يعد موضوع الاقتباس والتضمين والسرقات والتمثلات الشعرية من الموضوات المهمة التي شغلت بال الكثير من النقاد والباحثين والدارسين، كما انه يعد من الموضوعات الشائكة التي عرفت في كتب التراث والأدب منذ العصور الأدبية الأولى وخاصة عصر التدوين وحتى يومنا هذا.
فمن بديه القول أن الاعتماد الأكبر كان على الرواية الشفوية والحفظ، قبل أن تتولّى كتب اللغة والأدب والمغازي والسير مهمة الجمع والتدوين. وقد شكّل هذا الوضع تحدّيًا كبيرًا للباحثين القدماء والمحدثين في التمييز بين الشعر الصحيح المنسوب إلى قائله، وبين ما أُلحق به من وضع أو انتحال أو زيادة أو تحريف.
ومن المهم أن نذكر أهمية معرفة نسبة الأشعار إلى قائليها لأسباب يعود أهمهما لقيمتها بوصفها وثيقة تاريخية مهمة تعين الباحثين في فهم طبيعة المجتمع والحياة التي عاشها شعراء تلك الفترة؛ الأمر الذي يساعد في تحليل البنية الآلية الشعرية وكينونتها.
أما الأمر الثاني فيختص بالدرجة الأساس بالشعر الجاهلي إن صحت التسمية كونه ضابطة أساسية اعتمد عليها اللغويون في تقعيد اللغة (أي وضع قواعد لها أو تأصيلها)؛ وعليه فان التأثير بصحة النسبة يؤثر في ثبوت الشواهد الشعرية في تلك الفترة المهمة؛ وهذا بالضبط ما يؤثر على الدراسات النقدية والفنية التي لها صلة بتطور الأساليب واللغة والصور وما شابه ذلك؛ مما يؤدي لتشوش الرؤية وضياع الفهم الحقيقي.
ومن بين الأسباب المهمة التي أدت الى الاختلاف في نسبة الأشعار والخلط بين قائليها أن الشعر كان يُتناقل مشافهة لقرون عديدة في مجالس العرب وأسواقهم؛ وهذه البيئة الشفوية جعلت الرواية عرضة للزيادة أو النقص أو حتى الاختلاط بين القصائد. وهذا ما يشير اليه الأصمعي بقوله (أدركتُ أقوامًا يروون الشعر فيزيدون فيه)؛ إذ ان الرواة كانوا يمتلكون سلطة واسعة فيزيدون في النص بسبب الكثرة والنسيان والاشتباه وما شاكل لكثرة الحفظ والخزن. كما لا ننسى أن العصبية القبلية والسياسية ساهمت بشكل كبير في نسبة بعض الأشعار إلى شعراء قبائل أخرى؛ رغبة في رفع شأن قبيلة أو انتقاصٍ من أخرى. فقد ذكر ابن سلام الجمحي أن من أسباب الانتحال (أن تضع القبيلة على لسان شاعرها ما تفتخر به مثال ذلك ما نُسب إلى الحطيئة من هجاء غير ثابت، وضعه الرواة بسبب شهرته بالهجاء).
وقد يكون السبب الأكثر الأهمية الذي أرى أن يصار الى التركيز عليه في قضية نسبة الشعر الى غير قائله (تشابه الأساليب الشعرية)؛ إذ ان تشابه القصائد أحيانًا في البحر والقافية والموضوع قد يساهم في الخلط بين شعر وآخر، ومن أوضح الأمثلة على ذلك تشابه أسلوبي امرئ القيس والأعشى في مطالع الوقوف على الأطلال، وهذا ما نبّه له ابن قتيبة بقوله انّ بعض الرواة (كان يخلط بين بعض القصائد لشدّة تماثلها في النسيج والسبك).
ومن الواضح أن هناك أسبابا لا تخفى على الجميع ربما تكون الأكثر أهمية وتشمل تدخل الوضّاع والشعراء المتأخرين حيث كان بعض المتأخرين ينظم شعرًا على ألسنة الجاهليين؛ إمّا إرضاءً للخلفاء أو رغبة في مال أو شهرة، كما في قصة الشاعر حمّاد الراوية الذي اتُّهم بوضع الكثير من أبيات الجاهليين.
