متغيرات وإنشغالات اقليمية ودولية تعصف بلبنان
مرّت سنة 2025 عاصفة على لبنان سياسيا وعسكريا، برغم الانجازات الداخلية التي تحققت في السنة الاولى من عهد رئيس الجمهورية واقل من سنة من عمر حكومة نواف سلام. وخلال هذه السنة طاف الرئيس عون بلاد العالم العربي والغربي واستقبل عشرات الوفود العربية والدولية، حاملاً مطالب لبنان بالضغط على كيان الاحتلال الاسرائيلي لتنفيذ المطلوب منه في اتفاق وقف الاعمال العدائية، ودعم مؤسسات الدولة لا سيما الجيش والقوى الامنية لتتمكن من استكمال تنفيذ الخطوات الاخيرة من الانتشار في جنوبي نهر الليطاني وحتى الحدود مع فلسطين المحتلة، لكنه قُوبِل – كما الرئيس نواف سلام- بمطالب الدول التي ركزت على امرين: إنجاز الاصلاحات المالية والاقتصادية ، وإنجاز جمع السلاح في كل مناطق الجنوب، ومن ثم في كل لبنان، وهنا المقصود بشكل خاص سلاح حزب الله وبشكل اقل سلاح المخيمات الفلسطينية لا سيما في مناطق الجنوب. “وبعدها نتكلم في موضوع المؤتمرات الدولية لدعم التعافي الاقتصادي ودعم الجيش” حسب منطق الدول المانحة.
ومع مطلع العام الجديد 2026، لا زالت مطالب الدول هي ذاتها، ولا زال حزب الله متمسك بعد تسليم سلاحه في المناطق الاخرى خارج منطقة الحدود، معتبراً ان جمع السلاح حسب اتفاق تشرين الثاني – نوفمبر 2024 ،يشمل منطقة جنوب نهر الليطاني، والباقي بعد تنفيذ الاحتلال الاسرائيلي المطلوب منه، أي انه يجب إلزام قوات الاحتلال بوقف الاعتداءات التي لم تتوقف ولا يوم، وبالانسحاب من المناطق المحتلة واطلاق سراح نحو 20 اسيرا لبنانيا بينهم مدنيون اعتقلتهم قوات الاحتلال خلال توغلاتها في قرى الجنوب بعد اتفاق وقف اطلاق النار.
وعلى هذا استمر الحال اللبناني على ما هو عليه، ويبدو انه سيستمر الى أجلٍ غير مسمى خلال العام الجديد، حتى تظهر التوجهات الاميركية الفعلية حيال معالجة التوترات الاقليمية، هذه التوجهات التي ما زالت ترتبط اميركياً بمشروع الرئيس دونالد ترامب الاقتصادي العالمي والاستعماري الجديد حسب وصف العديد من الدول، وبأجندة بنيامين نتنياهو الحربية، بحيث لا تمارس الادارة الاميركية اي ضغوط على رئيس حكومة الاحتلال سوى لإلزامه بتطبيق المراحل المتبقية من اتفاق وقف الحرب في غزة. اما باقي الجبهات، فقد حصل نتياهو خلال لقائه في اواخر العام الماضي مع الرئيس الاميركي على موقف مساند لرغباته التصعيدية وبخاصة في لبنان، وبدا واضحا من خلال كلام ترامب عن لبنان “سنرى ماذا سيحصل”، انه موافق على ترك حرية التصرف لنتنياهو، الذي سبق واعلن مرارا هو وكبار مسؤولي اسرائيل السياسيين والعسكريين انه “اذا لم ينجح الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله ستنزعه اسرائيل بالقوة”. على ان الاخطر، سواءٌ على مستوى التهويل او الواقع على الارض، ما كشفته هيئة البث الاسرائيلية من ان نتنياهو ابلغ اعضاء حكومته. “بوجود ضوء اخضر من الولايات المتحدة الاميركية للبدء بتنفيذ عملية عسكرية في لبنان”.

