اربع سنوات على غياب روميو لحود :
لم يفقد روميو لحود دماءه في المسرح . لم يظهر يوماً وكأنه يحيا على أعشابه المقوية . ظهر الرجل كالفاكهة الطازجة في صالات العالم المسرحي .حين أطل برأسه وجد جسده في مسرحه ، مسرح يخف الى الغناء والإستعراض. مسرح غنائي ، راقص . لكنه لا ينتمي الى تجربة الرائدين مارون النقاش وأبي خليل القباني. مسرح الأول والثاني ، راقص ، غنائي . لكنه ، مسرح الضرورة في القرن التاسع عشر . مسرح روميو لحود مسرح في الصورة العامة للتجرية المسرحية في لبنان . مسرح ينوع . ثمة من يردد كلاماً يدفعه إلى تخطي التنويع . أصحاب الكلام يساهمون في تجفيف معنى وجود مسرح لحود في التجربة العمومية المسرحية ، بالقول أنه خاص ، ريادي. ريادة المسرح الغنائي ، الراقص ( مع فرقة وديعة ومروان جرار ) في مهرجانات بعلبك الدولية مع الأخوين رحباني وفيروز وتوفيق الباشا وزكي ناصيف بالعام ١٩٥٨. لم يحدث الرجل تحولات بارزة في المسرح . يقدم على أنه كذلك من من يحدون مؤامرة بعدم الكلام عليه كرائد لفن المسرح الغنائي الراقص. مواد مسرحه موجودة، رهَّط عليها بعض حداثات التصنيع من مسرح برودواي الغنائي . هذا ميزانه . هذا ديوانه . إنه في وضعية المدين العالمي لهذا المسرح العالمي . نظام لن يتخلى عنه ، لأنه غدا به صاحب مسرح يحسب على موجوداته المتزايدة .
المسرح جبهة أوسع من صنف مسرحي واحد ، وإلا وقع في القطاعات الخاسرة . المسرح قطاع لا يخسر ، لا من أسعار الصرف فيه ، من سياساته الجمالية المختلفة . بقي روميو لحود في سلطة التمويل الخارجي لمسرحه . تمويلات جمالية ، بقيت في حدود تدفقها الأولى ، لأن لحود إذ تقدم في هذا المصوغ ، تقدم من ما هو عادي إلى ما هو سلعي في حقل موله مسرح برودواي دوماً من دون القوة على القفز من وضعية إلى وضعية . تطوير اتباعي . تطوير بقي في الموضوعية المتعلقة بمصادر المواد الخام للمسرح اللحودي. مسرح قريب من مسرح التلفزيون المسرحي في جمهورية مصر العربية . مسرح يسلي. غير أنه مسرح كادر لا بقفز منه ، لا يقفز عليه . لا يضطرب لأنه يعيد المنتج بعيداً من فكرة إنفراد القدرة . التثبيت شرط للحصول على التسهيلات . هذا ما حدث . ما حدث من زاوية أخرى ، هو التحول في مبادئ اختيار المواقع . مواقع العمل . اندراج في سياق التصعيد . هكذا ، خرج لحود من النزوع النيو محافظ ، إلى نزوع أبعد حرية. المسرح محولة هنا . لا مساحة متغيرات من خلال التراكم في السياسات والإجراءات . مصوغ محلي أولاً . مصوغ لا يواجه صراعاً مع فكرة التأميم . ذلك أن القدرة دونها لدى من ذهب إلى اختيارها ووضعها في مرونة وضعها في الأجواء المؤاتية . وضع في جهة المختار لا في الجهة المقابلة . مسرح بروح ريفية حتى ولو خرج على التشدد الريفي في نوع من السياسات الخارجة من ضعف القدرة على النمو .
لا إنكار لخلق جو مؤات لهذا المسرح في لبنان . مسرح له جمهوره ، حين يتدخل فب عقود عمله مجموعة من المخرجين المسرحيين . إذ أن جيرار افيديسيان ، كمثال ، قدم درجات إسهام واضحة في هذا النوع، هذا الصنف . لم يضع الياس الرحباني هذا المسرح جانباً، لأنه في توقعاته الأولى . الموسيقي ، ثالث الأخوين رحباني ، أوجده كدين دائم على نحو دوري ، حتى أنه قدم إيلا آخر مسرحياته في هذا الدور المسرحي . لم يشطب غسان الرحباني هذا الدور بدوره في هنيبعل كمثال . لكنه قدمه في ظروف أبعد ، في ظروف أضخم . مسرحيات غسان الرحباني يقدم جرعات من مسرح برودواي بأجره الجمالي الحقيقي ، حتى إذا ما قورن بمسرحيات لحود تضع المسرحيات هذه في مهب الرياح الأولى : مسرحيات ذات روح ريفية . مسرحيات بدون حاجات جمالية ، لأنها تنوجد كعبء من عدم القدرة على قبولها . قبول طوعي . أو قبول قسري . هكذا ، بقي مسرح روميو لحود سلطة على نفسه ، لا سلطة روميو لحود على مسرحه . مسرح موجة تمد وتجذر . السياسات تتشدد بحالها . لا يتشدد بها أصحابها حين يجدون أنفسهم أفضل حالاً ، بحيث يضحي مسرحهم أفضل حالاً .