وإضافة الى الأسباب المذكورة ربما يكون تعدد الروايات واختلاف مصادر التدوين من بين الأسباب الأخرى؛ فالشعر كان متناثرًا في كتب متفرقة ككتب اللغة والسِيَر والأغاني وغيرها؛ واختلاف الرواية بين راوٍ وآخر قد يخلق مشكلة في ضياع نسبة القول لقائله والشعر لناظمه.
وكأمثلة على بعض النماذج الشعرية في نسبة الاشعار لغير قائليها على سبيل التبيين لا الحصر نسبة البيتين الشعريين المشهورين:
ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يدركُهُ
تجري الرِّياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ
تجري الأمورُ بأسبابٍ لها عُلَلٌ
وليس يُدرِك أسبابَ القضا فَطِنُ
الى المتنبي رغم أن قائله هو أبو العتاهية.
وكذلك البيت المشهور:
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ
وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ
الى الشافعي رغم أن قائله هو لبيد بن أبي ربيعة
وأيضا قول المتنبي :
على قَدْرِ أهلِ العَزمِ تأتي العَزائِمُ
وتأتي على قَدْرِ الكِرامِ المكارمُ
وتكبُرُ في عينِ الصغيرِ صِغارُها
وتصغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
حيث نسب الى أكثر من شاعر
وكذا قول دعبل الخزاعي:
إذا وقَعَ الذُّبابُ على طَعامٍ
رَفَعتُ يَدي ونَفسي تَشتهيهِ
ونسب الى الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه.
وحري بنا أن نوضح مسألة مهمة عن الامام علي بن ابي طالب حيث نسب اليه ديوان كامل في الشعر هو في الحقيقة على رأي كثير من الدارسين والباحثين ليس له. فقد ورد للإمام قول ينفي عنه نظم الشعر مع القدرة على ذلك حيث يقول (نحن نتقول الشعر ولا نقوله).

وفي هذا يقول خير الدين الزركلي (أما ما يرويه أصحاب الأقاصيص من شعره وما جمعوه وسموه – ديوان علي بن أبي طالب – فمعظمه، أو كله : مدسوس عليه) ثم إن كثيرا من الأشعار المنسوبة إليه تجدها في دواوين شعراء آخرين كالشافعي وأبي الفتح البستي وأمثالهما؛ عدا عن الاختلافات الكثيرة بين أسلوب كل قصيدة وأخرى ما يدل عى أن ناظمها ليس واحدا.
وقد فصّل الأستاذ جواد علي هذا الأمر بإسهاب؛ ومن ضمن ما قاله ان الإمام لم يتخذ الشعر بضاعة له رغم تمكنه من ناصية الأدب واللغة والبلاغة والصور فهو سيد البلاغة وإمام الفصاحة وله السبق والريادة في الحكمة والخُطَب والاقوال. وجل ما عرف به من شعر هو الأراجيز في الحروب والصولات حيث كان سيد الفرسان وبطل الأبطال.
ومن المهم أن نعرف أن نسبة الشعر لغير قائله لم تكن حصرا على عصر دون آخر فقد شملت العصر الجاهلي والعصرين العباسي والإسلامي.
ومن الأمثلة الشعرية المنقولة في هذا الباب ما قاله امرؤ القيس في بيته الشعري المشهور الثابت النسبة عنه:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكرى حبيبٍ ومَنزلِ
بسقطِ اللّوى بينَ الدَّخول فحَوْمَلِ
إلا ان النقاد والمهتمين بالشان الأدبي قالوا ان قوله:
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها
بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ
كابن الكلبي الذي ذهب الى ان قائله رجل من بني أسد وقد ساق أسباباً لذلك أهمها عدم تناسب الألفاظ بين البيت والقصيدة.
ولم يقتصر الأمر على امرؤ القيس فهذا عنترة بن شداد المعروف باشعاره الجزلة والقوية وموضوعاته الجاذبة وأسلوبه الأخّاذ تعرض ديوانه للزيادة ونسجت له أبيات لم يقلها وربما قوله:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ
أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهُّم
ثابت النسبة له لاشك ويوافق أسلوبه وجزالة ألفاظهِ لكنهم قالوا ان قوله في القصيدة ذاتها:
ولقد شربتُ من المُدامةِ بعدما
ركد الهواجرُ بالمشوفِ المُعْلَمِ
ينفون نسبته اليه؛ وذلك لتضمنها ألفاظاً فارسية فالمشوف المعلم فارسية لم تكن مشهورة بعد في بوادي الجزيرة وأطرافها آنذاك.
