بعد الحرب على ايران
اعتاد الغزيون الذين يتابعون أحداث العالم القول ” إنها تحمل في أي مكان لتلد في غزة ” هكذا كان التاريخ بالنسبة لهم على الأقل في فلسطين مستذكرين عدة أحداث فقد اندلعت حرب 2014 بعد أن قام عدة مستوطنين بخطف وحرق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير في القدس بعد إرغامه على شرب مادة البنزين لتنفجر غزة غضباً وكذلك حرب عام 2021 بسبب قرار المحكمة الإسرائيلية إخلاء بيوت للفلسطينيين في حي الشيخ جراح ومسيرة المستوطنين للمسجد الأقصى لتفتح غزة حربها وأحداث كثيرة كان فيها حادثاً واحدأ يكفي لإشعال حرب في غزة ، تندفع وتدفع الثمن بلا شكوى .
لا يختلف الأمر كثيراً أيضاً على المستوى الإقليمي فدائماَ ما كانت القضية الفلسطينية هي ضحية تحولات أحداث المنطقة بصراعاتها واتفاقاتها ليس لسبب إلا لأن الإسرائيلي في العقود الأخيرة وبسبب ما تمر به الحالة العربية من هشاشة خلفتها أسباب كثيرة لم تصبح بعد محل دراسات علماء الإجتماع العرب تحول إلى واحد من الفواعل الرئيسية في المنطقة واضعاً نصب عينه بأن أي تحرك لا بد وأن يصب في مسار تلاشي وهزيمة الفلسطينيين سواء في حروبه أو في سلامه ولأن غزة هي الخاصرة الرخوة لفلسطين كان الثمن الذي يتكثف فيها مضاعفاً لخصوصية ما سواء لموقعها الجغرافي أو لإعتبارها المنطقة التي ضمت الكتلة الأكبر للاجئين كان الثمن أكبر .
هذه المرة اندلعت حرباً إقليمية هائلة وانتشرت فيها النار على مساحة العواصم العربية في الخليج وعلى طهران وتل أبيب الطرافان الرئيسيان للحرب لكن المدن العربية تبدو كأعراض جانبية وإن كانت في مركز الحدث لإحتوائها على قواعد أميركية مزودة بأجهزة رصد ورادرارات للإنذار المبكر تعتبرها طهران جزء من الحرب وكم كان الأمر محزناً عربياً أن تتصارع دولتان اقليميتان غير عربيتان في المنطقة فتضرب العواصم العربية تلك لا تبدو أحجية بل هي اقع غارق في عبثية تتساوى تماماً مع الواقع العربي العابث .
أين فلسطين وبالأحرى أين غزة التي تحاول أن تتنفس وأن تبحث عن بقايا حياة بين الأنقاض بعد خطة الرئيس الأميركي التي طرحها في سبتمبر الماضي وتم ترسيمها في أكتوبر في شرم الشيخ ثم انتقلت لتصبح قرار في مجلس الأمن وعلى أساسها تم تشكيل مجلس للسلام ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنفسه تم توقيع شركاء هذا المجلس في دافوس في الثني والعشرين من ناير الماضي وتحت مسؤوليته مجلس تنفيذي يرأسه الدبلوماسي البلغاري السابق نيكولاي ميلادينوف والذي يشرف بدوره على لجنة تكنوقراط لإدارة غزة ومسؤولة عن تسيير الحياة فيها برئاسة علي شعث الخبير الفلسطيني الحكومي ومعه مجموعة من الكفاءات الفلسطينية .
اللجنة الوطنية لإدارة غزة ” أضيف وصف الوطنية من قبل اللجنة نفسها بسبب حالة الإلتباس التي رافقت تشكيلها والدور الأميركي بذلك وحتى لا يفسر الأمر على نمط كارازاي أفغانستان أو أي ممن استدعتهم الولايات المتحدة عبر التاريخ كحكام على أنقاض الحكم الوطني للدول ” وصلت اللجنة في منتصف يناير الماضي إلى القاهرة أي منذ شهرين ونصف لتسلم عملها وللإتفاق مع القوى الفاعلة وللإجتماع مع الدولة المصرية وكذلك رئيس المجلس التنفيذي نيكولاي ميلادينوف وبعض الإجتماعات التي جرت مع مساعي الرئيس الأميركي جاريد كوشنير وستيف ويتكوف الذي يشرف منذ تشكيل الإدارة الجديدة على ملف قطاع غزة وقد حدثت تلك الإجتماعات في الأيام الأولى لوصولها كان توقع الجميع أن تنتقل اللجنة بعد أن تنهي اجتماعاتها بسرعة للقطاع لمباشرة عملها فالوقت من دم ودموع وغزة تنزف بشدة والتعليم متوقف والتلاميذ في الشارع بعد ضياع العام الثالث والقطاع الصحي مدمر وسط عشرات الآلاف من الجرحى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل لا يحتمل التأخير .
