التعافي النفسي بعد الأزمات يبدأ بالحوار

أخصائية علم النفس العيادي ميرا العرّ حول إنعكاسات الحروب السلبية على الأطفال

في زمنٍ تتسارع فيه أصوات الأخبار وصور الدمار، يبقى الأطفال أكثر الفئات هشاشة أمام آثار الحروب والكوارث والأزمات. فبينما تنشغل الأنظار بالخسائر المادية وإعادة بناء ما تهدّم، غالباً ما تبقى الجروح غير المرئية في عقول الصغار وقلوبهم بعيدة عن الاهتمام. الخوف، والقلق، وفقدان الشعور بالأمان قد تترك آثاراً عميقة في نفسية الطفل، تمتد أحياناً لسنوات طويلة وتشكّل طريقة نظرته إلى العالم من حوله.

إن الاعتناء بالصحة النفسية والعقلية للأطفال في مثل هذه الظروف لم يعد رفاهية أو مسألة ثانوية، بل ضرورة إنسانية ملحّة لحماية جيل كامل من آثار الصدمات والضغوط. فالدعم النفسي المبكر، وتوفير بيئة آمنة للتعبير عن المشاعر، يمكن أن يكونا الفارق بين طفل يثقل كاهله الخوف، وآخر قادر على استعادة الأمل والنمو رغم قسوة الظروف.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على أهمية حماية الصحة النفسية للأطفال خلال الحروب الأزمات، ونستعرض كيف يمكن للأسرة والمجتمع والمؤسسات الإنسانية أن تلعب دوراً حاسماً في مساعدة الصغار على تجاوز المحن وبناء مستقبل أكثر توازناً وأماناً مع الأخصائية في علم النفس العيادي ميرا ج. العرّ التي وجّهتنا نحو أفضل السبل للتعامل مع الأطفال والمراهقين خلال الظروف الصعبة من خلال وضع خطّة طويلة الأمد لما بعد الأزمة لتخطّي الصدمات والتعافي النفسي ودور الأهل في تشكيل بؤرة أمان ثابتة.

_______________ 

بين القلق والأمان: أسباب التأثير النفسي للحروب على الأطفال

في أزمنة الحروب والكوارث والأزمات، لا يكون الدمار مقتصراً على المباني والطرق والبنية التحتية فحسب كما ذكرنا، بل يمتد بصمت إلى أكثر المناطق حساسية في المجتمع: عقول الأطفال وقلوبهم. ففي الوقت الذي يحاول فيه الكبار فهم ما يحدث والتكيّف معه، يعيش الأطفال التجربة بطريقة مختلفة؛ فهم يرون ويسمعون ويشعرون بأشياء قد تفوق قدرتهم على الاستيعاب أو التفسير، مما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر النفسي.

وتشير دراسات في علم النفس إلى أن الأطفال يتأثرون بعدة عوامل خلال الحروب والكوارث. كالأصوات العنيفة والمفاجئة مثل أصوات الانفجارات أو إطلاق النار تُعد من أكثر العوامل التي تثير الخوف والقلق لديهم، لأنها ترتبط لديهم بإحساس مباشر بالخطر. وغالباً ما تبقى هذه الأصوات عالقة في الذاكرة، وقد تؤدي لاحقاً إلى اضطرابات في النوم أو شعور دائم بالتوتر والخوف.

كما تلعب مشاهد الدمار والخراب دوراً مهماً في تشكيل التجربة النفسية للطفل. فمشاهدة المنازل المهدمة أو الحرائق أو آثار الدمار في الشوارع قد تخلق لدى الطفل صورة قاسية عن العالم من حوله، وتُضعف شعوره بالأمان والاستقرار. ومع تكرار هذه المشاهد، سواء في الواقع أو عبر وسائل الإعلام، قد يزداد شعور الطفل بالقلق والحزن.

