ألغام المرحلة الثانية لخطة ترامب
كأن غزة تلك الطريدة التي كان يلاحقها جيش اسرائيل الفاشي لعقود طويلة من الكر والفر وقعت فريسة بعد نزال عامين كان قد ألقى عليها كل مخازن السلاح في العالم الغربي الذي وقف عارياً في الايام الأولى للحرب مجرداً من كل أوراق التوت التي غطته لسنوات وهو يدافع عن دولة عنصرية محتلة ويفتح لها أذرعته والآن بعد نزيف امتص كل روحها يتحضر الإسرائيلي وحليفه الأميركي الذي لم يتواضع وهو يتحدث عن غزة كمشروع عقاري وأن بنيامين نتنياهو سيسلمه تلك القطعة من الأرض كأن الفلسطيني يعيد التاريخ المر من ثيودور هرتسل صاحب مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض وصولاً لدونالد ترامب أنه سيستلم قطعة الأرض من نتنياهو وتلك تختصر سلوك الإمبرياليات الكبرى وكيف تدوس على كل ما أنتجته الحضارة من معايير ونظم في العلاقات الدولية عودة نحو قانون القوة وعصر التوحش وما قبل الحضارة بين الشعوب .
منذ عامين تحولت غزة البقعة الجغرافية الأصغر في العالم بمساحة 360 كيلومتر مربع تبدو كأنها المنطقة الأهم التي تحظى بإهتمام السياسة الدولية بعد أن تمكنت من إطلاق صرختها الكبرى لوجع السنين الطويلة وهي تئن تحت الحصار والجويع والإهانة فإنفجرت ..! هذا ببساطة ما حدث وكان لشظايا هذا الإنفجار أن تتوزع في كل العواصم وكل المدن وكل الشواع وكل الساحات وكل أروقة الحكومات والبرلمانات لكن يبدو أن الحصاد لم يكن قادراً على تجاوز عالم أصغر كثيراً من معاييره الإنسانية كأنه كان يريد فقط للدم أن يتوقف لأن الدم بدأ يصنع تظاهرات وقوى سياسية وثقافة وانزياحات وخسارات لنظم حاكمة وجيل من الشباب أخذ يتحرك خارج النظام المرسوم بعناية .

توقف القتال ولم تتوقف الحرب هكذا يمكن وصف واقع غزة فالقتال واحداً من أشكال الحرب وأكثرها صخباً لكن وسائل الحرب كثيرة فغزة تعيش الفقر المدقع بعد تجريف كل وسائل الإنتاج من مصانع وورش ومزارع ومتاجر وكل شيء منتج وتقبع في الخيام في شتاء يمتاز ببرده القارس ولا مدارس ولا مستشفيات ولا كهرباء ولا ماء مع استمرار الترويع ويحاصرها جيش اسرائيل من جهاتها الأربع لكن الأهم أنه يقتطع رسمياً 53% إلى 57 % من مساحة القطاع الصغيرة من المناطق الثلاث الشمالية والشرقية والجنوبية ليصبح القطاع مقسوم بين الفلسطينيين وجيش اسرائيل الذي لم يتوقف عن هدم البيوت التي تبقت في المنطقة التي يسيطر عليها حتى بعد وقف إطلاق النار وبدء الهدنة لم يتوقف عن التدمير فإذا كان سينسحب من تلك المناطق كما نصت عليه خطة ترامب التي تحولت لقرار من مجلس الأمن لماذا يستمر في عمليات الهدم وتدمير البيوت وتحويل تلك المناطق من غزة إلى صحراء لا يرتفع فيها شيء ؟ وما هو المشروع الإسرائيلي الذي يتحضر لها ؟
تلك أسئلة باتت تؤرق الغزيين الذين باتوا ينحصرون في حوالي ثلث مساحة القطاع لأن اسرائيل أيضاً تفرض طوقاً نارياً حتى بعد الحزام الأصفر ، بعض الأوساط الإسرائيلية قالت كما نقلت الإذاعة الإسرائيلية أن الخط الأصفر سيكون الحدود الدائمة بين اسرائيل وقطاع غزة وهو الخط الذي رسمه الجيش اإسرائيلي داخل غزة ليقسمها بين غزة الشرقية التي يسيطر عليها وغزة الغربية التي تحكمها حركة حماس وفي إطار الحديث الإسرائيلي عن غزتين شرقية وغربية وعن حديث الأميركي عن غزة الإستثمارية كاملة يبدو الأمر بحاجة لتفسير أو بحث في النوايا والسياسات والمصالح التي تتحرك دون الإكتراث بشعب الأرض وحقوق أصحابها وإزاحة الإحتلال وكأن كل تلك المعايير أصبحت جزء من الماضي أمام عالم يديره رجل بهذه الخفة ويسيطر على ممكنات أقوى دولة في العالم ، لقد قام الرئيس الأميركي بالتواطؤ مع الإسرائيلي بتقسيم خطة وقف إطلاق النار إلى مرحلتين الأولى التي يتم فيها عملية تبادل الأسرى والتي تعني تسلم اسرائيل لأسراها أحياء وأموات كشرط للإنتقال للمرحلة الثانية وهي المرحلة الأخطر التي تعني إعادة هندسة غزة بما يوافق مع الإستراتيجيات الكبرى ومشاريع التهام الفريسة بعد إصطيادها بالرمح وإسالة دمها وليس بالشبكة كما في الأوصاف الحربية عبر التاريخ .
