الببليومانيا: لماذا نشتري كتبًا لن نقرأها؟
ليست مجرَّد نشاط، بل تجربة وجوديَّة عميقة. إنَّها أداة للمعرفة والتَّطوُّر الذاتي، وبوابةٌ للولوج إلى عوالم لا تنتهي. أكَّد أرسطو على دورها في تشكيل العقل، ورأى فيها ديكارت بداية للبحث عن الحقيقة. إنَّها القراءة، الصديق الذي يشاركنا في خلق المعنى، وتحرير العقل، وتوسيع الوجود. تقترن عادة باقتناء الكتب، وبناء مكتبتنا الخاصَّة، هذا الركن الحميم الذي يتعدَّى كونه حيزًا ماديًّا، إلى مكان أشبه بالجنَّة على رأي بورخيس: «وأنا الذي تخيَّلتُ دومًا الجنة على هيئة مكتبة».
وفي جنَّتنا هذه، لنا مع كلِّ كتاب حكاية، بدءًا من لحظة اقتنائه المترافقة مع ارتفاع في هرمون السيروتونين، ثم لحظة اختيار عرشه في جنَّتنا، المترافقة مع ارتفاعٍ في هرمون الدوبامين… ومع ذلك، نحن لا نقرأ جميع الكتب التي نقتنيها!
يصل الحال عند البعض إلى حدِّ الهوس، الظاهرة التي تُعرَف بـ «Bibliomania»، وتُعرَّف على أنَّها رغبة قهريَّة في اقتناء الكتب لا يمكن السيطرة عليها، حتَّى عندما لا يكون هناك حاجة فعليَّة لها أو قدرة على قراءتها.
عانى العديد من الفلاسفة والأدباء من الببليومانيا، مثل: بليز باسكال، الذي كان يحمل مكتبة متنقِّلة معه أينما ذهب. وأومبرتو إيكو، الذي ضمَّت مكتبته أكثر من خمسين ألف كتاب، وكتب في أعماله عن ثقافة جمع الكتب، ودافع عن هوسه قائلًا: «تلك الكتب التي لم أقرأها بعد، هي التي ستعلِّمني شيئًا»، «المكتبة ليست مكانًا لقراءة كلِّ شيء، بل هي أداة للبحث». وغيرهم كُثر…
وفي هذا الاستطلاع، نتحدَّث مع مجموعة مثقَّفين عرب، لا عن القراءة ومعناها، ونحن نعلم أنَّها جزء جوهري من حياتهم، ولا عن كتبهم المفضَّلة أو مكتباتهم وخصوصيَّتها في حياتهم؛ بل عن تلك الكتب التي اقتنوها ولم يقرؤها: لماذا نشتري كتب لن نقرأها؟ هل هي الببليومانيا أم قليل من أعراضها؟ أم ثمَّة أمل باحتمال آت ولو في حياة أخرى؟ أم هي بيئة تحفيزيَّة ومصدر للاطمئنان بأنَّ نبع القراءة لن ينفَد؟ أم ثمَّة رأي آخر؟
دكتور أشرف أبو اليزيد (شاعر وروائي – مصر):
ربما يَعدُّ المؤلِّفون، وأنا منهم، أنَّ الكتب ليست مجرّد كمٍّ من الأوراق بين غلافين، بل هي، على الأرجح، كائنات حيَّة، نُؤلِّف معها حضورًا وعلاقة.
قد يوجد في هاتفنا ألف اسم، لكن لا نستطيع مخاطبة أصحابها جميعًا أو دائمًا، وإنَّما نُهاتف من نحتاج إليه في لحظة ما! والأمر نفسه مع كثير من الكتب المقتناة، ولا سيما المراجع والموسوعات؛ فقد اشتريتها لتكون في متناول الرؤية والبصر، قبل التبحّر فيها والاستبصار بمحتواها.
قبل أن يأخذ الكتاب مكانه على الرفوف، مرّ بيدي: قرأته كاملًا، أو تصفَّحت جلَّه أو بعضه، ثم اخترت له موضعه في مكان أعرف أنني سأجده ينتظرني فيه، ولو بعد حين. بعض الكتب أُعيد قراءتها، وبعضها أكتفي بتلك المرَّة اليتيمة.
في السابق، وقبل الثورة الرقميَّة، كنت أختار مكتبة مصغَّرة تسافر معي. عشت في عواصم عدَّة، لكن اليوم، ورغم أنَّ الكتاب الذي لا أجد نسخته في خزانة الهاتف سيكون متاحًا عبر الإنترنت، فإن المخضرمين أمثالي لا يستطيعون التخلّي عن مكتباتهم الورقية، الموزَّعة بين أكثر من غرفة وأكثر من بيت. فثمة علاقة تنشأ مع كل كتاب، لا تُمحى بانتهاء تصفُّحه؛ إنَّه هناك ليذكّرك بلحظة اللقاء الأول، ووقت اقتنائه.
ولا ننسى الكتب المُهدَاة، فهي خارج هذا السياق، إذ تحمل قيمة رمزيَّة، وقد تكون ممهورة بتوقيع، فتخرج من خانة الحروف إلى ركن التذكار.
