لاستشراف مضامين العلاقة بين صناع القرار خلال أزمنة الصراعات والحروب، تم طرح مقاربة مهمة ذات مضامين رياضية بالأساس، هي نظرية اللعبة (Game Theory), أو نظرية المباراة كما تسمى أيضا. مقالنا هذا ينصرف الى التعريف بهذه النظرية من جوانب متعددة، لأهميتها النظرية والعملية.
لغويا، يفيد مفهوماللُعبة Game)) بكل ما يتم اللعب به مثل لعب الشطرنج والنرد لأغراض التسلية أو اللهو أو الترفيه. ولا يتماهى هذا المفهوم اللغوي مع مفهومها الاصطلاحي ، أو نظرية المباراة كما تسمى أيضا، سيما وإنها تنصرف الى دراسة حالة التفاعل الإستراتيجي بين صناع القرار لدولتين، يسعي كل منهما إلى تحقيق أعلى مردود ممكن له في بيئة تتميز بمعطيات الصراع، أو الحرب، وذلك عبر توظيف كل منهما لإستراتيجية محددة حيال الثاني وبحصيلة نهائية لا يحدد مخرجاتها سلوك أحد اللاعبين فقط وإنما أنماط سلوكهم جميعا معا, بمعنى أن مخرجات هذه اللعُبة، ومن ثم حصيلتها النهائية، لا تتحدد على وفق مخرجات سلوك أحد اللاعبين فقط وإنما أيضا على وفق مخرجات سلوك اللاعب الآخر ايضا.
وبهذا المعنى، تهدف هذه النظرية، بالحصيلة، إلى وصف الكيفية، التي يتبناها كل لاعب لاختيار، من بين مجموعة بدائل متاحة، ذلك البديل الذي يحدد نمط سلوكه حيال سواه والذي يحقق له اعلى ربح ممكن واقل خسارة محتملة. ومن هنا تفترض هذه النظرية أن العقلانية هي التي تتحكم في هذا الاختيار والسلوك، بمعنى أن سلوك أحد اللاعبين لا يُعد استجابة انفعاليه لسلوك الطرف الآخر، وإنما عن سلوك قائم على حساب موضوعي للأرباح والخسائر لكافة البدائل المتاحة وترجيح البديل الذي يفضي إلى تحديد السلوك الأفضل حيال اللاعب الآخر (أي الخصم)، إضافة إلى استشراف سلوكه المحتمل سواء أثناء عملية التفاعل أولاحقا في أحد أزمنة المستقبل. وفي ضوء ما سبق، تجمع نظرية اللعُبة في أن بين مضامين عملية تحديد البدائل واختيار الأفضل منها وبين مقاربة استشراف المستقبلات، ولاسيما على صعيد المستقبل القريب.
وتفيد آراء أن لهذه النظرية جذور تمتد إلى زمان طويل سابق على طرحها علميا، ولأول مرة في عام 1944, من قبل عالم الرياضيات جون فون نويمان (John von Neumann), وعالم الاقتصاد اوسكار موركن شتيرن (Oskar Morgen Stern)، وذلك من خلال كتابهما المسمى بنظرية اللعبة والسلوك الاقتصادي (Game Theory and Economic Behaviour) . وقد ساهم لأحقا عدد من علماء السياسة ( العلاقات) الدولية في تطوير هذه النظرية، ومثالهم جون ناش John Nash)) الذي أدخل عليها ما عرف بتوازن ناش، وكذلك كان لتوماس شيلنك(Thomas Schelling) تأثيره الملموس فيها عبر كتابه المهم والموسوم بإستراتيجية الصراع Strategy of Conflict)).
ومنذ تبنيها، وهذه النظرية تجد تطبيقا لها في حقول معرفية عديدة، منها مثلا حقول السياسة (العلاقات) الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، والاحياء، والاجتماع، وكذلك من قبل القوات المسلحة في دول من عالم الشمال. ففي حقل السياسة (العلاقات) الدولية، مثلا، بدء توظيفها خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي سبيلا لاستشراف مستقبلات التفاعلات الامريكية- السوفيتية خلال الحرب الباردة، وكذلك أضحت هذه اللعبة إحدى المقاربات المهمة المستخدمة لدراسة مخرجات ظاهرة الصراعات والحروب الدولية، ولاسيما من قبل دعاة النظرية الواقعية.