ترافق ذلك مع توترات اسرائيلية مفتعلة مع سوريا ومع ايران، وتوتير العلاقة مع دول الخليج العربي بعد الغارة على العاصمة القطرية الدوحة، وصولا الى استمرار تهديد اليمن. والاعتراف بدولة “ارض الصومال” الذي بدا بمثابة خنجر اسرائيلي في ظهر السعودية ومصر واليمن، لوضع موطىء قدم في باب المندب الاستراتيجي القريب من ايران، ولجرّ الدول العربية بالقوة الى ما يُسمّيه “الاتفاقات الابراهيمية” لتطبيع العلاقات مع الدول العربية ومن ثم للسلام الذي يريده ولو بالقوة حسب شروطه ومواصفاته. وترافق كل ذلك مع صمت اميركي بدا بمثابة دعم مطلق لإسرائيل.
انشغالات عن لبنان
ومن سياق الاحداث التي تلت لقاء ترامب – نتنياهو في فلوريدا، وبخاصة استمرار الغارات الجوية الاسرائيلية العنيفة مطلع العام الجديد على مناطق الجنوب والبقاع، واستمرار التوغلات الاسرائيلية والغارات على سوريا وعمليات القتل في مناطق جنوب سوريا وتحريض دروز منطقة السويداء على الانفصال، ان الوضع الدولي والاقليمي ما زال يراوح مكانه وان منطقة الشرق الاوسط متروكة لما يقرره نتنياهو، بعد انشغال اوروبا بالحرب في اوكرانيا، ومن ثم انشغال العرب بالوضع الصومالي المستجد، والوضع اليمني المستجد بعد الخلاف السعودي- الاماراتي حول مصير جنوب اليمن ووصوله الى حد تنفيذ الطيران السعودي غارات على عتاد عسكري اماراتي في منطقة حضرموت وعلى موقع القوات اليمنية الموالية للإمارات، عدا انشغال مصر بوضع غزة وبالمشكلة مع اثيوبيا، وانشغال العرب بالتصعيد الذي شهده السودان.
وجاءت العملية العسكرية الاميركية الخاطفة على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ومجريات ما بعد وضع اليد الاميركية على النفط الفنزولي، والتوتر في الاطلسي والبحر الكاريبي مع روسيا الاتحادية، فضلاً عما يجري داخل ايران من احداث خطيرة، لتزيد من عزلة لبنان العربية والدولية ووضع معالجة مشكلاته بشكل جذري في آخر رزنامة العمل.
لذلك يسود الاعتقاد في لبنان انه سيبقى متروكاً حتى تتضح صورة المنطقة لا سيما صورة الوضع السوري المؤثر جداً على لبنان، ولا سيما مع تسريب معلومات وتحليلات عن احتمال تقسيم سوريا، مع ما يعنيه ذلك من آثار سلبية على لبنان حتى لو لم يتحقق التقسيم، ذلك ان التوترات الخطيرة المتنقلة في سوريا من حمص الى حلب والقنيطرة والسويداء والساحل السوري، تحمل مخاطر على لبنان..
رهان فاشل على الدبلوماسية
وفي السياق قالت مصادر الرئيس جوزيف عون لـ “الحصاد” انه مستمر بالرهان على تدخل الدول الشقيقة والصديقة لا سيما مصر والسعودية وفرنسا للحد من غلواء نتنياهو، ومتمسك بالجهد الدبلوماسي وبآلية لجنة الاشراف على تنفيذ اتفاق وقف العليات العسكرية- ميكانيزم- بعد تطعيمها بمندوب دبلوماسي لبنان، وان الرئيس عون اجرى خلال الفترة القريبة الماضية العديد من الاتصالات. كما نُقل عن رئيس المجلس نبيه بري قوله: “أن معركة لبنان المقبلة ستكون ذات طابع دبلوماسي، مركّزة بشكل أساسي على مجلس الأمن الدولي. مشيرا الى أنّ هناك محاولات لتعديل مهام قوات اليونيفيل وربما انسحاب بعض الدول منها، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على لبنان. ولكن لبنان سيكون مضطراً للتمسّك بـتنفيذ القرار 1701، إلى جانب اتفاقية وقف إطلاق النار، معتبرة أن التمسّك بالقرارات الدولية سيحكم المرحلة المقبلة بالمفاوضات عبر الميكانيزم”.
