في “شروخ المعنى، كتابات ضد الفساد”
في سابقة من نوعها، لجأت “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها” التي تصدر بشكل دوري تقارير رسمية عن آفة الرشوة والفساد بالمغرب، إلى مجموعة من الكتاب والمبدعين للمساهمة في عمل جماعي يهدف إلى تفكيك منظومة الفساد ومظاهر التطبيع معها، والتي لم يسلم منها أي مجال في البلد، لأنها طالت حتى الجسم الثقافي والأكاديمي بالمغرب بشكل كبير، وهو بالفعل ما عبر عنه الكتاب والمبدعون 24 المساهمون في هذا العمل.
ومن هنا، يأتي هذا الكتاب الجماعي “شروخ المعنى، كتابات ضد الفساد” البعيد عن لغة الأرقام والخطابات التقريرية التي ألفت هذه الهيئة الرسمية تقديمها، ليُسمع صوت المثقف والمفكر والباحث السوسيولوجي تجاه الفساد الذي ينخر المجتمع المغربي، والذي تحول إلى “ورم سرطاني” كما يصفه الكاتب فريد الزاهي في هذا الكتاب، و”قاتل للأحلام” كما يقول عنه الكاتب أحمد لكبيري. لكن مع ذلك يظل سؤال لجوء هيئة وطنية رسمية إلى الكتاب والمثقفين باعتبارهم “صناع الوعي والمعنى من أجل فتح آفاق جديدة للتفكير الجماعي حول الفساد” يطرح نفسه وبإلحاح، خاصة أنه لا أحد من صناع القرار يلتفت إلى أصواتهم، ولا سياسة ثقافية بالبلد تعطي لهذا الفعل النبيل مكانته. وهذا ليس تبخيسا لعمل الهيئة ولا لقيمة الكتاب أنفسهم، ولكنه واقع الحال يفرض نفسه وبمرارة للأسف.
وفي تقديمه لهذا الكتاب، يوضح محمد بنعليلو رئيس “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، أن هذه الهيئة تسعى في هذا الكتاب إلى إشراك نخبة من الكتاب المغاربة في مهمة نبيلة “غايتها تفكيك هذه الظاهرة من مواقعهم المختلفة، وبأدواتهم التأملية والبلاغية والنقدية، التي تجمع بين التجربة الحياتية والرؤية الثقافية، بين الكتابة الحرة والانخراط المواطن”، مشيرا إلى أن القراءة الفكرية للفساد هي جزء لا يتجزأ من محاربته، وهي التي تسبق وتؤسس لسياسات المكافحة، وتمنحها مشروعيتها ومصداقيتها واستدامتها، كما أن المقاربة الفكرية والثقافية تشكل، في هذا السياق، رافعة أساسية لإنجاح السياسات العمومية في مجال محاربة الفساد وضمان استدامتها.
ويضيف بنعليلو أن المعركة ضد الفساد لا تخاض فقط في النصوص القانونية والمراسيم التنظيمية، ولا في أروقة المحاكم وحدها، بل يجب أن تنفتح على مجال الوعي العميق للمجتمع ووجدانه الذي يتشكل عبر الفكر والكتابة، وذلك لاقتناعه والهيئة التي يشرف عليها على أن الفساد انحراف في منظومة القيم، وأن إصلاح هذه المنظومة لا يتم فقط عبر سن القوانين والخطب الرنانة وطقوس التشريع، بل عبر تغيير النسق الثقافي والاجتماعي الذي يسمح للفساد بالبقاء، ويبرره، ويمنحه شرعية خفية، وهوم ما نعته بـ “الفقه الجديد لمكافحة الفساد”.
الفساد الثقافي
ويضم هذا الكتاب، الذي يقع في 122 صفحة من الحجم المتوسط، مساهمات متنوعة لـ 22 كاتبا وكاتبتين )الشاعرة ثريا ماجدولين والكاتبة والطبيبة النفسية غيثة الخياط( من مشارب فكرية مختلفة، يوحدهم الإيمان بقدرة الكلمة على التغيير، وأن من واجبهم المساهمة في هذا العمل الجماعي من أجل توسيع دائرة الاهتمام بهذه الآفة، وتشريح أشكالها وتلويناتها وأسباب تغلغلها في كل المجالات، وعلى رأسها المجال الثقافي وآثاره الوخيمة على المجتمع، حيث يقول عنه الشاعر عبد السلام المساوي بأنه “يضعف الثقة في المؤسسات الثقافية، ويقلل من إقبال الجمهور عليها، مما يؤدي إلى عزلة المثقفين وتراجع دورهم في التنوير والتوعية. كما أنه يثبط الإبداع ويقضي على روح المبادرة لدى الفنانين والمبدعين، الذين يجدون أنفسهم في بيئة لا تقدر جهودهم ولا تكافئ تميزهم. والأخطر من ذلك أن الفساد الثقافي يقوض القيم الأخلاقية، ويشجع على الانتهازية والمصلحة الذاتية، مما ينعكس سلبا على سلوك الأفراد والمجتمع ككل”.