المرحلة الثانية تعني كما نصت عليه وهي التي يتفق الرئيس الاميركي مع رئيس وزراء اسرائيل على الدخول لها في لقائهما في السادس والعشرين من الشهر الماضي أي قبل أيام تعني بالنسبة لإسرائيل تجريد غزة من السلاح ورأس حربتها حركة حماس وكتائبها عز الدين القسام وكلك إزاحة حكم حركة حماس وتشكيل حكم بديل يبدأ من ما أطلق عليه ترامب مجلس السلام الذي يرأسه شخصياً ومعه قادة إقليميين ودوليين ثم مجلساً تنفيذياً كان مطروحاً اسم رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير لرئاسته قبل احتجاج دول عربية على هذا الإسم غير الموثوق ليتراجع الإقتراح ثم لجنة تكنوقراط فلسطينية بعيدة عن الفصائل هكذا تقرر اسرائيل والولايات المتحدة لكن الدول العربية والإسلامية لها رأياً آخر وتلك ليست هامشية هذه المرة إذ تستمد تأثيرها من حاجة الولايات المتحد للمال الذي يمكن أن توفره تلك الدول فواشنطن جاءت لتحصد لا لتدفع وتلك مهمة غيرها وهنا يجري الحديث عن عشرات المليارات لإعادة الغعمار وتلك تجعل الولايات المتحدة تحتاج الممولين العرب وهذا يعطي بعض القوة والتأثير .
اسرائيل مهتمة بنزع سلاح غزة وإزاحة حكم حماس كإستكمال لمشروعها بالسيطرة وتجريد غزة من كل ممكنات قوتها وتحويلها إلى منطقة عازلة منزوعة مستسلمة لقدر فرضته قوة الإبادة الساحقة ولكن لا أحد يظن أنها تفكر بالإنسحاب من المنطقة التي تسيطر عليها وإلا لما تستمر بإنفاق الجهد والوقت والمال في تسويتها بالأرض وهدم ما تبقى من مباني ليبدو الأمر كان اسرائيل تخطط ليسطرة دائمة وإقامة مراكز عسكرية بمعزل عما كان يقوله دعاة الإستيطان في الحكومة الإسرائيلية بل وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال التي تهتم بالتجارة والمال وتتخذ اسمها من شارع وول ستريت في مانهاتن الذي يضم البورصة وكبرى الشركات بأن الولايات المتحدة ستبدأ بإعمار المنطقة المحتلة بغزة تاركة المنطقة التي تديرها حماس عبارة عن خرابة بلا أمل للسكان وينتقل السكان بعملية إزاحة للمناطق المعمرة التي ستحتوي على مدن حديثة وكهرباء وبنية تحتية وشوارع وكل شيء .
في المشروع الذي تفصح عنه الصحيفة سيناريوهين إما أن الولايات المتحدة تخطط لإفراغ المنطقة الغربية السكنية المقابلة للبحر وهذا وارد بعيداً عن تفكير سياسي يتعلق بحقوق الفلسطينيين أو يتعلق الأمر بوضع عقبات أمام إعمار في المناطق التي يملكها سكان القطاع وربما لا يعرف الكثيرون أن قطاع غزة الذي يقسمه طولياً شارع صلاح الدين الذي يمتد من معبر بيت حانون الشمالي الذي يفصل قطاع غزة عن اسرائيل وينتهي جنوباً بمعبر رفح الذي يفصل القطاع عن مصر وبطول خمسة وأربعين كيلومتر هي طول القطاع لكن الأهم أم الكتلة السكانية تتركز بغالبيتها في المناطق الغربية بين شارع صلاح الدين والبحر وهي منطقة ترابية رملية سهلة البناء والإسكان وبفعل تربتها الرملية فهي تقوم بعملية فلترة لمياه الأمطار والإحتفاظ بها كمياه جوفية أما المنطقة الشرقية بين الشارع والبحر فهي منطقة طينية زراعية صعبة السكن لذا تنبع خطورة سيطرة جيش اسرائيل على تلك المنطقة والبقاء فيها أنها السلة الغذائية التي تتكفل بإعاشة أكثر من مليونين من البشر وتعزيز وجودهم وبالتالي لا ينفصل الأمر عن تجويع غزة واستكمال مشروع التهجير .