وقيل ان الأعشى في قوله:
ودِّعْ هُريرةَ إنّ الركبَ مرتحلُ
وهل تطيقُ وداعًا أيها الرجلُ
من ثابت القول له وقد ورد اسناده اليه قويا في طبقات ابن سلام وفي كتاب الاغاني؛ الا ان قوله:
إنا محيّوكَ فاسلمْ أيها الطللُ
وإن بليتَ وإن طال المدى فعلُ
ورد انه ليس له وقيل ان هذا الأسلوب أقرب الى المخضرمين منه اليه.
ويمكن أن تكون هناك أسباب عديدة لقضية نسبة الشعر لغير قائله أهمها محبّة الناس لسيرة الشاعر ووجود كتبة في القرون المتأخرة أضافوا أبياتًا في باب الفخر والغزل. والمبالغة في العاطفة.
وقد أجمع المحققون على مجموعة من الضوابط لمعرفة صحة نسبة الشعر لقائله منها الاستدلال بالمعجم والأسلوب على بطلان نسبة بعض الأبيات، واستقصاء القصائد من خلال أكثر من راوٍ إذ تُجمع من أكثر من راوٍ ثم تُقارن الروايات لمعرفة الأكثر شيوعًا وثبوتًا والاعتماد على القرائن التاريخية؛ فإذا احتوت القصيدة على ذكر حادثة لم يشهدها الشاعر، أو ألفاظا لم تكن موجودة في عصره، دلّ ذلك على انتحالها.

أما منهج الباحثين المحدثين في التحقق من نسبة الشعر لقائله فأهمه التحليل اللغوي والمعجمي الذي يقوم على تحليل المفردات وتواترها في عصر الشاعر للتحقق من صحة القصيدة، كما كانوا يعتمدون الإحصاء الآلي وأدوات تحليل الأسلوب من خلال تطبيق خوارزميات معينة. كما لجأوا ايضا لمقارنة المخطوطات؛ فيصار لفحص أقدم المخطوطات المتاحة، ومقارنة الفروق بينها لتحديد الإضافات المتأخرة. كما يتم ربط الشعر بالسياق التاريخي. ومن خلال ذلك يدرس الباحثون الأحداث التاريخية المذكورة داخل القصيدة ومدى توافقها مع حياة الشاعر.
ولا بد أن نسجل ان نسبة الشعر لغير قائله لها تداعيات وسلبيات كثيرة أهمها التأثير في الدراسات اللغوية؛ فالاستشهاد بشعر غير صحيح قد يؤدي إلى بناء قواعد لغوية خاطئة. إضافة لتأثيره في فهم تاريخ العرب إذ انه قد يغيّر صورة الشاعر أو القبيلة أو التاريخ؛ ناهيك من تأثيره على تقييم الشعراء، الأمر الذي يساهم في رفع ما لا يستحق ووضع ما هو في المقدمة من غير وجه حق. وهناك بعض الدراسات الأدبية واللغوية الحديثة التي أثبتت عدم صحة بعض الاشعار لناسبيها.
وقد استعرضت العديد من الدراسات بعض الأدلة مثبتة عدم صحة بعض الأشعار لناسبيها مثل نفي بعض أبياتٍ من الشعر لعمرو بن كلثوم في قوله:
ونشربُ إن وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرُنا كدرًا وطينًا
فهذا البيت رغم كونه مشهورا لكنه يُرجَّح أنه مضاف إلى المعلقة في عصر متأخر.
إن قضية نسبة الأشعار إلى قائليها من أعقد قضايا الأدب العربي، وقد ساهمت فيها عوامل عدة منها طبيعة الرواية الشفوية والعصبيات القبلية والسياسية وتدخل الرواة والوضّاع وتشابه الأساليب وتناثر مصادر التدوين. ورغم الجهود الضخمة التي بذلها النقاد القدماء والباحثون المحدثون، لا يزال الجدل قائمًا مع كل اكتشاف مخطوطي جديد.
إلا أنّ دراسة الشعر المنسوب تبقى ضرورية لفهم التراث العربي، لأنها تتيح لنا رؤية أعمق لتاريخ اللغة، وتطور الأساليب، وحياة العرب قبل الإسلام وبعده. كما أن الشواهد الشعرية – سواء ثبتت أو نُفيت – تشكّل مرآة صادقة لطبيعة العقل العربي وطريقته في حفظ الأدب وتداوله.
