هذا النص هدية ال 2026 إلى السيدة ابتسام محمّد سعيد أوجي رئيسة مجلس إدارة مجلّة “الحصاد” المسكونة بهواجس الحفاظ على مكانة اللغة العربية إذ بات الكاتب لا يترك حصاده فوق البيادر في لندن إلاّ نقيّاً متجنّباً علامات الاستفهام والتصحيح.

لماذا هذه الاستهلالية؟
أوّلاً، لأنّ العربية حضارة وحضور لا ألسنة ونصوصاً مرتجلة. لها عيد مرّ في 18 ديسمبر، أقرّته منظّمة الأمم المتّحدة منذ 52 سنة ولم نشهد بعد استراتيجيات ولا جامعات مانعة قادرة للحفاظ وإحياء “الضاد” من طواحين التدهور و”التلتلة” و”الشات” في أزمنة انهيارات اللغات والنصوص والقيم التي يفترض أن تعيش أبداً.
ثانياً، لأنني أصفّق ل مجلة «الحصاد” وعبرها من لندن لمجموعة من الأساتذة الجامعيين المتقاعدين اللذين أسسوا “مجمّع اللسان العربي” في لبنان، وذهب بعضهم ليستقبلهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية، مباركاً بل مسانداً المبادرة في لبنان.
هكذا تراني، أنشر بالمناسبة، رسالة طويلة عثرت عليها بين أوراقي الى الأستاذ غسّان تويني صاحب صحيفة “النهار” الغراء، رحمه الله، تعود الى 31 أيلول 1999. حان وقت اختصارها ونشرها، بمناسبة مرور يوم العربيّة التي نحتضنها جميعاً بأهداب العيون والعقول والانتماء. الدافع الى الرسالة، مقالةٍ يوميّة كانت تستفزّني على الصفحة الأولى من “النهار” بالمحكية اللبنانية كانت توقّع باسم مستعار هو “زيّان”، وكان ينشر أحياناً في الزاوية عينها كاتب آخر كان يوقّع بحرفين: أ.ي.
تيقّنت عبر لقاءاتي مع تويني أنّه الألف والياء عند غياب زيّان عن عموده. وأفضت نقاشاتنا في دارته في بيت مري وخصوصاً في جلسة طويلة بحضور أخي راجح الخوري الكاتب في النهار ورئيس الجامعة اللبنانية الدكتور أسعد دياب بأنّ لساننا الأوّل عرباً الألف والياء مذ خروجنا الفصيح قبائل مستقيمة اللسان عبر امتداد الصحراء نحو الشمال.
وهنا مختصر الرسالة:
جانب الأستاذ أ.ي. المحترم
لا أعرف السبب الذي يدفعك لأن “تشكّ”(التعبير لغسّان تويني) مكان “زيّان” في الصفحة الأولى. يسيل حبرك ويرتخي مسراه عبر عاميّةٍ وأنت الحاضر لغةً وأدباً. هل لصاحب الديك أن يوقظ الثقافة والسياسة من ألفها الى يائها خروجاً من اللسان الأوّل؟ لست أدري مع أنّ «زيّان” يفاخر بنصوصه الرخوة العامية ومع هذا، فهي لم تصل الى جرأتك أعني الكتابة من البداية إلى النهاية. أ.ي.
إنّك في حقلك على الصفحة الأولى من “النهار” مقيم في لمعة عين الديك الأولى عندما يصافح الفجر مع أنّ “النهار” سلطة مشهود لها بالفصحى في الصحافة والسياسة والقرارات الكبرى.
هل العربيّة في طريق “انهيار” مداميكها في لبنان وبدءاً منه؟
أتضمر اللغات إذن، في عصر الكاسيت والتخزين الضوئي والإنترنت؟ وما مصير الفتح والنصب والكسر والسكون والثوابت عبر سرعة الإشارات وتقنيّات الإعلام والاتصال والتواصل؟
لماذا يرتبك الكتّاب ويرتجف السياسيون ويحتمون في أعماق أصداف دوائر التسكين.