وتتعدد الأمثلة النظرية التي يتم استخدامها للدلالة على نظرية اللعُبة. وتُعد معضلة السجناء Prisoners Dilemma) ( من بين أكثرها استخداما وانتشارا. إذ تتأسس هذه المعضلة الافتراضية على ما يفيد أن شخصين قد تم اعتقالهما جراء قيامهما بجريمة السطو على أحد البنوك، وكذلك تم عزلهما عن بعض للحيلولة دون تواصلهما المباشر والتنسيق فيما بينهما. ولآن الشرطة لا تتوافر على أدلة كافية لمعاقبتهما، عمد المحقق معهما إلى طرح صفقة عليهما تتكون من ثلاثة بدائل، وأن على كل من هذين الشخصين اختيار أحد هذه البدائل، وأن نوعية هذا الاختيار هي التي ستحدد نمط تعامل الشرطة معهم. والبدائل هي:
- أولا، إقدام أحد السجناء فقط على الاعتراف بالجريمة، ومن ثم إطلاق سراحه. أما السجين الثاني فيصار إلى إيداعه السجن ولمدة أربع سنوات.
- ثانيا، رفض كل من السجينين التعاون مع الشرطة، ومن ثم عدم الاعتراف بالجريمة. وفي هذه الحالة سيتم معاقبة كل منهما بالسجن لمدة سنتين أو إطلاق سراحهما معا.
- ثالثا، قبول كل من السجينين التعاون مع الشرطة والاعتراف بالجريمة، بمخرجات تفضي إلى معاقبتهما بالسجن لمدة ثلاث سنوات .
وتفترض معضلة السجين ان البديل الثالث هو البديل الأمثل. وقد يصار إلى التساؤل: لماذا تم اختيار هذا البديل ، وليس الثاني، سيما وأن مدة العقوبة التي تقترن به تجعل منه الأفضل؟ ويكمن الجواب في أن عدم التواصل بين السجناء جراء عزلهما عن بعض، ومن ثم عدم معرفة أحدهما بنوايا الآخر وما قد يقدم عليه، هي التي تجعل من اعتراف كل من السجينين هو البديل الامثل.
لقد أدى نمو الاهتمام بنظرية اللعبُة إلى أن يتم ابتكار أنواع متعددة منها. ولأغراض التصنيف يتم الانطلاق من معايير متعددة. فمن حيث عدد اللاعبين، فهي تتم أما بين دولتين أو عدة دول . وأما من حيث الإستراتيجية المعتمدة، فاللعبة قد تعبر عن إستراتيجية محددة أوعن مختلطة. أما من حيث نوعية التعاون بين اللاعبين، فهي قد تكون لعُبة تعاونية أو لا تكون. وأما من حيث حصيلتها النهائية، فاللعُبة قد تكون صفرية أو لا صفرية. ولان هذا النوع الاخير من هذه اللعُب يُعد أبرزها, سنتناولها بشي من التفصيل.
أولا، اللعُبة الصفرية
تُعبر اللعُبة الصفرية Zero-Sum-Game)) عن حالة خاصة من الألعاب تتميز بتزامن سعي أحد أطرافها إلى جعل أرباحه في حدها الأعلى الممكن مع سعي الطرف الآخر إلى جعل خسارته المحتملة في حدها الأدنى الممكن. ومع هذا السعي المتباين، إلا أن حصيلة مخرجات هذا السعي هي التي تفضي إلى أن تكون الأرباح التي يحققها أحد الأطراف لذاته مساوية للخسائر التي يتكبدها الطرف الآخر. أي، بعبارة اخرى، أن الربح يساوي الخسارة، ومن ثم تكون النتيجة النهائية صفر لذا يطلق عليها بالمباراة ذات المجموع الصفري. ويمكن التعبير عن هذه اللعُبة رياضيا بالآتي (+1/ -1). ومثالها لعُب الشطرنج والبوكر.