القراءة اليوميَّة قد تمتد إلى خمس ساعات بين كُتب ومقالات، ومع ذلك نحتاج عُمر نوح، وصبر أيوب، وثروة قارون لقراءة كل ما نتمنّى. وأخيرًا، فإن حياة الباحث والصحافي تقتطع من زمن القراءة، فتتحوَّل أغلفة كثيرة في مكتباتهم إلى شواهد مقبرة ورقيَّة ضخمة، نُصلِّي على أرواح أصحابها كل يوم يمرّ دون مصافحتهم.
دكتور أنطوان أبو زيد (شاعر وكاتب – لبنان):
ثمَّة أمور تصير من البديهيَّات أو العادات غير المعقلنة، مثل اقتناء الكتب، التي تستدعيها مهنة التعليم والبحث العلمي والتدريب، والترجمة، التي تغلب عليها النظريَّات، شأني أنا. فكيف إذا كانت تستدعيها الصورة التي يودُّ المرء أن يكون عليها، وأعني أن يكون كاتبًا وباحثًا. بيد أنِّي لم أعرف نزعة اقتناء الكتب لأجل اقتنائها، أو بغية التباهي بعددها من دون أن أقدر على تصفّحها أو قراءتها، كما فعل أومبرتو إيكو الفيلسوف اللُّغوي والأديب الذي أقدّره كلَّ التقدير، وترجمتُ له كتابه النقدي الشهير «القارئ في الحكاية/ lector in fabula».
وحتَّى لو كانت لديَّ هذه الرغبة في اقتناء الكتب لملء مكتبة عامرة بعشرات الآلاف، فإنَّ قدراتي الماديَّة المحدودة كانت لتحول دون ذلك. وعليه، فإنِّي أفخر بما لديّ: ما يقارب الألفي كتاب، بين العربية والفرنسية وقليل من الانكليزية، ممَّا يمكن أن تُعدَّ مراجع لي في أبحاثي حول اللغة والنقد الأدبي والشعر، وفقه اللغة والمسرح، وتعلّم اللغة وغيرها. وكان لديّ ما اعتبرته فائضًا، فأرسلته إلى بعض المكتبات في مدارس رسميَّة لعلّها تفيد طلَّابها!
وأيًّا كان حجم المكتبة المنزليَّة فإنّي أعتبر وجودها داخل المنزل علامة أكيدة على ميلٍ إلى التسامي الخُلُقي والأدبي والعلمي، وحافزًا للأبناء والبنات على الاستزادة من المعارف والعلوم الإنسانيَّة والعلميَّة، في زمن الالتهاء الأكبر عبر الكومبيوتر وألاعيبه وأوهامه الافتراضية المُبخسة للمشاعر الإنسانيَّة والعلاقات الاجتماعيَّة.
دكتور ثائر زين الدين (شاعر ومترجم – سوريا):
ربَّما يبدو هذا السلوك للوهلة الأولى «غير عقلاني»، فما معنى أن نشتري عشرات الكتب، ونحيط أنفسنا بها، ولا نقدرُ على قراءتها جميعها. أليست هذه ببليومانيا بالمعنى المرضي، أي تكديس قسري يصبح فيه الكتابُ عبئًا؟
الحق أنَّ هذه الظاهرة بالنسبة لي إنسانيّة بامتياز، وليست ببليومانيا؛ لأنَّها تنطوي على مزيجٍ رهيفٍ وعميقٍ من الأمور؛ أوَّلها أنها تمثّل فكرة «حب القراءة» رغم أنَّنا قد لا نملك الوقت الكافي لها.
ثانيها أنَّ كل كتاب لم يُقرأ بعد هو أمل مؤجّل، والمكتبةُ في المنزل أشبَهُ بخريطةٍ للذات؛ فكتُبها غير المقروءة ليست فائضًا بل حدودًا مفتوحةً؛ حالُها يقول: «ما زال في العالم ما لا تعرفه»، ووجودها يذكّرنا بأنَّ الجهل ليس نقصًا مخجلًا، بل مساحة للنمو. وهذا ما رآه أومبرتو إيكو، الذي أحاط نفسه بما لا يقل عن ثلاثين ألف كتاب، وسمّى مكتبته بالـ «مكتبة مضادّة للغرور»، لأنَّها تذكّر صاحبها بحدود معرفته، وقال: «إن الكتب غير المقروءة أهم من المقروءة، لأنها تمثل ما نجهله بعد».
وثالثها أنَّ الكتاب يُمثِّلُ وعداً وليس مجرَّد مادة؛ فهو يعدُنا بنسخةٍ أفضل منّا: قارئ أهدأ، وأوسع أفقًا، وأكثر معرفةً. نحن لا نشتري الورق، بل نشتري احتمال التحوّل؛ وعدم قراءته لا يلغي الوعد، بل يؤجِّله.