هكذا كان متوقعاً أن تعود اللجنة في نفس الشهر خلال يناير وتبدأ بتوزيع المساعدات ومباشرة عملها بالقطاعات المعنية والتي لا تحتمل مزيداً من التأخير لكن الأمر لم يسر كذلك فقد مضى على هذا أكثر من شهرين ونصف ولا زالت اللجنة في القاهرة ولا زالت اسرائيل تقصف وتحاصر وتقتل ولا زالت اللجنة تنتظر تلك الوعود التي أغدقها الرئيس الأميركي ولا زالت لم تتسلم أية موازنة بل وأكثر من ذلك فقد تراجع الحماس الذي رافق تشكيلها وجاءت الحرب الإسرائيلية الأميركية على ايران لتقتل ما تبقى من حماس لتنزوي المسألة أو تتراجع ارتباطاً بأولويات الرئيس الأميركي التي دخلت حرباً لا يعرف أحد نهاياتها وهو من نوع الرؤساء من خارج المؤسسة وهناك خشية من استمرار هذه الحرب لفترة طويلة تكون قد أسدلت الستار على غزة وملفها وهذا يتلاءم مع مشروع اسرائيل بتهجيرها فهي بكل الظروف ليست معنية بإستقرار وإعادة إعمار يعمل على تثبيت الناس في المكان .
بالتواصل مع أحد أعضاء اللجنة قبل كتابة هذه المادة لمعرفة واقع اللجنة وما هي الخطة القادمة وآلية عملها وفترة الإنتظار إذا كانت بقرار من اللجنة أم بقرار ممن يشرف عليها أم تراخي وتراجع الإهتمام ارتباطاً بمستجدات الحريق في الإقليم وأن كانت ستستأنف عملها وهل ستنتقل إلى غزة ومتى ؟ وكثير من التساؤلات التي يمكن اختصار الإجابة عليها بقدر من الإحباط الذي ظهر واضحاً من إجابات المسؤول الفلسطيني الذي قال ” قبل الحرب كنا نسير وإن ببطء وقمنا بالإعلان عن تسجيل للشرطة التي اعتبرت أساس العمل بين المواطنين والقدرة على تقديم الخدمات وتهيئة مناخات استقرار وقد تقدم ثمانون ألف مرشح وكانت اللجنة ستبدأ عمليات الفرز إلى قامت الحرب وتوقف كل شيء وكأنها حملت في طهران لتلد في غزة ، تلك المقولة رفيقة حظ الغزيين التاريخي .
أول تداعيات حرب ايران على غزة هي أن تعلن أندونيسيا الدولة الأكثر اندفاعاً لمشروع ترامب وخططه لإرسال قواتها إلى غزة اعتذارها عن إرسال تلك القوات وتشكل تلك العثرة الأولى في العمل بخطة الرئيس الأميركي التي يبدو أنها تاهت في زحمة خرائط الحرب ليس فقط لجهة تراجع أندونيسيا بل لجهة مناخات دولية لم تعد تشعر بإمتيار تواجدها للعمل في غزة فقد انطفأ وهج العمل من أجل غزة فأندونيسيا تعتذر وترامب مشغول في حرب لم يخطط لها جيداً فقد دفعه لها نتنياهو بعد أن أقنعه بان نظام ايران سيسقط خلال أربعة أيام ويغريه بنصر سريع أما اللجنة فقد أصبحت مصابة بالشلل وعادت الامورر تراوح إلى المربع الأول ، حركة حماس تسيّر الأوضاع بغزة وهذذا تستغله اسرائيل لعدم التقدم أو لإعاقة أي مشروع وجيش اسرائل يسيطر على 60% من مساحة القطاع الصغير ومستمر في القتل بلا توقف ومعبر رفح مصيدة للإذلال ويعمل بأقل مما تم الإتفاق عليه خصوصاً لجهة العائدين إلى القطاع الذين يتم استجوابهم والتنكيل بهم والمعبر التجاري الوحيد ” كرم أبو سالم لا يعمل بطاقته الطبيعية لا حتى أقل فالشاحنات التي تدخل القطاع لا تكفي لحاحات الغزيين ويتسبب النقص الدائم بإرتفاع دائم في أسعار المنتجات الضرورية وتصبح تلك مأساة مضاعفة لهم لأنهم أولاً فقدوا كل مصادر رزقهم ومدخولاتهم وورشهم ومصانعهم ومزارعهم ولا قدرة شرائية تمكنهم من شراء حاجياتهم حتى باسعارها الطبيعية ما يجعل حياتهم شديدة البؤس ولكن كل تلك المصائب تأتي وسط مناخات الإحباط التي تحيط بسكان غزة وتراجع الإهتمام بها وعدم عودة اللجنة ومباشرتها لعملها وتلك أسوأ ما كان يتوقعه الغزيون الذين كانوا ينتظرون نهاية هذه الحرب والعودة لحياة طبيعية رغم إدراكهم بأنها عصية عليهم فتجربتهم مع الحزن طويلة بطول احتلال لم يتوقفوا عن مقارعته رغم فداحة الثمن وانسداد الأفق .