أتحمل العربيّة المنعة والصلابة للاستمرار أبداً في ألسنة أولادنا وأحفادنا؟ وهل أنّ الفصحى والعامية ستحسم لمصلحة الإيصال الأقرب أعني الى الجسد كما أفصحت لي؟
أعني الجسد اللبناني الذي نزل الى الساحة شبه عارٍ حاشراً منقاره الطري في حروب البواشق، ألا تكفيه الجراح، إلاّ إذا كان يخرج ليلثغ مجدداً ليسيل دم العربية ويتلعثم اللسان العربي لا سمح الله؟
أتمطّ الصحيفة عنقها نحو الشاشات في ظنّ منها أنّها تربط اللغة بالحياة؟
أشكّ قصبتي مثلك من دون لثام أتسلّح بالفصحى وقاف اللسان وأغاني الأندلس في منشوراتي وأبحاثي ورحلاتي العلمية، وأغنّي كي لا يعود زيّان سريعاً أو يطول سفره أو ليستقل مجدداً كي لا نقرأ مجدداً نصوصاً رخوة حرة في المحيط.
أتمسّك بروح فصحانا قبل أن يداهمنا الخراب كما يحصل مع أحفاد اليونان الذين ما عادوا يفهمون فلسفة أجدادهم سقراط وأرسطو وافلاطون وعظمة نصوص الإغريق وفلسفاتهم؟ ذوت لغتهم بمرسوم جمهوري، وأصبحت كما اللاتينية لا يفهمها أحد من أبناء اليونان اليوم.
لا يمكن أن يمرّ يوم اللغة العربيّة من دون أن أحاول مطّ هذا اليوم وإسكانه معظم زماننا واهتمامنا وجهودنا لطالما اتفق معظمنا بأنّ الإنسان لسان أوّلاً يقول حتّى تراه.
اللسان كلام ولا كلام من دون لغة بل لغو تجده لدى معظم الكائنات الأخرى. يتصفّى معظم الكلام أو كلّه ويترسّب حيّاً أبداً في أحضان العربيّة التي تبقى أداة تفكير سماوية أكثر منها أداة تعبير لحفظ الثقافة والحضارة العربيّة وضمان الترقي، خصوصاً في أزمنة التهديم المستورد.
هذا هو منحاي، أنا العربي المسكون بلغتي العربية. أسكن فيها وتسكن فيّ وأنكّس البيادق والأعلام والهامات لها وهي اليوم تشكو لما يحلّ بها وبأهلها من جروح وتهشيم، وما يجرحها يجرحني في صميم القلب حيال اللغو المقصود والمكابر المسطّح لدى الكثير من الكتّاب والإعلامين والسياسيين ورجال القانون والقضاة وأساتذة المدارس والجامعات وبالطبع أجيال من أبناء العرب يجادلونك في التفريق أو الجمع بين صفتي اللبنانيّة والعربيّة عند التطرّق الى مواضيع تهمّ اللغة العربيّة.
لا تضيف تلك المجادلات العلنيّة خردلةً الى لغة الضاد كمات “حنون” اللبناني الذي لم يضف إعلان إسلامه الى المسلمين خردلةً.
وعلى الرغم من التنبيه إلى شبه الانقراض لأدوار مجامع اللغة العربية، أتذكّر مترحّماً جدّنا الرئيس فارس الخوري أحد مؤسّسي مجمع دمشق بارعاً فخوراً باللغة العربية المقدسة، ونثني جميعاً مشجعين على إنشاء المجامع العلمية للحفاظ على اللسان العربي والتراث العربي بشغف وإيمان وواجب لافت، منوّهاً بأي نص أو مقال أو موقف أو تجمع أو مبادرة مفرحة في زمنٍ عربي متعطّش لملامح صيانة الألسنة والآداب وصيانة اللغات والتراث على اعتبار أنّ اللغات هي الأساس الحضاري الصلب لمستقبل الشعوب. لا تلقي حصادك إلاّ عربيّاً فوق بيادرنا.
