Home / قضايا ثقافية / قضايا ادبية / اسرائيل واغتيال اللورد موين

اسرائيل واغتيال اللورد موين


جندى مصري يعتقل الجناه والقضاء يحكم بالاعدام

اسرائيل من واقع الخبره العمليه لا تسعي للسلام،بل ان ( السلام) يشكل خطرا على طموحاتها ،في التوسع والهيمنه ،وتاريخها يكشف على ان الحروب والاضطرابات هما بالنسبة لها،اداة التنفس الأساسيه.وقد جرت في مصر عملياتان رئيسيتان،استخدمت اسرائيل في كلتاهما السلاح والارهاب لتحقيق مكاسب ذاتية محددة لها،وقد قامت بتوجيه الرصاص، في الحالتين الى صدور مواطنين اوروبيين، من مواطنى دول من اقرب اصدقائها،وحاولت توريط  مصر في تحمل الادعاءات بالأتهام، بالقتل اوعلى الاقل في تشويه صورة الأمن، وضعف اجراءت المحافظة على ارواح الأجانب ،حتى الرسميين منهم ،وزرع عوامل الشك في سياساتها، بما من شأنه ان يعكر صفو العلاقات، وافشال اي محاولة للتفاهم ،فضلا عن التعاون في اطار عمليات التنميه او الاستثمار. كانت العملية الأولى هي (اغتيال اللورد موين) وقد حدثت في غضون الحرب العالمية الثانيه، عام  1944.وكانت لها اصداء واسعه،وقد تمكن جندي مصري (كونستابل)من افشال هذا المخطط الصهيوني،وكانت العمليه الثانيه،تلك التي اطلق عليها (فضيحة لافون) وسوف نروي احداثها في عدد قادم .

ما هي قصة اللورد موين ،وماهي اهميته، وماهو الهدف من اغتياله تحديدا. تقلد (والتر غينيس) الشهير باسم (اللورد موين ) منصباً سياسياً رفيعاً 1941 ،حين اصبح وزيرا للدولة البريطانيه، المقيم في منطقة  الشرق الأوسط،وقد اتخذ من العاصمة المصرية القاهرة مقرّاً له،وتتلخص مسؤوليته في الإشراف على الشؤون السياسية والعسكرية البريطانية في منطقة تمتد على كامل مساحة الشرق الاوسط ، مع تركيز خاص على إدارة وتوجيه العلاقات البريطانية مع مصر،وقضايا سائر المنطقة،وقد تقلد منصبه ذاك، بقرار من رئيس الوزراء (ونستون تشرشل). حين رحل اللورد لويد (جورج امبروز لويد)  بشكل مفاجئ

