“ضرائب التسلل” تهدد صافي أجور الأسر
تستهل المملكة المتحدة عام 2026 وهي تواجه مفارقة اقتصادية معقدة. فبعد الموازنة الأخيرة التي اعتمدت على “ضرائب التسلل” لتوفير 26 مليار جنيه إسترليني، يتضح أن الهدف الأساسي للحكومة هو الحفاظ على الانضباط المالي الشكلي في مواجهة دين حكومي ضخم يلامس 95 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن عام 2026 سيكون عام التحديات الحقيقية… فبينما يُتوقع أن يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل طفيف إلى 1.4 في المائة (ارتفاعاً من 1.2 في المائة في 2025)، تتنبأ المؤسسة الدولية بأن المملكة المتحدة ستظل صاحبة أعلى معدل تضخم بين دول مجموعة السبع، بمتوسط متوقع يبلغ 2.5 في المائة.
هذا التناقض يضع الاقتصاد البريطاني في مسار محفوف بالمخاطر، حيث يهدد التضخم العنيد بتقويض أي انتعاش في الاستهلاك الخاص، بينما يرسخ الإخفاق في معالجة ضعف الإنتاجية والبنية التحتية، الركود الهيكلي. إن التحدي في 2026 هو كيفية تحويل هذا النمو الاسمي البطيء إلى انتعاش حقيقي ومستدام.
عام 2026 تحت رحمة الدين والتضخم
تظهر التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي لعام 2026 أن الاقتصاد البريطاني لن يكون بمنأى عن التحديات العالمية، لكنه سيواجه ضغوطاً داخلية مميزة. ومن المتوقع أن يكتسب النمو زخماً طفيفاً في عام 2026، ليصل إلى 1.4 في المائة، مدعوماً بالتخفيف النقدي التدريجي المتوقع من بنك إنجلترا وتأثيرات الثراء الإيجابية التي ستعزز الاستهلاك الخاص، بالإضافة إلى الدفعة الناتجة عن زيادة الإنفاق العام في موازنة الخريف. ومع ذلك، يظل التضخم هو الشبح الأكبر لعام 2026؛ حيث يتوقع صندوق النقد أن يبلغ متوسط التضخم 2.5 في المائة، وهو ما يضعه في صدارة مجموعة السبع. ويُعزى هذا الارتفاع إلى عوامل عدة كارتفاع معدل التأمين الوطني للموظفين وتأثيرات تلاشي انخفاض أسعار الطاقة.
وفي الوقت نفسه، يُعد الدين الحكومي الهائل – الذي يقترب من 95 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي – المصدر الأكبر لعدم اليقين. ارتفاع العائدات على السندات البريطانية في 2025، مدفوعاً بـ “التضخم العنيد”، يعني أن تكلفة خدمة الدين ستظل مرتفعة في 2026، وقد تتجاوز ما تنفقه الحكومة على التعليم، مما يضغط على الإنفاق الحكومي في جميع القطاعات. لقد اعتمدت وزيرة الخزانة راشيل ريفز على هامش مالي ضيق عند صياغة موازنتها، لكن أي انحراف بسيط في توقعات النمو أو التضخم في عام 2026 يمكن أن يؤدي إلى خرق القواعد المالية التي فرضتها على نفسها، مما يعرض الثقة في الأسواق لاهتزاز جديد، خاصة في ظل نظام يعتمد على تنبؤ واحد سنوي للموازنة.
استمرار أزمة الإنتاجية
يظل التحدي الجوهري الذي سيواجه الاقتصاد البريطاني في 2026 هو ضعف الإنتاجية وبطء نمو الناتج لكل فرد. فقد توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج للفرد الواحد في 2026 بنسبة 0.5 في المائة فقط، مما يضع المملكة المتحدة في قاع ترتيب مجموعة السبع. ورغم أن الموازنة اعتمدت على ضريبة “التسلل” لزيادة الإيرادات بقيمة 26 مليار جنيه إسترليني، إلا أن هذا الإجراء لم يُتبَع بخطة استثمار قوية في البنية التحتية والمهارات، مما يرسخ “حلقة الركود” التي يعاني منها الاقتصاد.
إحدى الإجراءات الإيجابية المتوقعة في 2026 هي تعيين 350 مخططاً إضافياً لدعم خطة بناء 1.5 مليون منزل. إذا نجحت الحكومة في تنفيذ هذا المشروع، فإنه قد يوفر دفعة لقطاع البناء، ويحسن حركية سوق العمل، ويدعم الإنتاجية عبر تسهيل انتقال العمال إلى مناطق الفرص. ومع ذلك، فإن التأخير المتوقع في المشاريع الكبرى بسبب نقص العمالة الماهرة وتغير الظروف الاقتصادية يهدد بإفشال هذه الطموحات. ومن شأن الفشل في تخصيص التمويل الكافي والدعم للتدريب الذي يواكب الأولويات طويلة الأجل للبنية التحتية أن يترك الاقتصاد مكشوفاً أمام تحديات الإنتاجية الهيكلية في 2026 وما بعدها. كما أن القيود المفروضة على الهجرة، والتي تهدف لتقليل عدد المهاجرين، ستؤدي إلى تقييد إمدادات العمالة الماهرة وغير الماهرة، مما يرفع تكاليف التشغيل على الشركات ويقوض جهود رفع الإنتاجية.