ولا تقل مشاعر الكبار المحيطين بالطفل تأثيراً عن تلك المشاهد والأصوات. فالطفل يستمد إحساسه بالأمان غالباً من والديه أو من البالغين المحيطين به. وعندما يرى الخوف أو التوتر أو الحزن على وجوههم، قد يشعر بأن الخطر أكبر مما يستطيع فهمه، مما يعزّز لديه الشعور بعدم الطمأنينة.

ومن بين العوامل المؤثرة أيضاً فقدان الروتين اليومي والاستقرار. فالحروب والكوارث كثيراً ما تؤدي إلى النزوح أو الانتقال من مكان إلى آخر، أو إلى توقف المدارس والأنشطة المعتادة. هذا التغيير المفاجئ في نمط الحياة قد يربك الأطفال ويجعلهم يشعرون بالضياع أو عدم السيطرة على حياتهم.

إضافة إلى ذلك، قد يواجه بعض الأطفال تجارب مؤلمة مثل فقدان أحد أفراد الأسرة أو الانفصال عنهم، وهو ما يترك أثراً عاطفياً عميقاً قد يستمر لفترة طويلة إذا لم يحظ الطفل بالدعم النفسي والاجتماعي المناسب.

انعكاسات تمتد على المدى الطويل

على المدى البعيد، بحسب المعالجة النفسية ميرا ج. العرّ، قد تظهر مشكلات عاطفية وسلوكية مثل القلق المستمر، الاكتئاب، أو نوبات الغضب المفاجئة. بعض الأطفال يصبحون أكثر خجلًا وانطوائية، بينما قد يعاني آخرون من صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية مستقرة بسبب فقدان الثقة بالآخرين أو الخوف من فقدانهم.

كما تؤثر هذه التجارب على الأداء الدراسي والتركيز، فالأطفال الذين عايشوا الصدمات قد يجدون صعوبة في الانتباه أو تذكر المعلومات، وهو ما يضعف تقدّمهم التعليمي. وفي الحالات الأشد، قد تظهر لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، حيث تعود الذكريات المؤلمة فجأة عبر الكوابيس أو الفلاشباك، مما يعيد الطفل إلى لحظة الخطر وكأنها تحدث الآن.

وتتابع قائلة: الأثر النفسي لا يقتصر على الجانب الفردي فقط؛ فقد يمتد ليؤثر على الشخصية المستقبلية، حيث يصبح الطفل أكثر حذراً أو متشائماً، أو يعاني صعوبة في التعامل مع الضغوط والمواقف الصعبة في الحياة لاحقاً. لذلك، نؤكد كخبراء أن التدخل المبكر والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتأثرين بالحروب والكوارث ضروري، لأنه يقلّل من آثار الصدمات ويساعدهم على تطوير مهارات التكيف والصمود، ليصبحوا قادرين على مواجهة المستقبل بثقة.

للأهل… ماذا تقولون لأطفالكم ظروف كهذه؟

تؤكد الأخصائية ميرا أن الطريقة التي يتحدث بها الأهل مع أطفالهم هي مفتاح حماية نفسيتهم وبناء قدرتهم على التكيف مع الواقع الصعب.

وتقول: “تختلف حاجة الطفل للمحادثة والدعم بحسب عمره، فالأطفال الصغار (من 3 إلى 6 سنوات) قد لا يفهمون التفاصيل المعقدة، ويستجيبون للمعلومات بطريقة حسيّة وعاطفية، فالأصوات المفاجئة أو رؤية الحزن على وجوه الكبار قد تصيبهم بالقلق والخوف بسهولة. هنا، يجب على الأهل استخدام لغة بسيطة جدًا، مع التركيز على الطمأنة والأمان، مع توفير الروتين اليومي واللعب والأنشطة الإبداعية للتعبير عن مشاعرهم. أما الأطفال في سنّ المدرسة (7 إلى 12 سنة)، فيبدأون بفهم الأحداث بشكل أفضل، ويطرحون أسئلة مباشرة عن سبب ما يحدث ولماذا. من المهم الإجابة بصراحة مناسبة لعمرهم، مع التأكيد على أن مشاعرهم طبيعية، وتشجيعهم على التعبير عن القلق بالحوار أو الرسم أو الكتابة. بالنسبة للمراهقين (13 إلى 17 سنة) قد يكون لديهم وعي أكبر بما يحدث، لكنهم أيضاً أكثر عرضة للشعور بالضغط النفسي أو العزلة. معهم، يصبح الحوار المفتوح والمشاركة في اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالروتين اليومي أو النشاطات اليومية وسيلة فعّالة لبناء شعور بالتحكّم والأمان”.