قرار الاغتيال وملابساته

في خريف عام 1940 ،وافق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل،واقرب معاونيه انتوني ايدن على تشكيل (جيش يهودى) قوامه عشرة اّلاف جندى،يختارون من صفوف الجيش البولندى والجيش التشيكي، وتتولى بريطانيا تمويلهم، ويرسلون الى فلسطين دعما للتعهد البريطاني بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين،كما جاء في وعد بلفور 1917.على ان يقوده أورد وينجيت (Orde Wingate  هو ضابط عسكري عُرف بتأييده الشديد للصهيونية ودوره في تدريب قوات الهاجناه، ويُطلق عليه في إسرائيل لقب (الصديق). وقد قوبل قرار رئيس الوزراء البريطاني بانشاء هذا الجيش اليهودى بشعبيه عارمه في الاوساط الصهيونيه الاسرائيليه، لكن تتدخل المقادير لتلعب دورها،بغض النظر عن الحلم الصهيوني،فقد اقتضت ظروف الحرب العالميه ان تصدر الاوامر للقائد (وينجيت) ان يتوجه الى (أثيوبيا) لمعالجة بعض الاوضاع هناك.وتبعا لذلك شعرت القواعد الصهيونيه المتعجلة للقرار الأول ،بخيبة أمل عريضه من القرار الثاني الخاص بنقل القائد ( وينجيت) ، وان كان القاده الصهاينه مثل (حاييم وايزمان) ورفاقه لم يساورهم ادني شك في النوايا الطيبه للحكومة البريطانيه.وانها ملتزمه بالوعد الذي قطعته على نفسها باصدار وعد (بلفور). ثم حدث تطوراّخر في امر ذلك الجيش الذي اولاه تشرشل اهتمامه. فقد تبين ان تشرشل قد ارتكب خطأ بالغا في قرار انشاء هذا الجيش دون ان يأخذ في الأعتبار اّراء القاده البريطانيين الذين يعملون في فلسطين ذاتها، لا سيما وان بريطانيا تقوم بصلاحيات الحكم في فلسطين بناء على قرار الأمم المتحده (بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني رسمياً في 25 أبريل 1920 خلال مؤتمر سان ريمو بإيطاليا) كما ان هناك المندوب السامي البريطاني في فلسطين عام 1941 هو السير هارولد ماكمايكل، الذي تولى هذا المنصب طوال فترة الحرب العالمية من عام 1938 وحتى 1944 ،وكذلك الجنرال (ارشبيلد ويفل)  وهو قائد عسكري بريطاني بارز وكان قائدا للقوات البريطانيه في  فلسطين وشرق الأردن ،واسندت اليه مسؤوليات قمع الثورات الفلسطينيه الكبرى، وقد رفضا هذين القائدين بشكل قاطع تشكيل هذا الجيش اليهودى وارساله الى فلسطين ،بدعوى ان واقع الحال لا يسمح بذلك تماما وان الثورات الفلسطينيه على اوجها ،ونلاحظ تأكيدا لذلك الحال ان بريطانيا كانت تلجأ لأصدار( الكتاب الأبيض) بين وقت واّخر يمالئ المطالب الفلسطينيه ،حتى يخفف من حجم تلك الثورات،وحاول تشرشل اقناع هذين القائدين المرة تلو الاخري ولكنهما رفضا ذلك رفضا قاطعا،فالوضع على الارض لا يحتمل، سياسيا واقتصاديا ،ومن ثم وجد تشرشل انه من المستحيل موافقتهما،قام أثر ذلك بتكليف صديقه المقرب اللورد موين باخطار الجاليه اليهوديه في فلسطين ان هناك صعوبات جمه لتشكيل هذا الجيش اليهودي حاليا،وان كان الأمر سيظل محل بحث ومتابعه،وفي اطار الظروف المناسبه،سنعاود التفكير في تشكيل هذا الجيش مرة اخرى ،وذلك خلال مده لا تتجاوز الستة شهور.

اغتيال اللورد موين

اشتدت حركة الصراع على الأرض الفلسطينيه بين المواطنين الفلسطينين،ومجموعة التنظيمات المسلحه الصهيونيه،وقد تم تشكيل الكثير منها،التي ارتكبت جرائم ضد الشعب الفلسطيني،وكان اكثرهم تشددا وعنفا تنظيم (شتيرن)،كما انها كانت تري مقاومة الانتداب البريطاني على فلسطين،حتى تكون يدها اكثر انطلاقا في الاعمال الأرهابيه، ولذلك اتخذت قرارها بتصفية (اللورد موين) لأعتبارات عدة. منها الانتقام من الحكومة البريطانيه، لتخليها عن الوعد بتشكيل الجيش اليهودى،وهي اساسا ضد الوجود البريطاني برمته،وتعمل على انسحابه،وان (موين)هو ذاته الذي قام باخطارهم،ناهيك عن مسؤوليته، في الإشراف على الشؤون السياسية والعسكرية البريطانية، في منطقة تمتد على كامل منطقة الشرق الاوسط، وله رأي متعاطف مع ما يكابده الفلسطينيون من معاناه،وضد عمليات العنف المتزايده،ضد المسالمين منهم ،ومايجري على الساحة الفسطينيه من اعمال دمويه سواء في المدن او القرى.وقد لقي (ابراهام شتيرن) مؤسس تلك الحركه مصرعه على يد القوات البريطانبه عام 1942.