ومن جهته تساءل الناقد والروائي محمد أمنصور عن الفساد الثقافي، وقال إنه لا يمكن تصور فساد ثقافي بمعزل عن الفساد السياسي والاقتصادي وغيره، مشيرا إلى أن الفساد الثقافي نما في مغرب الاستقلال عبر مراحل، وبرزت مظاهره الأولى من خلال تفشي تسلط الحزبي على الثقافي مع إرث الحركة الوطنية الذي تحول إلى ريع لأبطال مثقفي المسلسل الديمقراطي، ومع الإسلام السياسي الذي نجح أصحابه في جب صوت المثقف المستنير والملتزم، وأغرقوا الساحة بالشعبوية وبيع التدين الشعبي والخلط بين قيم الدنيا والآخرة، ثم مع النخب المقاولة التي توظف كل الوسائل التكنولوجية ومن ضمنها الذكاء الاصطناعي أخيرا من أجل الربح وبجميع الوسائل وعلى رأسها مزج المال بالسلطة.
وعن كيفية التصدي للفساد الثقافي ومختلف مظاهره، يوضح أمنصور أنه لا يمكن ذلك من دون تخليص البلاد من الفساد الهيكلي على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن إعادة الاعتبار للمواطن عبر القضاء على الأمية ودعم صرح التعليم بمختلف أسلاكه، وإعادة الاعتبار لقيمة الثقافة في الحياة السياسية والاجتماعية للمغاربة.
الفساد في الجامعة
ومن خلال تجربة خاصة وبأسلوب أدبي شفيف يعري الواقع، يحكي الروائي المغربي عبد الكريم الجويطي عن معايشته للفساد في منطقته الزراعية بني ملال، بدءا من سوق الغنم في سبعينيات القرن الماضي حينما رافق والده في صغره وشاهد بأم عينه كيف استولى رجل سلطة “كوميسير” على أكبر الخرفان لديه المعروضة للبيع، ودس أحد أعوانه مبلغا زهيدا في يد والده المنكسر المغلوب على أمره، ومن حياته المهنية حيث كان مسؤولا جهويا في وزارة الثقافة، وشاهدا على الفساد المهول الذي ضرب المدينة، وخلف حكايات لا تصدق، حيث يقول: “ليس من السهل في أوساط متعفنة، أضاعت القيم، واختارت عبادة العجل الذهبي أن تكون نزيها، إنه عمل دؤوب على الذات، وصراع رهيب معها، كما هو تمرين شبه يومي على القناعة، وتقدير النفس لا بما تملكه ولا تتهالك عليه، وإنما بما تتعفف عنه وتنفر منه”.
أما الدكتور محمد مشبال، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بكلية الآداب بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، فيقف عند مفارقة انتشار الفساد بالجامعة المغربية، المؤسسة العلمية التي من المفروض أن تزرع القيم وتحرص على انتشارها بين الطلبة الباحثين، ولكنها بسبب العديد من الانحرافات السلوكية تحولت إلى مرتع للفساد، صنفه الباحث إلى نمطين: “أولهما صريح وفاضح قائم على تحويل المؤسسة العلمية إلى وسيلة لكسب المال والمتاجرة غير المشروعة من خلال قبول الطالب غير المؤهل علميا بالماستر والدكتوراه، ثم تسهيل الطريق له للحصول على الشهادة، وأخيرا تمكينه من منصب أستاذ للتعليم العالي. وثانيهما فساد خفي ملطف وهو القائم على التساهل والتعاطف والتخاذل في أداء الواجب، وأحيانا على الاكتفاء بمقابل معنوي لا يسمن ولا يغني من جوع”.
الدستور والفساد
وبقدر ما يفكك المشاركون في هذا الكتاب مظاهر الفساد في المجالين الثقافي والتعليمي التربوي، يقفون على أبعاده الخطيرة على المجتمع في مختلف المجالات، وعلى مقتضيات الدستور المغربي المناهض لكل أشكال الفساد، والتي تظل للأسف “مُعلقة”، كما يقول المفكر والكاتب محمد نورالدين أفاية، في حين نشهد تضخما لفظيا عن النزاهة والفساد والقيم في المغرب، وتواتر كبير للدراسات والتقارير حول الفساد الذي أصبح له للأسف “اقتصاد”، حيث تشير معطيات “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها” إلى استشراء الفساد وتوسعه وانتقال المغرب من الرتبة 73 من ضمن 180 دولة عام 2018 إلى الرتبة 97 عام 2023 متراجعا بـ 24 رتبة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما يكلف البلاد 50 مليار درهم سنويا، وهو رقم يفوق ميزانية وزارة الصحة برمتها.