ثمَّ هناك تلك الطمأنينة الجميلة: «طمأنينة الوفرة». ويُشبه امتلاك الكتب تخزين الماء ليس لأنَّنا عطاش الآن، بل لأنَّ الاطمئنان بوجوده يهدِّئنا. ثمَّ مَن قال إنَّ زمن القراءة هو زمن الشراء نفسه! إنَّنا نشتري في لحظة حماسة، ولكنَّنا نقرأ في لحظة صفاء، وغالبًا لا تتزامن اللحظتان؛ وهذا لا يعني أنَّ الاقتناء خطأ بل يعني أنَّ القراءة كائن مزاجي إلى حدٍّ بعيد. ولقد رأى فريدريش نيتشه أن وجود الكتاب بقربك أحيانًا أهم من قراءته فورًا؛ لأنَّ الأفكار تحتاج توقيتها الخاص.
دكتور حسن مدن (كاتب ومفكّر – البحرين):
عندما يعبُر الكتاب مشواره من رفِّ الكتب في معرض الكتاب أو المكتبة، ليأخذ حيزًا في رفٍّ من الرفوف في بيوتنا، يصبح صديقًا، فوجوده معنا في البيت يخلق بيننا وبينه ألفةً. بوسع كلِّ قارئ شغوف أن يسمِّي كتابًا واحدًا على الأقل يعدُّه كتابًا صديقًا، أحدَث في عقله ووجدانه كبير الأثر.
لا يتيح لنا العمر المتَّسع الكافي من الوقت لنقرأ كلَّ ما نقتنيه من كتب، وأحيانًا كثيرةً نجد الوقت، ولكنَّنا لا نجد المزاج ولا الرَّغبة في القراءة، فنميل إلى الاسترخاء والكسل كون القراءة تتطلَّب قدرًا لا بدَّ منه من التَّركيز والجهد. بيد أنَّنا لا نكفُّ عن اقتناء الكتب؛ فما الذي يحدونا إلى فعل ذلك؟ أهي ذاتها مشاعر الألفة التي كان بورخيس فاقد البصر يشعر بها وهو (يرى) الكتب تملأ بيته؟ رُبَّما!
شخصيًّا وبسبب أنِّي مارست كتابة زاوية صحافيَّة يوميَّة لفترة امتدت قرابة ثلاثة عقود متواصلة، كنتُ في حاجة دائمة إلى متابعة جديد الإصدارات والترجمات، كون محتوياتها المتنوِّعة مصادر مهمّة للكتابة، ولكنِّي صرت أعمل في السنوات القليلة الماضية، رُبَّما في آخر عامين، على كبح ميلي لاقتناء كتب جديدة، إلَّا للضَّرورة، في حال نشأت الحاجة لكتاب أو كتب لغايات بحثيَّة، أو في حال وجد إصدار جديد مهمّ، وقلَّت الرغبة السابقة عندي في اقتناء الكثير من الكتب، كون العمر يمضي، وما بات في مكتبتي الشخصية من كتب بات فائضاً عن الحاجة، ليس لأنّها غير مهمَّة، وإنَّما لأنَّه لم يعد هناك من الوقت ما يكفي للاطلاع عليها.
دخيل الخليفة (شاعر وصحافي – الكويت):
ثمَّة طريقتان للقراءة، إحداهما قراءة ذهنيَّة للواقع بما يحمله من إرهاصات فكريَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة، تتحقَّق عبر تجربة الإنسان ومستوى وعيه، وقراءة تراكميَّة تحقِّقها المعرفة التي تنتجها الكتب بمضامينها المختلفة. وبما أنَّنا نتحدث عن القراءة الثانية، فإنَّ اقتناء الكتب هوس شخصي مصدره الحاجة إلى المعرفة، أي أنَّنا نقتني أفكارًا نحتاجها، معتقدين أنَّنا سنقرؤها، وهذا الاعتقاد ربَّما يطول دون أن يتحقَّق، كونه مرتبطًا بالحاجة والحدث والرغبة في كتابة مضمون يحتاج أفكارًا مشابهة.
صحيح أنِّي صادفت بعض المصابين بهذا الهوس القهري بـامتلاك الكتب دون قراءتها، بهدف تخزينها، وربَّما جمع كتب نادرة، وهناك من يريدها جزءًا من ديكور المنزل! لكنَّ كثيرين مصابون بلسعة في أذهانهم تجعلهم يقتنون الكتاب بسبب وجود فصل مهم على أمل قراءته، كما أنَّ كثيرين -مثلًا- يلاحقون كتب السرد لمجرد الحديث عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، يشترون من كل معرض خمسين رواية مثلًا، بعضها يأخذ وقتًا طويلًا على الرفوف دون قراءة. فيما هناك آخرون مصابون بهوس العناوين، يقرأون عددًا قليلًا من صفحات الكتاب ثمَّ ينتقلون إلى آخر.
والمؤكَّد أنَّ جميع هذه الحالات تعبِّر عن حب لاقتناء الكتب وجمعها على أمل قراءتها، خصوصًا أنَّ ما تقرأه اليوم قد ينقضه كتاب آخر غدًا. دون أن نغفل مسألة ضيق الوقت وكثرة المشاغل التي تُحدث خللًا في منهجيَّة القراءة، وبالتالي تكدُّس الكتب.