تفاصيل عملية الاغتيال

كان لعصابة ( شتيرن) في القاهره مجموعه من ثمانية أفراد ،تتكون من ثمانية رجال، واربع سيدات، ولم تكن حتى ذلك الحين قد قامت بأي أعمال تخريبيه،ولذك تم اختيارعناصرمن الخارج للقيام بتلك العمليه وهما شابين الاول اسمه ( الياهو حكيم ) وقد انضم لتلك العصابه مبكرا حين كان لايزال في المدرسه،وقد قاومت اسرته ذلك الالتحاق، بتلك العصابة،وحاولت  اقناعه بالأنضمام الى الجيش البريطاني حتى يبتعد عن شتيرن، ولكنها في النهاية لم توفق.

اما الثاني فهو (الياهو بيت تسوري) وكان يعمل في وظيفه بمصلحة المساحة وهو من مواليد تل ابيب  .بعد ان تم الاختيار،وتم التدريب  قامت العصابه بتسهيل دخولهما الى مصر، بارتدائهما ملابس عسكريه للجيش البريطاني،وكان كل منهما يدخل بمفرده ،بمزاعم مختلفة ،وفي القاهره التقيا،وتحدد موعد التنفيذ يوم 6 نوفمبرعام 1944. ويروي موقع روسيا اليوم تفاصيل عملية الاغتيال، حيث توقفت سيارة اللورد موين وكان معه سائقه ومساعده وسكرتيره في اليوم المحدد من عام 1944 أمام مقر إقامته بشارع حسن صبري بحي الزمالك في القاهرة، وحين هم الوزير البريطاني بمغادرة السيارة، انطلق الرصاص باتجاه السيارة، فأصيب اللورد موين بجروح خطيرة وفارق الحياة بعد ساعات، كما قُتل سائقه أيضا فيما لم يصب المساعد والسكرتيره. حاول منفذا عملية الاغتيال الهرب بدراجتين هوائيتين إلا أنهما تعرضا للمطاردة من قبل مواطنين مصريين عاديين انضم إليهم شرطي مصري(كونستابل) يدعى( محمد عبد الله)، تصادف وجوده قرب مسرح الجريمة.تبادل الشرطى المصري اطلاق النار،مع المجرمين الهاربين،وقام بمطاردتهما وهو يقود (موتوسيكل) وأمسك  بالأول،وسلمه للأهالي بعد ان وثق يديه،ولحق بالثاني ،حتى ادركه فالقي القبض عليه وصحبه الى مكان المتهم الأول ،وجاءت سيارة الشرطه ،حيث صحبتهما الى مركز الشرطه. وكانت المطاردات على جسر الملك فؤاد، وكان أحدهما قد أصيب بجروح. تبيّن من خلال التحقيقات شخصية منفذي عملية الاغتيال وهما إلياهو بيت تسوري وإلياهو حكيم، وهما شابان يهوديان يعملان في الجيش البريطاني وينتميان إلى المنظمة الصهيونية السرية المتطرفة المعروفة باسم (شتيرن) وكان  يقودها في ذلك الوقت إسحاق شامير ويسرائيل إلداد وناثان إلين مور، وهم من أصدروا الأمر بتنفيذ الاغتيال. كما تبيّن لاحقا أن السلاح الذي نفذت به عملية الاغتيال كان له سجل حافل، وقد قتل بواسطته مسلحوا عصابة (شتيرن) الصهيونية نائبا لمدير شرطة القدس وثلاثة رجال شرطة ومفتشي شرطة في مدن مختلفة من فلسطين.

