إن يشأ شئت وإن شئت يشأ

‏تعبَ الحاج عبد الكريمِ

‏من الإقامةِ بينَنا،

‏روحُه قاومَتْ،

‏بشِقِّ النَّفَسِ،

‏عامًا وبضعةَ شهور،

‏ثم قالتْ:

‏إنِّي مُرتحلةٌ إليه.

‏فأنا كنتُ هنا

‏أزدادُ عطشًا،

‏وهناك…

‏لي حبيبٌ، حبُّه وسطَ الحَشا،

‏روحُه روحي، وروحي روحُه،

‏إنْ يشأْ شئتُ، وإنْ شئتُ يشأْ.

‏وكم نُتعبُكَ اليومَ في رحيلِكَ، أيُّها العبدُ الكريمُ،

‏نُحمِّلُكَ ترسانةَ حبٍّ وسلامٍ وقُبَلاتٍ

‏إلى ابنِكَ الحبيبِ.

‏لا تعتبْ علينا يا أبا السيِّد،

‏فترحالُكَ إليه

‏سيُثقِلُ كاهلَكَ بالسَّلامات،

‏ستكونُ أنتَ الأمانات.

‏ستسمعُ من سكونِكَ

‏أصواتًا تقولُ لكَ:

‏قلَّدناكَ الزيارةَ،

‏أودعناكَ الأمارةَ،

‏وأوصيناكَ إبلاغَه

‏أنَّ بعدَه

‏لم نعدْ نُحصي الفصولَ:

‏«فكلُّ ما فيكَ ليسَ يزولُ».

‏لا تُؤاخذْنا يا «أبا الحسن»،

‏فموتُكَ الآنَ

‏يتراكمُ عليه زادُ المُحبِّين،

‏كمسافرٍ إلى ديارِ المؤمنين،

‏كمواسمِ حجٍّ

‏إلى بيتِ اللهِ الحرامِ.

‏فأرْمِ عنّا

‏جمراتٍ من غضبٍ

‏على حقدٍ انتشرَ كالأورامْ.

‏تَحمَّلْنا يا أبا الأمين،

‏مطالبُنا كثيرةٌ،

‏لكنّها تكادُ

‏تُشبهُ ابتسامتَكَ هذه.

‏فأهدِها إليه،

‏وصارحْه

‏أنَّنا الآنَ في زمنِ الأوغاد،

‏وأنَّ بلادَنا

‏لم تعدْ تلكَ البلاد.

‏ولا بأسَ إنْ كاشفتَهُ

‏بالمصائدِ والمكائدِ،

‏وفصائلِ الذِّئاب.

‏ولا بأسَ إنْ أعدتَ له

‏تلاوةَ بعضٍ

‏من سورةِ غدرِ الإخوةِ بأخيهم:

‏«اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا

‏يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ

‏وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ».

‏وقُلْ له، أيُّها الحاجُّ الكريمُ،

‏إنَّ كلَّ ما على سطحِ الأرضِ يتغيَّرُ،

‏ينصهرُ كالسَّبائكِ السميكةِ،

‏الأخلاقُ تندثرُ،

‏وتتناثرُ

‏دونَ أنْ تُحدِثَ دويًّا في الضمائر.

‏حتى إنَّ يوسفًا،

‏من صناعةٍ يُقالُ إنّها لبنانيَّةٌ يا ابني،

‏انقلبَ على إخوتِه،

‏ورأيناهُ يرمي الأحدَ عشرَ كوكبًا في البئر،

‏والشمسُ والقمرُ يشهدان.

‏وعندما تصلُ،

‏ارفَعِ الآذانَ له،

‏واهْمِسْ باسمِنا نحنُ الأحياء:

‏الأرضُ، ربِّي، وردةٌ

‏وُعِدَتْ بكَ،

‏أنتَ تقطفُ،

‏فأروِ موعودًا.

‏وجمالُ وجهِكَ

‏لا يزالُ رجًى يُرجى،

‏وكلُّ سواهُ مردودا..