كان في كل الملفات لكن فقط ظهرت بعض التباينات فيما يتعلق بالضفة الغربية ما يعني أن نتنياهو تمكن من إقناع دونالد ترامب بوجهة النظر الإسرائيلية بما تعلق بغزة التي باتت ترى في الخطة الأصلية التي قدمت بعض الإغراءات لحماس لم تعد لها ضرورة بعد المرحلة الأولى بعد أن سلمت الحركة الفلسطينية أسرى اسرائيل .

تتراجع أذربيجان عن المشاركة في قوة الإستقرار الدولية بعد أن تلقت عشرين جواباً على أسئلة كانت قد طلبتها من الولايات يبدو أن تلك الأجوبة قد خيبت آمال الدولة التي كانت من أوائل الدول التي أعلنت رغبتها بالمشاركة بحماس كبير أما عن تركيا فإسرائيل ترفض وبشدة مشاركة لأية قوات تركية في غزة فهي تتهم تركيا بمناصرة حركة حماس وما تريده اسرائيل من القوة الدولية أو الدور الذي تنتظره هو أن تقوم تلك القوة نيابة عنها بالعمل القذر وهو تجريد حماس من سلاحها أي أن تكون وكأنها جزء ألوية الجيش الإسرائيلي ويبدو أن هذا ما فهمته دولة تعتبر صديقة لإسرائيل مثل أذربيجان وهو ما يفهم من اعتذارها عن المشاركة وهناك شك بأن اسرائيل ستكون مرتاحة لهذا الإعتذار فأغلب الظن أن الولايات المتحدة أحالت الأسئلة الأذرية لإسرائيل للإجابة عليها لتضع اسرائيل العصي في الدواليب من خلال اجابات معينة تدفع الدولة الصديقة للنأي بنفسها عن المشاركة كي يتوفر لها مبرر استكمال العمل وفق ما تريد .

يتحدث نتنياهو كما تُسرب الصحافة عن الإتفاق مع الرئيس ترامب في الزيارة الأخيرة عن إعطائه مهلة ستين يوماً تسلم فيها سلاحها وإذا لم تفعل يعني أن الجيش الإسرائيلي سيستأنف الحرب وسيتكفل بنفسه بنزع السلاح ومع الأرقام التي يوردها التي تعكس واحداً من مستحيلات استمرار وقف الحرب تتجه الأمور نحو عواقب يخشاها الفلسطينيون وخصوصاً أن هذا هو العام الأخير في ولاية الحكومة الإسرائيلية فإذا ما أكملت تلك الولاية ستكون الإنتخابات نهاية أكتوبر القادم وهو ما يجعل المراقبين يضعون واحداً من احتمالات أن يعمل نتنياهو على تقديمها بعض الأشهر تجنباً للوصول لأكتوبر الشهر الذي يحمل مأساته الشخصية الذي تلقت خلاله دولته الضربة وكان هو يقف على راسها ليتحمل المسؤولية بنظر الشارع الإسرائيلي والتي تعكس نفسها في الإستطلاعات التي تبعده عن إعادة التكليف بتشكيل الحكومة ما يعني حاجته للقيام بمزيد من الحروب الإستعراضية ليذهب بها للإنتخابات وأبرزها غزة التي تلقى منها ضربته الأكبر والتي تسببت بهبوط أسهم تحالفه وغالبا يظن أن ما كان يعتبره الإنتصار الكاسح في غزة هو ما سيعيد له الأصوات التي تسربت منه وهو ما لم يتحقق قبل خطة ترامب بهذا الوضوح فهل بات استئناف القتال هو السيناريو الأكثر واقعية بعد المهلة التي ستنتهي بنهاية فبراير الحالي حسب الإتفاق الذي تم تسريبه ؟ فقد كان اللقاء مع ترامب في الثامن والعشرين من ديسمبر .

في قول وزير الدفاع ما يؤكد تلك الخشية حين يصرح ” أصدرت تعليماتي لرئيس الأركان وللمؤسسة الأمنية كافة بأن لا تراجع عن مكاسبنا الميدانية …. وأن الخط الأصفر الذي رسمناه في قلب غزة ليس خطاً دفاعياً بل هو قاعدة إنطلاق لعملياتنا القادمة ” ولا يبتعد كثيراً إيال زامير رئيس الأركان حين يؤكد بأن قواته تستغل الوضع للحصول على المعلومات الإستخبارية … وبعد الأسبوع الأول من يناير قبل ثلاثة أسابيع كان الجيش الذي يترأسه زامير وفي انتهاك صارخ للإتفاق يرفع للقيادة السياسية توصية بتقليص عدد الشاحنات والمساعدات إلى القطاع بهدف كما قال التقرير ” إفراغ جيوب حماس ” وتلك اشارة لتصعيد الأوضاع أو استفزاز حماس أو دفعها لرفض الإتفاق وهذا خيار دوماً ما ذهبت له اسرائيل بتحميل خصومها المسؤولية وخصوصاً أننا أمام اتفاق تم الإعلان عنه في ما يشبه الإحتفالية الدولية في شرم الشيخ برعاية الرئيس ترامب لذا فإن اسرائيل تحتاج ولو قليلاً من مبرر أو حجة  لإلقاء المسؤولية على الآخر كي تستأنف القتال وها هي تمهد لكل ما يلزم لذلك الأمر بل تدفع الأمور بتسارع يتناسب مع تسارع الإنتخابات التي بدأت مناخاتها تتضح في اسرائيل حتى قبل أن تبدأ الدعاية الإنتخابية لكنه عاماً انتخابياً بكل الظروف .

الضبابية هي الوضوح الوحيد للواقع في غزة ليس سوى لأننا أمام طرف مخادع …يحتكر القوة … لديه حسابات استراتيجية لا تتلاءم مع واقع الهدوء في المكان فالهدوء يعني ثبات الغزيين وبقائهم وهم شعب مقاتل وعارك الحياة بعناد شديد وهم أيضاً أسرع من يستعيدوا حياتهم بسرعة لما لديهم من تجربة الترميم والصمود المدهشة والعودة السريعة للوقوف على أقدامهم في دورة كفاحية لا تتوقف منذ النكبة لأجيال متتابعة تسلم الراية لمن بعدها هكذا بعد كل حرب ولا شك أن الإسرائيلي الذي يعلن أنه سيؤمن اسرائيل من جهة غزة لخمسين عاماً قادمة يقرأ ذلك فلديه من مراكز الدراسات والمتخصصة بالشأن الفلسطيني ما يفوق كل مراكز الدراسات الأخرى مجتمعة وكثيراً ما أقرأ دراسات لعلماء الإجتماع الإسرائيليين الذين يساهمون في التخطيط  لهندسة الفلسطينيين وتحال خلاصة دراساتهم للجيش والأمن من تلك الدراسات التي توحي بإستبعاج أن تقبل اسرائيل بأي شيء يؤدي للإستقرار في غزة التي ظهر منها الخطر الإستراتيجي الذي هدد فكرة الدولة كدولة آمنة لليهود في العالم …. تلك هي الإستراتيجية الإسرائيلية التي تتنافى مع عودة الحياة فما القادم إذن ؟