بين الفرص والتحديات
تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية التي تم توقيعها بين إسرائيل وعدد من الدول العربية نقطة تحول فارقة في تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية. حيث كشفت عن مسار جديد للتعاون والتواصل في منطقة الشرق الأوسط. يصف معهد الاتفاقيات الإبراهيمية للسلام، ومقره واشنطن، أن هذه الاتفاقيات “شكّلت نقطة تحوّل جوهرية في طبيعة العلاقات بين إسرائيل ودول عربية”، مشيرًا إلى أن أربع دول، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر، بدأت مسارًا دبلوماسيًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
الأبعاد السياسية والاقتصادية للتطبيع
تحتوي الاتفاقيات الإبراهيمية على العديد من الأبعاد السياسية والاقتصادية التي تهدف إلى تحقيق السلام وتعزيز التعاون بين الدول. في مرحلة تاريخية تعد مميزة، يُعَدُّ هذا التحرك بمثابة “بداية فصل إقليمي جديد” يسعى إلى تحقيق الرفاهية الاقتصادية ويعزز من الروابط القوية بين الشعوب والدول. يشير التقرير إلى أن التحركات التجارية بين الدول الموقعة تُظهر فوائد ملموسة، حيث يُتوقع أن تساهم هذه الاتفاقيات في توفير ما يصل إلى أربعة ملايين فرصة عمل جديدة، وتحفيز نشاط اقتصادي يُقدّر بتريليون دولار خلال العقد المقبل.
تم توقيع أولى هذه الاتفاقيات في 15 سبتمبر 2020 بين الإمارات والبحرين وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة. تم ذلك بعد جهود دبلوماسية مكثفة، وبدعم من الإدارة الأميركية السابقة، مما فتح الباب أمام تسريع وتيرة التطبيع. في سياق ذلك، تم التوصل إلى اتفاقيات مماثلة مع المغرب والسودان، حيث أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
مآخذ على الاتفاقيات: التخلي عن القضية الفلسطينية
في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الاتفاقيات على أنها خطوة نحو السلام، يعبر العديد من النقاد عن قلقهم بشأن العواقب السلبية التي قد تنتج عنها، خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية. يرى الكثيرون أن تركيز الاتفاقيات على الجوانب الاقتصادية والسياسية ليس مرتبطًا بالجانب الديني، حيث تظل الأبعاد الدينية قائمة كما هي دون تغيير فعلي في الواقع. الأمور المتصلة بالمعتقدات الدينية تستمر في كونها ذات طابع ثقافي دون أن تتأثر بعمق بسياسات التطبيع وأحوال العلاقات.
تعتبر المعارضة أن هذه الاتفاقيات لا تركز على تأمين حقوق الفلسطينيين أو إعادة حقوقهم المهدورة، بل تقبل بالفعل بفكرة استمرار وجود إسرائيل وشرعيتها على حساب الحق الفلسطيني. كما تُعتبر هذه الاتفاقيات تراجعًا عن المبادرات العربية السابقة لتحقيق السلام، مثل المبادرة العربية التي صيغت لدعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
منع الاندماج والتكامل العربي
يمكن أن تُعتبر الاتفاقيات أيضًا محاولة لفصل الدول الموقعة عن القضية الفلسطينية، مما سيؤدي إلى عدم التأثير الفعال للعرب على أحداث القضية. على الرغم من وجود تسهيلات تجارية واتفاقات اقتصادية، فإن انقسام الدول العربية حول موقفها من إسرائيل لن يؤدي إلى مصداقية في القضايا العربية الكبرى، بل يمكن أن يزيد من التوترات داخل كل دولة وعلى مستوى المنطقة بشكل عام.
المخاطر الحالية: المحافظة على فكرة الدولتين
في ظل التحولات الراهنة، تعيش فكرة الحل القائم على الدولتين أوقاتًا صعبة. إن التطورات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأحداث الاشتباكات المتكررة في غزة، تجعل فكرة الدولتين تواجه مخاطر جدية. يُشعر الكثيرون بالعزلة إزاء ما يُعتبر خيانة لحقوقهم ورغباتهم المشروعة.