ضغوط السياسة الضريبية
سيبدأ في عام 2026 سريان عدد من الإجراءات الضريبية التي ستؤثر بشكل مباشر على الأسر والأعمال، وستكون لها تداعيات اجتماعية واقتصادية كبيرة. تأثير الضرائب الخفية – تجميد شرائح الإعفاء الضريبي – الذي اعتمدته الحكومة سيبدأ تأثيره الفعلي في 2026، حيث يجد المزيد من ذوي الدخل المتوسط أنفسهم في شرائح ضريبية أعلى مع ارتفاع الأجور الاسمية بسبب التضخم. هذا التآكل في صافي الدخل المتاح للإنفاق سيحد من قدرة الاستهلاك الخاص على قيادة النمو، ويزيد من الضغط على الأسر في ظل أعلى معدل تضخم بين مجموعة السبع. وقد يثير هذا التآكل نقاشاً حاداً حول ما إذا كانت الحكومة قد أخلت بالتزامها بعدم رفع الضرائب على العاملين حتى لو لم تتغير معدلات الضريبة المعلنة.

وفي سياق التحول الأخضر، فإن عام 2026 سيكون عام الترقب لمزيد من الضرائب. ورغم أن ضريبة “الدفع مقابل الميل” على السيارات الكهربائية لن تُطبق حتى أبريل (نيسان) 2028، فإن النقاش حول تأثيرها على سائقي المناطق الريفية سيزداد حدة في 2026، وقد يعيق التحول إلى السيارات الكهربائية، خاصة وأن التقديرات تشير إلى أن هذه الضريبة قد تدر 1.1 مليار جنيه إسترليني بحلول 2029. كما أن استمرار فشل الحكومة في خفض ضريبة القيمة المضافة على الشحن العام للسيارات الكهربائية من 20 في المائة إلى 5 في المائة يمثل فرصة ضائعة في 2026، وسيواصل وضع عائق مالي كبير أمام السائقين الذين لا يملكون مرآباً خاصاً للشحن، مما يعيق هدف التبني الشامل للسيارات الكهربائية. إضافة إلى ذلك، فإن عام 2026 سيشهد زيادة في رسوم الوقود تماشياً مع التضخم، بعد تجميد دام طويلاً، مما سيضيف ضغطاً تضخمياً جديداً على كاهل المستهلكين.
المخاطر العالمية
تظل المخاطر العالمية تمثل تهديداً لآفاق النمو في 2026. يفترض صندوق النقد في توقعاته لعام 2026 أن التوترات التجارية العالمية المستمرة ستخفض مستوى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.3 في المائة. هذا التخفيض ناتج عن استمرار حالة عدم اليقين في السوق، وتباطؤ نشاط الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة، والتأثير المباشر للتعريفات الأميركية المتبقية. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن التشدد المحتمل غير المتوقع للظروف المالية العالمية، إلى جانب زيادة المدخرات الوقائية للأسر، قد يعيق انتعاش الاستهلاك الخاص، وبالتالي يبطئ التعافي المتوقع في 2026.
كما تشكل قضايا الاستقرار المالي تحدياً خاصاً لعام 2026. فقد أشار صندوق النقد إلى أن الأسواق لا تزال قلقة بشأن الاقتصاد البريطاني، وأنها تتطلب “المزيد من التفاصيل حول الخطط المالية” لمعالجة التضخم وضعف الإنتاجية، مما يفسر ارتفاع عائدات السندات البريطانية. وفي هذا السياق، فإن قرار الحكومة تقديم تنبؤ واحد فقط للموازنة سنوياً، على الرغم من محاولته تجنب التقلبات السياسية، يجعل كل موازنة في 2026 رهينة للصدفة، وقد يزيد من عدم اليقين في الأسواق المالية التي تفضل رؤية أكثر استقراراً وتوقعات أوسع نطاقاً.
الأولوية لـ “الاستقرار في السياسة”
في الختام، عام 2026 هو العام الذي يجب فيه على الحكومة البريطانية أن تتحول من مجرد إدارة الدين إلى الاستثمار في المستقبل. وبينما تشيد المؤسسات الدولية بالجهود المبذولة لضمان الاستدامة المالية، فإنها تشدد على أن النجاح في تحويل النمو البطيء إلى نمو مستدام يعتمد على تطبيق أجندة إصلاح هيكلية تتطلب تحديد الأولويات ووضوح التواصل. يؤكد خبراء صندوق النقد الدولي أن أهم الأولويات لعام 2026، والتي من المرجح أن تحقق أكبر فوائد للنمو، هي: الاستقرار في السياسة للتخفيف من تقلبات الأسواق، وإصلاح التخطيط العمراني لتحسين البنية التحتية وحركية العمالة، وتعزيز رأس المال البشري والمهارات لمواجهة نقص العمالة. إن الفشل في معالجة هذه التحديات الهيكلية في 2026 سيجعل أي نمو يتحقق نمواً سطحياً وغير قادر على تحمل الصدمات المستقبلية، مما يرسخ الشعور بأن الاقتصاد لا يزال “عالقاً” في مكانه، على حد تعبير وزيرة الخزانة.