لكن مع توجهات التصعيد الاسرائيلي المبني على مشروع نتنياهو “الابراهيمي” ومشروع ترامب السياسي- العسكري- الاقتصادي، لم يعد من مجال للدبلوماسية. ذلك انه بعد اعلان قيادة الجيش اللبناني مطلع هذا العام “انجاز المرحلة الاولى من حصر السلاح جنوبي نهر الليطاني ، وبسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي”، ردت اسرائيل بأن “حزب الله لا زال موجودا في المنطقة وان بيان الجيش اللبناني بحصر السلاح جنوب الليطاني لا يتماشى مع الواقع”. وزعمت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، “أنّ قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يقدّم رواية غير صحيحة، وأن إسرائيل تستعد لإطلاق تحرّك واسع النطاق يستهدف الساحة اللبنانية والمجتمع الدولي”.
على هذا، برزت مشكلة الانتقال بعملية حصر السلاح من من جنوب نهر الليطاني إلى شماله، وتحديداً الشروع في تمدّد خطة حصر السلاح إلى منطقة ما بين نهر الليطاني وحتى مجرى نهر الأولي شمالاً عند مدخل مدينة صيدا عاصمة الجنوب وبداية حدود محافظة الجنوب. وهي بإعتقاد المتابعين المرحلة الاصعب، لذلك لم يحدد قائد الجيش العماد رودولف هيكل امام مجلس الوزراء مهلة لإنجاز هذه العملية نظرا لكبر مساحة المنطقة ولوجود عوائق سياسية وعسكرية امام انجازها بشكل كامل، منها ضعف امكانات الجيش عديدا وعتادا وسلاحا، وبسبب تمسك حزب الله بعدم تسليم السلاح قبل وقف العدوان وانسحاب قوات الاحتلال من النقاط المحتلة الحدودية.
واكتفى العماد هيكل بإبلاغ مجلس الوزراء انه سيعد تقريره عن المرحلة الثانية من جمع السلاح شمالي الليطاني ويعرضه على الحكومة في شهر شباط – فبراير، بينما انقسم مجلس الوزراء اللبناني بين مطالبة وزراء خصوم حزب الله بمهلة محددة لجمع السلاح تنتهي في اذار- مارس، وبين اعتراض وزراء ثنائي امل وحزب الله على طرح جمع السلاح في مرحلته الثانية قبل تنفيذ الاحتلال الاسرائيلي كل مندرجات وقف اطلاق النار التي لم يلتزم بها من لحظة توقيعها قبل سنة وثلاثة اشهر.
ترافق ذلك مع تسريبات اسرائيلية ثم عن “مصادر مقربة من حزب الله بأن محور العمليات العسكرية الإسرائيلية سيركز على شمال نهر الليطاني”، أي بعيداً عن الحدود حتى عمق يتجاوز 60 كيلومتراً، عدا الغارات على مناطق محافظة البقاع الشرقي والشمالي والغربي. وهو ما باشر بع الاحتلال الاسرائيلي بداية شهر كانون الثاني – يناير بالغارات على مناطق تقع بين صور وصيدا ساحلا وجبلاً.
قوات دولية جديدة
اضافة الى ذلك، برزت مشكلة البحث عن بديل لقوات حفظ السلام الدولية – اليونيفيل بعد انتهاء تفويضها نهاية العام 2026 وبدء سحب عدد من الدول المشاركة بعض قواتها بشكل نهائي قبل نحو شهرين. فإنشغل لبنان ايضاً بالبحث مع الدول المشاركة لا سيما الاوروبية منها في تشكيل قوات دولية بديلة ولو بتكليف امني مختلف عن تكليف قوات اليونيفيل وبعديد اقل. وحصل الرئيس عون على تأكيدات من فرنسا وايطاليا واسبانيا بشكل خاص بأنها مهتمة بإستمرار وجود قوات لها في لبنان، لكن حتى كتابة هذه السطور لم تتضح طبيعة القوة المقترحة ولا طبيعة مهامها، نتيجة موقف الادارة الاميركية وكيان الاحتلال الاسرائيلي الرافض لوجود اي قوة دولية خارج نطاق رئاسة اميركا لها، وبشروط اسرائيلية تجعل من اي قوة بمثابة “شاهد زور” جد يد يكتفي بالمراقبة وتسجيل الخروقات والانتهاكات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية.