سعت بعض الدول العربية، تحت ضغط الظروف الإقليمية والدولية، إلى الاقتراب من إسرائيل، متأملةً في تحقيق مصالح اقتصادية أو سياسية. ومع ذلك، هذا الاقتراب لم يكن له تأثير يذكر على قضايا الحريات والحقوق الفلسطينية، التي تظل على رأس قائمة التحديات الرئيسيّة التي تواجه المنطقة.
تحميل المسؤولية التاريخية
في سياق تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، يُشير العديد من المؤرخين إلى أن القضية الفلسطينية لم تكن مجرد نزاع إقليمي، بل كانت لها عواقب تاريخية جذرية على الهوية العربية. لذا فإن تحميل الدول الموقعة للاتفاقيات الإبراهيمية المسؤولية عن تجاهل القضية الفلسطينية يعد أمرًا مقلقاً. فالتسوية السريعة مع إسرائيل قد تُعتبَر خيانة للأجيال السابقة التي قدمت الكثير من التضحيات من أجل حقوق الفلسطينيين.
الأبعاد الاجتماعية والثقافية للتطبيع
لا تقتصر الآثار الناتجة عن الاتفاقيات الإبراهيمية على الجوانب السياسية والاقتصادية فحسب، بل تشمل أيضًا أبعادًا اجتماعية وثقافية. فقد برزت تحديات في القوى الاجتماعية والسياسية نتيجة للاختلافات في الرأي، وللتباين في كيفية استقبال الجمهور العربي لموضوع التطبيع. يواجه المطبعون ضغوطًا كبيرة من مجتمعاتهم، حيث يُنظر إليهم كخونة أو عملاء لأنظمة الاحتلال، مما يزيد من تفاقم التوتر الاجتماعي في المجتمعات العربية.
ويتجلى في السياق العربي أن التعليم والإعلام يلعبان دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه التصورات حول إسرائيل. رغم أن العلاقات الرسمية قد تتطور، إلا أن الثقافة الشعبية لا تزال متأثرة بشدة بالصراعات التاريخية، والقصص القديمة التي تعكس الصراع بين العرب والإسرائيليين. بالطبع، فإن أي جهود لتطبيع العلاقات أو إضفاء الشرعية على إسرائيل كدولة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مع إحساس عميق بالعدالة والمساواة للفلسطينيين.
الأدوار الأميركية والأوروبية والدول الإسلامية
تؤدي القوى الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أدوارًا مهمة في تشكيل ملامح التطورات الجارية في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة، بصفتها راعيًا رئيسيًا للسلام، تستفيد من تلك الاتفاقيات لتعزيز وجودها في المنطقة وخلق تحالفات استراتيجية مع الدول العربية. يمكن أن تكون هذه التحالفات عاملاً مساهمًا في تحقيق السلام، ولكن في حال تجاهل الحقوق الفلسطينية، ستمثل هذه التحالفات أيضًا عائقًا أمام التسوية.
من ناحية أخرى، تظهر بعض الدول الأوروبية أيضًا دعمها لعملية السلام، ولكن دون خطة واضحة لتحقيق العدالة. يمكن أن تلعب هذه الدول دورًا في إعادة إرساء الحوار بين الأطراف المختلفة، ودعم المبادرات التي تعزز من حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
أما الدول الإسلامية، فهي تواجه تحديات كبيرة في تمسكها بالقضية الفلسطينية وتعزيز وحدة الصف العربي. يُعتبر فعالية العمل الإسلامي المشترك من الأمور الحيوية لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة. تسعى بعض المنظمات الإسلامية لتعزيز الدعم المالي والإنساني للفلسطينيين في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.
البدائل الممكنة لتحقيق العدالة والسلام
تسود الأوساط العربية حالة من عدم الرضا عن التطبيع القائم، مما يستدعي بحث بدائل عملية تساعد على تحقيق العدالة والسلام.
من المُمكن أن تشمل هذه البدائل:
- تعزيز وحدة المواقف العربية : يمكن للدول العربية أن تتبنى مقاربة موحدة تجاه القضية الفلسطينية، إذ تُعتبر هذه الوحدة قوة في مواجهة أي ضغوط سياسية. إن توفير الدعم السياسي والاقتصادي لفلسطين يجب أن يكون ضمن سياسة موحدة تساهم في إعادة تعزيز حقوق الفلسطينيين.