الأسطرة واحدة من العلل . علل المجتمع اللبناني. لا تسمح الأسطرة بالقراءة النقدية . تلاشيها بصور عامة ، تلاشيها بصور خاصة. إذن ، الحقبة . إذن ، استمرار الحقبة . ساهمت أسطرة مسرح روميو لحود في عدم التفاوض عليه ، بهدف جدولة ديونه بالكلام الإقتصادي . بقي المسرح على ما هو عليه ، من ضبط الحركات إلى ضبط المشاهد من دون الوصول إلى بلاد أخرى . تمزق من ضعف النمو الفكري ، الجمالي . لم تسمح المديونية الجمالية سوى بالوقوع في التضخم الشكلاني . لن تسمح ” الأسطرة ” بالصعود القليل . هكذا ، بقي مسرح لحود في أفضل صيغه في برودواي الخمسينيات من القرن الماضي . بون واسع من خلال المراوحة في القواعد القديمة . حمى المؤسطرون المصوغ ، بحيث بقي بعيداً من قوى الدفع. حول المؤسطرون لحود إلى قديس مسرح . قديس صنف مسرحي فقد هلامه القداسي من استمرار الحقب القديمة في برودواي في الحقب اللبنانية الجديدة . لن يتعزز ما غدا الزامي الوجود كما هو موجود.
اعداد المساحيق أو تركيب وتفكيك الآلات من أجل تمييز مشهد لا من أجل تمييز الصنف كما جرى العمل عليه . بقي المسرح مرجعاً جامداً ، لا مقرض أو محرك . وثيقة. أو مشهد في فيلم وثائقي . القيمة المركزية في المصدر الخارجي . المنجز الباهر في المصدر الخارجي ، لأنه لا يتوقف أمام الخوف من خطر الإقدام على تجديد الموجات ، موجة إثر موجة . لن يتطور صنف بدفع الأصناف بعيداً من التنافسية . لا تتحرك الأخيرة بعيداً من النقد . تشل الأسطرة النقد . وحين يشل النقد يشل العالي في المسرح . شل مسرح لحود من شل النقد تجاهه . ذلك أن الناقد جراح ، لا يرى في حالات الموت حالات مقبولة .لأن النقد تفكيك ، لا تفخيم. لا إسارة في هذا الكلام إلى دريدا. التفكيكي الأبرز في عالم المسرح والنقد . بغياب النقد يضحي كلام المريدين كلام جدات .
هذا الكلام النقدي كلام إكرام من قصد وادي النوم . لأن في هذا الكلام الضبط . ضبط العمليات المسرحية من دون تخفيضات أو إعلاءات . ضبط من أجل ضبط التاريخ . ضبط من أجل الحقيقة ، من أجل تجسير العلاقة بالأجيال المقبلة . إكرام الغائب ، المتوجه إلى وادي النوم ، في ايضاحه على ما هو عليه ، تأثيره ، روحه ، دوائره المعرفية ، أموره الطبيعية وغير الطبيعية . ثمة من يخترع زيتاً لعلاج الصلع المسرحي في بعض الحالات .
ما يكتب من أطوار رومانسية عن الراحلين في المسرح لا يخدمهم ، ولن يخدم من يجيء بعدهم . وضع الميت تحت مجهر النقد إحياء له بعد موته .تقديم أدوية الشرب والكبسولات والأقراص ، لن يفيد . لأن علاج المسرح في استخلاصه بالتولي والجراحة ، مهما جاءت الجراحة عليه .