الأثار وردود الفعل لعملية الأغتيال

كان لعملية الاغتيال صدى واسع المدي في بريطانيا وفي فلسطين، مما حدى برئيس الوزراء تشرشل في ذلك الوقت أن يصرح أمام مجلس العموم البريطاني بلهجة غاضبة قائلا: (إذا كانت جهودنا من أجل مستقبل الصهيونية،سوف  تؤدي فقط إلى ظهور رجال عصابات على شاكلة ألمانيا النازية، فان ذلك يعنى ان الكثيرين، بمن فيهم أنا، سوف يعيدون النظر في موقفهم تجاهها)، ثم استطرد قائلا : ان اللورد موين كان (صديقا ليهود فلسطين).لكن على الجانب الآخر ،كان المتطرفون في عصابة (شتيرن) يرون العكس، ويعتبرون الوزير البريطاني عدوا لهم. وهنا يمكن القول فيما يخص اللورد موين ،انه لم يكن في صف اليهود أو ضدهم ،ولكنه كان مدافعا عن التسوية بين العرب واليهود في فلسطين، وأن مقتله كان بمثابة إحدى الخطوات التي عجلت بالانسحاب البريطاني من فلسطين عام 1948، وإقامة دولة إسرائيل، لكي تبدأ على التو حركة الصراع العربي – الاسرائيلي ،بدخول الجيوش العربيه الى ساحة المعركة على الارض الفلسطينيه ،وتنتهي الى ما اّلت اليه من تطورات، ساخنه تاره، وساكنه في اخرى،ولكنها مازالت متواصله حتى هذه الساعه. وعوده الى النبرة الغاضبه في حديث تشرشل في ذلك الحين، فقد كانت مجرد احتجاج ،حين قام بتشبيه (رجال تلك العصابه شتيرن) بألمانيا النازيه، فقد كان يعلم ان زعيم (عصابة شتيرن ابراهام شتيرن) قد قام بتقديم عرض على (ألمانيا النازيه) للتعاون معا على طرد البريطانيين من الشرق الأوسط،، وأقام اتصالات متعددة مع النازيين على قاعدة(عدو عدوي، صديقي)، وقد اشار الى هذا المعنى بقوله: (العدو هو بريطانيا. ويجب علينا محاربة هذا العدو حتى الموت تحت أي ظرف من الظروف ) ،ولأن السياسة ليس لها عواطف ولكنها مصالح،فقد تغاضت عصابة شتيرن ،عن كل ما قدمته بريطانيا من دعم وخدمات واولها وعد بلفور ثم الاجراءات التي قام بها (هربرت صمويل) بعد ان وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني في اعقاب الحرب العالميه الاولى،من مصادرة الاراضي الفلسطينيه بعد ان اثقل الفلاح الفلسطيني بالضرائب ،او تهجير الفلسطينيين بعد مذلبح دير ياسين وغيرها.

وكانت الخاتمه

قدم القاتلان الى المحاكمه في مصر في العاشر من يناير عام 1945، حيث كانت هناك مفاجاّت دراميه، فلم ينكر أي منهما اقدامه على ذلك، بل ان الاتهام بالقتل الذي اسند الى كل منهما اضافا اليه ( سبق الاصرار والترصد) وقالا انهما قتلا ( اللورد موين) باسم (العداله العليا) ، وشهدت المحكمه رؤيه واضحة المعالم في اعترافات (الياهو بيت تسوري) حين قال انني قد ولدت في تل ابيب، وبريطانيا دولة محتله لبلدي ،وكان على ان اقاوم ذلك الاحتلال. قضت المحكمة بإعدام القاتلين شنقا، وقد تم تنفيذ الحكم في 22 مارس عام 1945، فيما تم نقل رفاتهما الى اسرائيل، بعد معاهدة كامب ديفيد التي وقعها الرئيس الراحل (أنور السادات) ، بعد مرور 30 عاما . اما الكونستابل ( المصري محمد عبدالله ) فقد تمت ترقيته الى رتبة ضابط بقوات الشرطه المصريه