- العودة إلى المبادرات القديمة: يمكن إحياء المبادرات القديمة، مثل المبادرة العربية للسلام، التي تنص على اعتراف العرب بإسرائيل مقابل الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. من المهم أن يتم تجديد هذه المبادرة، مع التأكيد على أن حقوق الفلسطينيين يجب أن تُحترم.
- الترويج للوعي الثقافي: يجب العمل على نشر الوعي الثقافي حول أهمية القضية الفلسطينية من خلال التعليم والإعلام. يجب أن تتغير الروايات الحالية السلبية لأسرائيل، والتأكيد على حقوق الفلسطينيين.
- الدعم من المجتمع الدولي: تحتاج الدول العربية إلى دعم فاعل من المجتمع الدولي، بما في ذلك القوى الكبرى، للضغط على إسرائيل لاحترام الحقوق الفلسطينية. يجب المدنيين الدوليين الذين يعبرون عن التضامن مع الفلسطينيين، استغلال هذه الروح للتحرك نحو تحقيق العدالة.
- توفير الدعم المالي والتنموي: من الضروري أن تنشئ الدول العربية مشاريع تنموية لدعم الاقتصاد الفلسطيني. هذا قد يعزز من قدرة الفلسطينيين على الاعتماد على أنفسهم ويُظهر للعالم أن الحلول الأميركية تُعزز من استقرار المنطقة.
- التركيز على الأبعاد الإنسانية: يجب أن يغلب الطابع الإنساني على الجهود الدبلوماسية، مع التركيز على حقوق الإنسان، ومساعدة النازحين، والعمل على وضع حد للاحتلال والتمييز. التركيز على الشراكات الإنسانية يمكن أن يفتح أبواب الحوار ويعزز من التعاون بين الأطراف.
التوترات الجارية في الأرض المحتلة
تتزايد التوترات في الأراضي المحتلة، ولم تعد الأحداث تتعلق فقط بالتطبيع، بل تتفاعل بقوة مع ما يحدث على الأرض. أعادت الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في مختلف المناطق إبراز جانب القضية التي قد يتجاهلها المجتمع الدولي. يُشكل الوضع في غزة، الصراع المتجدد في الضفة الغربية، والاستيطان الإسرائيلي، موانع حقيقية يجب تناولها بجدية في أي مفاوضات مستقبلية.
هناك حاجة ملحة للتعامل مع آثار العنف المتزايد على الحياة اليومية للفلسطينيين. وكثير من هؤلاء يواجهون المزيد من الضغوط بسبب الظروف الاقتصادية، والاستهداف اليومي من قبل القوات المحتلة، مما يثير أسئلة حول دور المجتمع الدولي والحكومات العربية في حماية حقوق الإنسان.
العمل نحو السلام أم فخ التطبيع؟
تبقى قضية الاتفاقيات الإبراهيمية معقدة ومحيطة بعدد من التحديات العميقة. بينما توفر هذه الاتفاقيات فرصًا اقتصادية وتوسيع نطاق التعاون الدبلوماسي، لا تزال المخاطر المرتبطة بفقدان الهوية الفلسطينية وحقوق الإنسان عائقًا كبيرًا. إن وصف الاتفاقيات بأنها غير متعلقة بالجانب الديني، يعكس رؤية انتقاد أساسي لخلفيات هذه الاتفاقيات وتأثيراتها على النزاع المستمر.
هناك من يرى انه قد يكون بناء السلام الحقيقي هو الطريق الأفضل نحو هدف مُستدام، يتجاوز الأبعاد السياسية ويحقق تطلعات الشعوب في العدالة والكرامة. ستبقى القضية الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من الهوية العربية، ولا يمكن تجاهلها، إذ تشكل جزءًا أساسيًا من الهوية العربية. من الأهمية بمكان أن تعمل الحكومات والشعوب معًا للبناء على أسس من العدالة والمساواة، وأن تُعزز السبل التي تساهم في تحقيق السلام الدائم في المنطقة.
