في وداع أرض وبشر

بلاد للحرب

هكذا اختاروها وصدقنا وأطعناهم، وآمنا بأن بلادنا هذه بلاد للحرب، غايتها وحركتها الوحيدة، علامة حياتها. بلاد تتمرن على قتل نفسها، لا تستطيع، تتآكل وتبقى لها حياة قليلة، فقط للحفاظ على حربها.

بلاد أهدرت نفسها بالصغائر وتقديم الطاعة لمن اعتبرتهم كباراً، لتفقد معناها الخاص بها وتعلن نفسها ساحة حرب. بلاد تجذب القتلة إذا عز فيها القاتل، تقول: تعالوا إلينا ومزقونا، أنتم كاتبو مصيرنا بالرايات القديمة والسلاح الأبيض والسلاح الأسود، أنتم المعنى الوحيد الذي بقي لنا. وإذ كنا نسلم رقابنا لقاتل واحد ها نحن نسلمها لقتلة كثيرين، ولنا أن نختار طريقة القتل بحسب أيديولوجيا القاتل – تكنولوجيا القاتل.

يهنأ القاتل والقتيل.

هكذا وعدونا ونحن نصدقهم.

غضب

البدائية بلا براءتها، في منتهى جوعها تتصارع على طريدة، يكون المتصارعون طرائد بعضهم لبعض.

البدائية في عزلتها كأنْ لا أحد يقربها، لا على أرضها يدب ولا في فضائها يطير.

البدائية في صمتها المطبق، لا أنفاس بشر ولا هسيس حشرات، خصوصاً، هنا، لا زقزقة لعصفور وحيد أخطأ سربه ووصل تائهاً.

البدائية، بدائيتنا، أن نكون وحدنا، لا يؤنسنا سوى البغضاء تشحن حماستنا وتضخ حياة في أجسادنا المستسلمة. وكيف تكون حماسة بلا صوت إذا لم يكن مأوانا الملجأ أو الخندق؟ ولنقل هو الجحر مأوانا، نحن الأفاعي، أبناء الأفاعي، وقد لبسنا صورة البشر.

بلاد الأفاعي بلادنا، كأن لا أحد مر من هنا، لا صوت وحيد صارخ ولا مزمار راع فقد أغنامه ويعزف ليستعيدها. كأنْ لم يمر من هنا معلم وكتاب، مات المعلم أو أكمل طريقه إلى ما بعدنا، تاركاً على أرضنا الجرداء كتابه تأكله الشمس ويذيبه المطر ويشربه التراب.

التراب ترابنا يشرب ماء، كتباً، وينبت الأعشاب الخرساء.

البدائية نحن، البدائيون الخرس نحن، ولنا صوت وحيد يعلو عند الجريمة ثم نهدأ مثل أبرياء، مثل أفاع في جحورها ملساء تغري الأطفال باللمس.

رحلة الصوت

ضائع، حملني الصوت من بيتي وتاه بي.

نفضت الصوت عني فسقطتُ كمن يسقط عن حصان.

نفضت ثيابي وتأكدت من سلامتي ومشيت.

ضائعاً مشيت، قلت أنام سبع ليال عند سبعة أصدقاء وفيا ليوم الثامن أتذكر فيه بيتي. أصل إليه بالطائرة أو بالقطار أو بالسيارة، ولا أصل على صوت.

بيتي هناك وقد عضه الوحش / الانفجار.

أعبر حطام ما كان بيتاً نحو أمكنة بلا رماد، أمشي إلى حيث أعشاب وصخور نقية واجلس مثل كائن هبط من المريخ على أرضنا.

بلا بيت أبداً، بلا ذكريات، ثم أستدرك نحو طفولة تبحث عن هويتها بلا أهل، تبحث عن أهل من أجل هوية.

ابتسامة

الوجوه الهانئة مثل بدر الليل، تهتدي بها، بلمعة العينين. تقول: الإنسان لأخيه الإنسان، يتنزهان ويفرحان فينمو الزهر حتى آخر التراب وأول البحر.

الوجوه، ابتساماتها تذوي كأنما ولد الخريف للتو. فصل جديد في طبيعة اعتادت مطر الشتاء والشمس الزاهية للربيع والصيف.

ندخل في ابتسامة الموناليزا الغامضة، ابتسامة المفترقات، كأنما الموناليزا هاربة من الحرب، وحيدة، أو برفقة من يثقلونها، أباً وأماً وأخوات، تصل معهم إلى الأمان.

أمان الموناليزا وأهلها يكفي، وما من طموح، وما من جرأة في أرض الآخرين، هكذا الموناليزا لا تبتسم جيداً.

ابتسامة فتاة مهاجرة، هذا سرها، وليخرس القائلون إنها الحيرة بين أنوثة ورجولة.

ليل حقيقي

لا بد من ليل حقيقي لنرضى بضوئنا القليل، السماء ذات النجوم، وأفق النار حيث يبدأ الجانب الآخر من الأرض.

وليبق النهار بعيداً حتى لا يكشفنا الجيران الطارئون، نخفي عنهم غرفنا الأليفة ونعرض الشرفات العمومية، نقول هذي بيوتنا وأنتم الضيوف.

والشجر لا نستطيع أن نخفيه وثمر الشجر، وصور أطفالنا يلعبون بالأغصان الطريّة قبل أن تتعالى الشجرة وتبعدهم المسافات، فلا يصل منهم سوى الأصوات المرتجة وصوَر تهتز على شاشة الكومبيوتر.

لا بد من ليل حقيقي ليخفي إحساسنا بالغروب، حتى إذا أصبح النهار صَدَمتنا النهاية وصارت بيوتنا مساكن الآخرين.

جرس الرعاة

وحدها الكلاب تجرؤ على رفع الصوت تنبيهاً لأقدام غريبة.

وحدها تنبح بتوتر وتتحرك حول القطيع، تحفظه في دائرتها.

لقد تعودت على الحراسة وضربت بها الأمثال في الأمانة.

الأقدام الغريبة رآها الرعاة أيضاً، ورفعوا أنظارهم لتكتمل صور رجال يلبسون ثياباً غريبة لا تناسب طقساً معتدلاً يميل إلى الحرارة. كانت قطرات العرق تتساقط من جباههم على العشب فتنهدل أوراقه ثم يداخلها اصفرار، كأنما ضربتها الشمس.

خرج الرعاة من أكواخهم منزعجين من تصاعد النباح، ليروا في أفق الجبال مزيداً من الرجال، وكانت رائحة أجسادهم تسبقهم وتملأ الهواء. قال الرعاة أنه عهد جديد في جبالهم لم يشهده الأجداد ولم تتناول مثله الحكايات.

جبالنا المفتوحة على الشمس والعشب والمواشي والكلاب والرعاة، ترتادها جماعات غريبة لا تألف السكان ولا يألفونها، وكان أول ما فعلت قتل الكلاب، قتل الأمانة.

غير

ما لهذا الوهج قد أفلت منا، وبقيت برودة هي أخت الصمت بل أمه؟

الكلمات غير الكلمات.

ليس من بيت دافئ، من كتاب يكسر حواجز الأفق، ليس من مدفأة أي ليس من حبيبة، فماذا يفعل الأطفال في حروب الاقتلاع العربية، حيث تغيب الأغاني وتكثر الأوامر؟ يأتي الواعظ ليسلبك أعز ما لديك، الحب والإحساس بالطبيعة ومد يد الصداقة للغريب.