وتشير: إلى جانب الحوار والدعم المباشر، أشدد على أهمية ملاحظة السلوكيات اليومية للطفل والتغيرات الصغيرة في حالاته المزاجية أو نشاطه. فالأطفال غالباً ما يعبرون عن مشاعر القلق أو الحزن بطريقة غير لفظية، من خلال الانطواء، فقدان الشهية، أو مقاومة القيام بالأنشطة اليومية. هنا يأتي دور الأهل في تقديم بيئة مستقرة وآمنة قدر الإمكان، وتشجيع الطفل على المشاركة في اتخاذ قرارات بسيطة تتعلق بروتينه اليومي، مثل ترتيب غرفته أو اختيار نشاط مسلي، لأن ذلك يمنحه شعوراً بالتحكم وسط فوضى الأحداث. كما يمكن إدخال عادات يومية صغيرة مليئة بالاهتمام والدفء، مثل قراءة قصة مسلية قبل النوم أو ممارسة نشاط بدني خفيف معًا، مما يعزّز التوازن العاطفي ويقلّل من آثار التوتر المزمن. بهذه الطريقة، لا يقتصر دور الأهل على الكلام فقط، بل يشمل خلق بيئة عملية وآمنة تدعم النمو النفسي السليم للأطفال خلال الأزمات.

وعن سؤالها عن بعض الجمل التي يمكن للأهل استخدامها لزجّ الطمأنينة في قلوب أطفالهم، تجيب: يمكن استخدام العبارات التالية، والحرص على تكرارها، “أنت بأمان معنا، وسنحرص دائماً على حمايتك”، “يمكنك التحدث عما يقلقك، ونحن هنا للاستماع ودعمك”، “الأشياء صعبة حولنا، لكن معاً سنتجاوزها خطوة بخطوة”، “أنت قوي بما يكفي لمواجهة هذه الظروف”.

التخطّي وما بعد الصدمات

تشير أخصائية السلوك النفسي ميرا أن الأهل قد يروا الأمر معقّداً أو مستحيلاً لكنه في واقع قابل للمعالجة حيث أن تحقيق التعافي النفسي للأطفال بعد الحروب والكوارث ممكناً من خلال مزيج من الدعم العاطفي، التوجيه السلوكي، والبيئة المستقرة والاكتشاف المبكر. يبدأ الأمر بالحوار المفتوح والصادق مع الطفل، والاستماع لمخاوفه ومشاعره دون التقليل منها، مع استخدام كلمات مطمئنة تناسب عمره. كما يلعب الروتين اليومي المنتظم دوراً مهماً في منح الطفل شعوراً بالاستقرار وسط الفوضى، فيما تساعد الأنشطة الإبداعية مثل اللعب، الرسم، والكتابة على تفريغ التوتر وتنظيم العواطف. إضافة إلى ذلك، تعتبر مشاركة الطفل في اتخاذ قرارات بسيطة تخصّ يومه وروتينه وسيلة لتعزيز شعوره بالتحكّم والقدرة على التكيّف. وعندما تظهر علامات قلق شديد أو تغير سلوكي ملحوظ، يصبح التدخل المبكر لأخصائي خطوة ضرورية لتقديم الدعم المتخصص وضمان بناء مرونة نفسية مستدامة. بهذه الاستراتيجيات، يمكن للأطفال ليس فقط التغلب على الصدمات، بل تحويلها إلى فرصة لتنمية القوة الداخلية والقدرة على مواجهة المستقبل بثقة وأمل.