هذا تماماً أراده بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل وحكومته المسكونة بأساطير توراتية تصبح تلك الأساطير بالغة الخطورة حين تكون محمولة على قوة كبيرة وقنابل نووية وتقف خلفها أقوى قوة في العالم وتلك التصورات الهاذية لم تتوقف عن الحديث عن تفريغ غزة وانشاء مستوطنات على أرضها وبالنظر إلى مسار الأحداث يبدو منسجماً مع كل ما يحدث لغزة وتعذيب سكانها حتى بعد وقف الإبادة فقد انتهى للتو شهر رمضان الفقير في هذه المنطقة البائسة واشتكى السكان فيها من عدم قدرتهم على التسوق فقد بلغت أسعار الخضروات حداً لا يمكن لهم شراؤه ليكون رمضان شهراً ثقيلاً على عائلات تعيش الفقر المدقع وتمضي أيامه في خيام للنازحين بلا منزل أو مطبخ أو أي من الحد الأدنى المطلوبة للحياة وهذا هو ثالث موسم رمضاني تعيشه غزة في الحرب وبعدها ولم يطرأ تحسن يذكر على الغزيين هذا الموسم رغم وقف الإبادة وخطة ترامب .
وأمام هذا الواقع ما هو مستقبل اللجنة الوطنية لإدارة غزة إذن ؟ سؤال بات يبجث يهمس به المراقبون لكنه على لسان الغزيين يتخذ شكلاً آخر عن إمكانية الحياة ووضع حد لهذا الكابوس وحول المستقبل هل سبقى الوضع كما هو عليه أم أن لهذا الليل الطويل من نهاية ؟ هل سيمعن الإسرائيلي في زيادة معاناة الغزيين ارتباطاً بإستراتيجياته في المنطقة والتي يضع الديمغرافيا الفلسطينية في مقدمتها أم سيتركهم وحال سبيلهم ؟ وهذا أصبح مستبعد بعد السابع من أكتوبر وحديثه المتكرر عن السيطرة الأمنية على قطاع غزة بل سقطت منه بعض التصريحات التي تشي برغبة السيطرة على فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها وما الوجود الإسرائيلي على مساحة 60% من القطاع ليس سوى ترجمة لهذه السيطرة وعدم التعهد بالإنسحاب حتى اللحظة رغم مرور ما يقارب خمسة أشهر على وقف الحرب .
كل شيء معلق على الرئيس الأميركي الذي بدأ يشهد تعثراً في عامه الأول للولاية الثانية زاد بلة طينته الحرب التي دخلها دون حسابات دقيقة أو بحسابات اسرائيلية لم تأخذ بعين الإعتبار المصالح الأوروبية والأميركية وارتفاع أسعار النفط والغاز وحاجة الرئيس الأميركي للتباهي بانتصارات سريعة وتحصيل تريليونات فالرئيس مع كل هذا من الطبيعي أن يتراجع برنامج الفلسطينيين واهتماماته بالملف وخصوصاً أن هناك ما يلوح في الأفق عن أزمات اقتصاد بينما أعلن الرئيس ترامب عن تبرع دولته بعشرة مليارات دولار فهل لا زال التبرع قائماً أم تعثر أيضاً ؟ وهل باقي الدول وبضمنها دولاً عربية تبرعت بمليارات ومع الضربات التي تلقتها عواصمها وحاجتها لإعادة إعمار ما خربته الحرب هل لا زال لديها متسع لإعادة إعمار غزة ؟
لا يخفي الغزيون تشاؤمهم من الراهن والمستقبل بعد أن أصبحت فسحة الأمل أكثر ضيقاً لكن السؤال الذي يتعلق بمستجد الحرب على ايران ماذا سيكون تأثيرها على الفلسطينيين عموماً وعلى أهل غزة بالخصوص ؟ ولأن التجربة طويلة فإذا ما انتصرت اسرائيل وأسقطت النظام في ايران فإنها بروح هذا الإنتصار ستتسيد على الإقليم كقوة عظمى وتعود لإنهاء الملف الفلسطيني بروح المنتصر أما إذا أخفقت وانتهت هذه الحرب وبقي النظام في ايران فإنها ستسعى لتعويض هذا الفشل في الملف الفلسطيني بروح الإنتقام وما ين روح الإنتصار وروح الإنتقام يقف الفلسطيني حائراً من التاريخ الذي يحمل في كل العواصم وينزف في غزة …!