من غير المتوقع ارتباطاً بمعرفة مشروع اسرائيل أن تبدأ عملية إعمار في غزة لأن مشروع استقرار غزة وإعادة تأهيلها مسالة تتعارض مع الإستراتيجية الديمغرافية وإعادة هندستها كما ترغب تل أبيب وتفريغ الجزء الأكبر منها على الأقل فالمشروع الإسرائيلي وخلفه المشروع الإستثماري الأميركي لغزة كواجهة بحرية كانت لافتة لصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنير أحد ورثة أموال الرئيس كزوج لإبنته الوريثة عاد كوشنير فجأة للواجهة بعد أن شكل الرئيس إدارته ولم يُذكر اسم كوشنير ليعتقد المراقبون أنه جرى استبعاده لكنه يعود للواجهة بقوة عندما تعلق الأمر بغزة وتلك ليست مصادفة وهو الذي يعتبر أن الواجهة البحرية لغزة ذات قيمة وأنها يمكن أن تكون ” أفضل من موناكو ” .
في تصريح لافت في السابع من الشهر الماضي كان رئيس أركان جيش اسرائيل ايال زامير يقول أن ” الخط الأصفر في غزة هو الخط الحدودي الجديد دفاعاً وهجوماً ” هذا ربما ينسف كل الخطة الأميركية أو ببساطة يمكن القول أنه يكشف النوايا فالجيش في اسرائيل هو صانع سياسة وخصوصاً فيما يتعلق الأمر بقضايا الدفاع والحدود كان معروفاً أنه بعد السابع من أكتوبر ودخول اسرائيل للقطاع أن اسرائيل ستقيم قواعد عسكرية داخل القطاع على نمط الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا واليابان لأن الولايات المتحدة اعتبرت أنه ظهر يوماً ما خطراً استراتيجياً من هاتين الدولتين فقد أقامت تلك القواعد الثابتة وفي هذا يقلد الإسرائيلي استاذه الأميركي ولكن تلك ستكون في المناطق الشرقية المحاذية لإسرائيل أما أن يتطور الأمر ليتحول الخط الأصفر أي اقتطاع أكثر من 50% من مساحة القطاع ” بين 53%-57% “فهذا يعني أن الترتيبات بإعمار غزة وإبقاء الكتلة السكانية هو حديث مضلل فالمعلومات الواردة تتحدث عن شركات فلسطينية فازت بمناقصات من الأمم المتحدة لتوريد بيوت جاهزة وكرفانات أي سكن مؤقت في القطاع وليس اسكان دائم وفي هذا ما يفتح أسئلة المؤقت وتجربتها التي كانت مأساة للفلسطينيين في أوسلو قبل ثلث قرن وفي تهدئة يناير الماضي حين أخذت اسرائيل المرحلة الأولى التي تضع مصالحها فيها ثم تتنصل بعد ذلك ربما أن اسرائيل والولايات المتحدة تفكران بنقل السكان لمناطق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع وبإسكان مؤقت تمهيداً لشيء ما يثير شبهة التهجير بعد أن جرى الحديث عن خطط إعادة إعمار وبناء مدن حديثة وذكية لكن يبدو أن للإسرائيلي رأياً آخر يتضح من تصريحات عديد من المسؤولين وأبرزهم بنيامين نتنياهو الذي لم يتوقف عن تكرار ايماءة حول جاهزية جيشه لنزع سلاح حماس وهو ما يتطلب احتلال كل القطاع وتلك أيضاً تنسف المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب التي أعلن عنها وأعلن بعدها أنها قابلة للتعديل وما بين الإعلان والنوايا ما يشكل فارقها الإسرائيلي نفسه الذي يعتبر أن هذه فرصة لإعادة هندسة قطاع غزة كما يريد وهو ما أعلنه منذ بداية لحرب بزعم ضمان أمن اسرائيل من جهة غزة لخمسين عاماً .
تدخل غزة المرحلة الثانية من الخطة الأميركية وهي الأكثر صعوبة حيث الإستعصاء في الهدف الإسرائيلي بتجريد حماس من السلاح وموقف حماس من المسالة بإعتبار أن الأمر يمس كامل المشروع الذي قامت عليه الحركة هنا يقف الأمر عند معادلة تبدو صفرية لا الإسرائيلي يتخلى عن شرطه ولا حماس مستعدة للتجاوب للحد الذي يقبله ما يوفر لإسرائيل فرصة لقلب الطاولة إذا أرادت ووقف التنفيذ لقطع الطريق على تقدم يمكن أن يتسبب في إعادة الحياة لغزة وإعادة تثبيت سكانها ومنع التهجير لكن كل المؤشرات تدعو للحذر من سوء النوايا الإسرائيلية كما تجربة التاريخ المريرة معها .