ويوضح الدكتور محمد نورالدين أفاية في هذا الكتاب أن النظام الديمقراطي في الدستور المغربي “أضحى ثابتا من بين الثوابت الأساسية للدولة المغربية، غير أن تصريف هذا الاختيار ما تزال تعتوره عوائق ومقاومات، منها ما يهم آليات التقييم، ومراقبة من يتصرف في المال العام ومحاسبته، ومساءلة من هو مكلف بتأمين المرافق العمومية، والحرص على المصلحة العامة. فإذا كانت ممارسة المراقبة مستويات وأشكال، فإن الجشع أنماط وأنواع، وتتمثل معضلة البناء الديمقراطي في تطوير المؤسسات المدنية، بدل محاربتها وإلغاء أدوارها، وذلك لمحاصرة التجاوزات السياسية والتدبيرية، وكسف بؤر الفساد، الكبيرة كما الصغيرة، التي لا يمكن الاستهانة بخطورة ما تقوم به من تشويه، وتحريف للحقائق، لأنها تمتلك طرائق تعرف كيف تستثمرها وتوظفها لتوسيع دوائر الغش والفساد والإفساد”.
وإلى جانب الأسماء الذكورة سابقا، فقد شارك في هذا الكتاب، الذي تتوخى من ورائه “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها” إشراك الكتاب والمفكرين المغاربة في النقاش العمومي حول ظاهرة الفساد، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الفساد وآثاره الممتدة، وتنويع زوايا النظر إلى الفساد، كل من الكتاب: عبد القادر الشاوي، موليم العروسي، سعيد بنيس، محمد أقضاض، عبد الجليل الوزاني التهامي، العربي بنجلون، يحيى بن الوليد، الحبيب الدائم ربي، أحمد العمراوي، البشير الدامون، حبيب مزيني، عبد العزيز كوكاس، عبد الجواد الخنيفي، محمد الرابط، وموحا سواك.
وعلى الرغم من ظهور بعض المؤشرات الإيجابية التي تعود إلى الجهود المؤسساتية المبذولة في مجال تعزيز النزاهة والوقاية من الفساد بالمغرب، والتي كشفت عنها نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لمنظمة الشفافية الدولية، وأظهرت حصول المغرب على 39 نقطة من أصل 100، واحتلاله الرتبة 91 من بين 182 دولة، مسجلا بذلك تحسنا بنقطتين مقارنة مع عام 2024، وتقدما بثماني مراتب في الترتيب الدولي، فإن “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، تعتبر أن هذه المؤشرات تظل أقل من مستوى تطلعات المواطنين، ولم تعكس بعد حجم الانتظارات المرتبطة بإرساء حكامة عمومية قائمة على الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ولهذا فهي تسعى إلى تسريع وتيرة العمل المؤسساتي المنسق، وتعزيز الانخراط الجماعي لمختلف الفاعلين العموميين والخواص والمجتمع المدني، من أجل بناء منظومة وطنية قوية للنزاهة، تواكب طموح مغرب أكثر شفافية وعدالة وثقة في مؤسساته.
أجيال النزاهة
ولهذا الغاية، ولأن التربية هي اللبنة الأساسية التي يمكن عبرها ترسيخ ثقافة النزاهة ومحاربة الفساد وتعزيز المواطنة التشاركية والانفتاح المنظم على الشباب والمجتمع المدني والإعلام، فقد أطلقت حديثا “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، المؤسسة الدستورية المستقلة التي أُحدثت عام 2012 لتنزيل مقتضيات الدستور وتنسيق وتنفيذ السياسات الوطنية للوقاية من الفساد وترسيخ ثقافة النزاهة، بشراكة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، المرحلة الأولى من برنامج “أجيال النزاهة” على مستوى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس، وهو البرنامج الذي يدخل في إطار استراتيجيتها الخماسية 2025-2030.
ويركز هذا البرنامج على المدرسة العمومية في معركة بناء القيم، وعلى ضرورة توحيد الجهود المؤسساتية لضمان أثر مستدام لسياسات الوقاية من الفساد، ولهذا الغرض خصصت ورشة تكوينية لفائدة عدد من الأطر التربوية بتلك الجهة، قدمت خلالها مستجدات الآليات الوطنية لمكافحة الفساد، وتحليل رهانات التربية على القيم في العصر الرقمي، كما تم عرض منهجية تنزيل برنامج “أجيال النزاهة” بالمؤسسات التعليمية، بما يعزز دور المدرس كفاعل أساسي ومحوري في ترسيخ ثقافة النزاهة داخل الوسط المدرسي.