ومرد خصوصية هذه اللعبُة يكمن في إنها من نمط اللعُب غير التعاونية (Non-Cooperative Game)، التي تنجم عن تناقض مصالح وأهداف اللاعبين، فضلا نقص المعلومات عن نواياهم ومحدودية الثقة المتبادلة فيما بينهم. لذا وعلى العكس، من اللعُبة التعاونية (Cooperative Game)، التي تتميز بخاصية أساسية مفادها التفاعل الإيجابي بين أطرافها تحقيقا لمصالح مشتركة، تتسم اللعبة الصفرية بمحدودية التواصل والتعاون بين اللاعبين، من ثم تصرف كل منهم بمعزل عن الآخر انطلاقا من إستراتيجيته الخاصة والهادفة إلى أما تعظيم (Maximin) العائد النهائي المنشود جراء هذه اللعبُة، أو الى تقليل ) (Minimax هذا العائد إلى أقل حد ممكن ، علما أن في اللعُبة الصفرية يتم التمييز بين كيفية تحديد كل من هذين العائدين:
فأما عن العائد الاول فيتم تحديده كالاتي:
- تحديد أدنى (Min) الأرباح الناجمة عن كل من البدائل المتاحة.
- اختيار أعلى (Max) ربح من بين أدنى الأرباح التي تفرزها الخطوة الأولى.
- تحديد الإستراتيجية، التي تتماهى مع البديل الأعلى من حيث الأرباح، ومن ثم اتخاذها كأساس للتعامل مع اللاعب الآخر.
وعليه، تعني إستراتيجية (Maximin) تحديد أعلى الأرباح في سلم أدنى الأرباح للبدائل المتاحة. ومن هذه الإستراتيجية قد تتفرع إستراتيجية اخرى قوامها سعي أحد اللاعبين إلى تحقيق (Maximax)، أي اختيار البديل الذي يفضي إلى تحقيق الحد الأعلى في سلم الأرباح، وبغض النظر عن الكلفة، وبضمنه تقليص العائد الأعلى للخصم.
وأما عن تحديد العائد الثاني (Minimax)، فهو يفيد بالسلوك الرامي إلى تقليص الحد الأعلى من الخسارة المحتملة .ويتم تحديد هذا السلوك كالآتي:
- تحديد أعلى Max)) الخسائر الناجمة عن كل من البدائل المتاحة.
- اختيار أقلMin)) الخسائر من حيث القيمة من بين البدائل أعلاه.
- تحديد الإستراتيجية التي تحقق الخسارة الاقل، ومن ثم اعتمادها سبيلا للتعامل مع اللاعب الآخر. وعلى العكس من نمط السلوك الأول أعلاه، يُقصد ب (Minimax) السعي الرامي إلى تحديد أقل الخسائر الممكنة.
وعادة تكون اللعُبة الصفرية، على صعيد السياسة الدولية، لصيقة بواقع الصراع بين دولتين. وتفيد تجارب الصراع الدولي عبر الزمان أن العديد منها كان قد أقترن بها. ولنتذكر مثلا حصيلة الصراعات/ الحروب/ الإسرائيلية- العربية.
ثانيا، اللعبُة غير الصفرية
تكون اللعُبة غير صفرية Non-Zero-Sum-Game)) عندما لا يعني الربح، الذي يحققه أحد اللاعبين لذاته، بالضرورة الخسارة الصافية لثمة لاعب آخر، وإنما الكل يربح ويخسر في أن واحد، ولكن بنسب مختلفة كآن يربح أحدهم ما يساوي 75% والآخر ما يساوي 25%. وكما أن الواقع الإنساني ينطوي على أمثلة تؤكد هذه اللعُبة، كذلك هي لصيقة أيضا بعلاقة التعاون والصراع بين دولتين، ومن ثم تُعد من اللعُب التعاونية التي يؤدي إدراك اللاعبون أن عدم تعاونهم يفضي إلى خسارتهم جميعا. وتُعبر معضلة الدجاجة (Chicken Dilemma)، أو إشكالية الجبان كما تسمى أيضا في الدراسات ذات العلاقة، عن مضمون هذا النوع من اللعُب.
تفترض هذه المعضلة، المستمدة أصلا من لعُبة رياضية كان يمارسها مراهقون أمريكيون في الخمسينيات من القرن الماضي، وجود مباراة بين شخصين يقود كل منهما عربة على طريق يتسع لعربة واحدة فقط، وأن كل منهما يقف على إحدى طرفي هذا الطريق، وكل ما هو مطلوب منهما هو الوصول وبأقصى سرعة ممكنة إلى الطرف الآخر من الطريق. ويترتب عن المطلوب الخيار بين ثلاثة بدائل من قبل كل من الشخصين:
- الأول هو أن يتراجع أحدهما، ويسمى بالدجاجة آو الجبان، ويكون خاسرا بالحد الأعلى مقابل ربح الثاني وبالحد الأعلى.