غادر روميو لحود الباحة منذ زمن ، حفل وداعه لا علاقة له بحفلات الوداع وحدها . الوداع من دون قراءة خراب . دراس الرجل هندسة الديكور . الديكور الداخلي . لا الديكور المسرحي . هذه اشارة راديكالية . لأن لا علاقة لديكورات المسرح بديكور المنازل . الأخير ديكور تزيني . الأول ديكور توظيفي . الأبريق الفضي هنا ، الساعة على هذا الجدار ، الة وترية على زاوية الباب ، وضع الخزائن . وهكذا . لن ينقص الأمر موقع روميو لحود في جوق المسارح إذ تدبر أمره في هذا البناء . بناء بلا لهب . بحيث لم يواكب كما فعل الآخرون في المحترفات أو التجمعات ، الجمعات ، الجماعات . كما فكر فيه منير أبو دبس وروجيه عساف ونضال الأشقر وأنطوان ولطيفة ملتقى وبيرج فازليان وريمون جبارة ومحمد كريم وشامل ومرعي ويعقوب الشدراوي وجلال خوري . المئات على وجه التقريب بين ممثلين ومخرجين ، وجدوا في المسرح قنهم الغريب ، الجميل ، المثير ، الجذاب . لم يحدث أن وجد مؤلفون في تلك المرحلة ، بحيث اضطر المسرحيون إلى الإستعانة بشعراء ومترجمين لكي يعيدوا صياغة ما ارتجلوه ، أو يترجموا ما اختاروه . اذاك ، وذاك من عهد بعيد ، درس روميو لحود الهندسة الداخلية . يمتلك المهندس الداخلي مهاراته . يمتلك معاييره الجمالية في استقراء مواقع الأدوات والأنسجة المنقوشة والكنبات . تكون روميو لحود في مفهومه الصناعي ، التزيني . لا في مفهوم المساحة المسرحية . تكون بحسب مطلوبه لا مطلوب المسرح والمسرحيين والمسرحيات . لم ينوجد في بوهيمية أبطال المسرح الثقافي . أو في نصف بوهيمية هؤلاء . وجد كمخرج، كملحن، كمؤلف ، كمعد بعيداً من مفاهيم وقوة عمليات التغيير الإجتماعي . تموضع ، لا قراءة بالعودة إلى المستقبليين في مسرح برودواي .تجسيد الوقائع ، بدون الدفع بها قدماً . لم يغطهت، لم يغذها بعتمة المسرح الدافعة إلى القشعريرة ، كما غذاها المسرحيون وهم يدخلون في اجوائهم المجهولة لكي يقفوا أمام السيد الشكل ، على الروايات أو قصائد النثر وكل المجهولات في عالم لل يجد القيم إلا في المجهولات . لم يستغرق برماً في مصطلحات الأسلوب ولا في محتوياته ولا في تركيزاته. ذكر بورخيس تذكير بجوهر لا بمظهر وهو يبتكر نفسه متعتبراً أن ابتكار نفسه رواية ، قبل أن يبتكر روايته . اكتفى روميو لحود بالجزء الأول من الإبتكار . أو ابتكار النفس .
لم يعتبر المسرح جزءاً من احلامه ، أو كونياته الهائلة أو سطور حكمته العميقة أو موضوعه الأساس . دخل بما وجد ، لا أوجد ما يدخل به . لم يضع شيئاً موضع اختبار ، ولو قدس الدقة في أعمال قدمها وحسبها بعض من يحسبون على المسرح الإستعراضي / الغنائي .
إذن ، ثمة احاديث اعلامية . الكلام على مسرحه إعلامي . لا كلام عبور مواقع الضعف والقوة . واقعي ، بدون أن يعتبر الواقعية فكرته الدائمة . متحول ، لا واقعي ، ولا مع الواقعية السحرية ، ولم ير في التغريب ما هو من ممكنات الصحة المسرحية . وقد لا تكون على حد علمه . الواقعية قريبة منه وبعيدة منه . مسرحه بلا شكل ، لأنه مسرح كل الأشكال . ذلك أن روميو لحود مدير مسرح أكثر من مسرحي . إن ما قدمه من مسرح تشابه المسرح مع مسرح . هكذا هي مسرحياته ، من سنكف سنكف إلى بنت الجبل . عروض مهرجانات ، عروض المسارح العادية ، عروض الفنادق . بالأخص فندق فنيسيا وريجنسي بالاس . مهرجانات الأرز ومهرجانات بيبلوس . بقي يعيش تحت غيث مسرح الأنترتيمنت، على مثال الفلكلور، الرقص والغناء .
لم يكن المسرح وباءه. إنه وعاؤه . المسرح تقريبي عنده ، لا شكل يلوى أو يكسر . مسرح سكتشات غنائية . دخل إلى صباح “النموذجية” في “سنكف سنكف”. . إنه في قلب ضربات فراشي الأخوين رحباني وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وتوفيق سكر ، ما سمي الخمسة الكبار في تاريخ الأغنية اللبنانية على غرار الخمسة الكبار في الاتحاد السوفياتي . خدم مسرحيات الآخرين ، أفكارهم ذات الروايات والأنفاس القصيرة ، بحيث بقي مسرحه فكرة غامضة ، سوى من ناحية التركيز على بهاء الأغاني ، لأنها وازنت بين طلعاته ونزلاته ، بحيث فهم في آخر الأمر أن في الأغاني ما في نفسه وما هو عليه وما يود أن يكون وكيف يكتب ويلحن وكيف يمكن أن يكتب ويلحن . بنت الجبل ضربته الكبرى ، مشت على المسرح ببطء سرطان بحري . اربع سنوات على غياب واحد من أبرز العاملين في المسرح الغنائي الإستعراضي، أربع سنوات من فنان وسيط بين نوع من المسرح ونوعه ، في تنظيمات مكانية وادعة.