- آما البديل الثاني فهو ان يتراجع كلاهما ويربحان بالحد الأعلى.
- آما البديل الثالث فهو أن يتقدم كلاهما باتجاه الآخر حيث يتم تصادمهما، ووفاتهما. وفي هذه الحالة تكون خسارتهما معا بحدها الأعلى.
وغني عن القول ان البديل الثاني هو الامثل لآنه يحقق لكل من الطرفين الربح بحده الأعلى.
وتتعدد الأمثلة على هذه المعضلة في السياسة الدولية. ومنها مثلا سباق التسلح بين دولتين حيث يفضي هذا السباق إلى ثلاثة بدائل ذات مخرجات مختلفة، هي: أولا، سعيهما إلى الاستمرار في صراعهما ومن ثم احتمالية تصعيده إلى حالة الحرب. وثانيا، اتفاقهما على الحد من صراعهم تمهيدا لفضه سلميا لاحقا . وثالثا، استمرار إحدى الدولتين في التسلح مقابل امتناع الثانية عنه وبحصيلة تفضي إلى حدوث خلل في توازن القوى بين هاتين الدولتين لصالح الأولى. وغني عن القول إن اختيار أحد هذه البدائل يتوقف على طبيعة علاقة الصراع السائدة بين الدولتين، ومدى استعدادهما لفضه.
وقد تم تطبيق مضمون هذه اللعبُة على الازمة الكوبية عام 1962 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، التي اندلعت جراء زرع صواريخ سوفيتية في كوبا. وقد عُد فض هذه الازمة أنموذجا للعبُة غير الصفرية. فذهاب كل من الدولتين إلى الآخذ بالبديل الثاني (الاتفاق) رتب ربحهما معا والعالم أجمع. إذ تم تجنب اندلاع حرب نووية بينهما ذات ابعاد عالمية.
وكذلك من المحتمل، وبأرجحية عالية. ان تكون اللعبة غير الصفرية، وعبر المفاوضات، هي المدخل المناسب لفض الحرب الامريكية-الإسرائيلية- الإيرانية الراهنة، سيما أن الاخذ بمضمون اللعبة الصفرية لا يخدم المصالح العليا للأطراف الدولية المتحاربة . فالولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل بالخسارة، لان هذه تعني رفد عملية تأكل قدرتها على قيادة النظام السياسي الدولي بمدخل مهم مضاف. والشيء ذاته ينسحب على إسرائيل وإيران. فقبولهما بالخسارة يعني القبول بتعريض الكيان الذاتي لكل منهما لتهديد جدي. هذا فضلا عن القبول بتحولها من قوة مؤثرة في حصيلة التفاعلات الاقليمية إلى مجرد قوة ذات تأثير محدود.
ولنوعية هذه الخسارة، يضحى التعاون الذي تفيد به مضمون اللعبة غير الصفرية هو المدخل لتحقيق مصالح القوى الامريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المتحاربة. فإضافة إلى الربح المشترك المتمثل في تجنب تلك التفاعلات التي قد تؤدي إلى تصعيد الصراع العسكري بينهما إلى افاق أوسع وشموله لدول أخرى ولاسيما في المشرق العربي وبضمنه الخليج العربي، تفضي هذه اللعبة بالولايات المتحدة الأمريكية مثلا ليس فقط، م إلى تأمين انسياق الدول الحليفة لها وراء استراتيجيتها العليا، وإنما أيضا إلى دعم تعطيل عملية تشكل النظام الدولي متعدد الأقطاب لزمان مضاف. أما عن إسرائيل وإيران، فاللعبة غير الصفرية تتيح لهما، مثلا، الحد من الاستنزاف العملي لقدراتها الناجم عن ديمومة الحرب، فضلا عن دعم دورهما كقوى إقليمية مؤثرة بمدخل مضاف وتطوير علاقة كل منهما بالولايات المتحدةلاحقا.
