Home / قضايا طبية / اجتماعية / تربيه وتعليم / الذكاء الاصطناعي والقراءة عند الأطفال

الذكاء الاصطناعي والقراءة عند الأطفال

 قديمًا قال المُتنبيّ بيته الشهير: 

أعزّ مكانٍ في الدُنى سرجُ سابح

وخيرُ جليس في الزمان كتابُ

وعمليًّا لا يُقاس القديم بما استحدثه الإنسان من مُشتتات ووسائل تُريح العقل من التفكير، فكيف إذا كان ذلك يصيب الّلُبنة الأولى من حياة الإنسان، وهي الطفولة، ومع اقتحام الذكاء الاصطناعي بفجاجة مخيفة حياتنا وبلا استئذان، يتبدى الخوف من أن ينشأ جيل لا يعرف النون ولا القلم، ولا يرهق حواسه بجهد القراءة، فهل تُرانا مستسلمين لهذا الواقع؟ أم أنّ هناك من يجهد ليُحدث توافقًا مع المتغيّرات الجديدة بأقلّ الأضرار!  ويواجه الخوف من أن يدخل العقل البشري في سُبات التبلّد.

لمناقشة موضوع تأثير الذكاء الاصطناعي على القراءة عند الطفل، كان للحصاد لقاء مع نخبة مُهتمة: كاتب لقصص الأطفال، مسؤولة عن مكتبة، ودار نشر، طرحت الأسئلة وكانت الأجوبة بما يليه.

الدكتور أنطوان الشرتونيّ؛ على التعلّم أن يبدأ بالورقة والقلم.

متحدثًا عن دور الذكاء الاصطناعيّ في تنميّة مهارة القراءة عند الطفل، يُفيد الدكتور في علم النفس، والكاتب القصصيّ المختص بأدب الأطفال، “أنطوان الشرتونيّ”: 

” من إيجابيّات الذكاء الاصطناعي أنه بإمكانه أن يُعطي الطفل قصّة عن موضوع من اختياره، وحتى أن يقرأها له، والاستعانة به ليشرح له بعض المفردات أو التعابير التي يصعُب عليه فهمها. 

وهو ضرورة وحاجة مهمّة للطفل إذا تمكّن من استخدامه بطريقة ذكية، وهادفة. 

 ويشرح الشرتونيّ كيف بإمكان الذكاء الاصطناعيّ تلبيَة حاجة الطفل للمعرفة بشأن أيّ موضوع يشغل اهتمامه ولا تلبيّ المكتبة العربيّة للأسف ذلك، كالموضوعات المتعلقة بالفضاء والمخلوقات البحريّة والأمور الغرائبيّة والروبوت. ويُشيد بدور الأهل، في تكوين الدافعيّة للقراءة عند الطفل، بأن يسمحوا للطفل باختيار قصّته، فالطفل يلجأ للكتاب الذي يجيب عن تساؤلاته.

أمّا فيما يخص السلبيات، يضيف الشرتوني؛ ” فهي كثيرة للأسف، منها: عدم وجود حدود وقوانين تحدّ من تدخّل الذكاء الاصطناعيّ، وتحويل الأطفال ليكونوا ضحايا القراءة العشوائية والمغالطات، فيما لو تغيّب الأهل عن مراقبة أطفالهم.  

لذا يجب أن يراقب الأهل الطفل، وليس منعه من استخدام الذكاء الاصطناعيّ، فلا يمكن نكران أنّ الألعاب الإلكترونيّة تستحوذ على اهتمام الطفل أكثر من القراءة، من هنا ضرورة التذكير بأنّ على التعلم أن يبدأ ويحافظ على الورقة والقلم وليس I Pad. “

وفيما خصّ كتابة أدب الطفل، يشير إلى؛ ” بإمكان الكاتب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتصحيح بعض الأخطاء، أو تنسيق جمل معيّنة فقط وليس القيام بعمليّة التأليف عنه”.

ويتحدث عن خداع بعض دور النشر: ” بالإعلان عن مسابقة لكتابة قصص جديدة، والطلب من الكُتّاب إرسال نتاجهم لاختيار الرابح منها، وما يحدث أن تُرفض كلّ القصص، وبعد مدّة وجيزة تُنشر أفكار هذه القصص باسم كُتّاب آخرين في دول النشر، وبهذا تحدث عملية السرقة؛ سرقة الفكرة والحبكة والنهاية ، وهو موضوع يجب الالتفات إليه وقد حدث معي للأسف”.

ويؤكد على أنّ أبرز نقطة للحدّ من سيطرة الذكاء الاصطناعيّ على حياتنا، هو تحديد الوقت، ويجب علينا أن نعرف كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، وطلب المعلومة مع مراجعها.

ويدعو للرجوع للكتاب، لأنه هو المصدر الأساسيّ والأكثر سعة وكفاية في رفدنا بالمعلومات.”

وعن خطواته ككاتب في أدب الأطفال، يذكر الشرتوني: في عملي ككاتب أعتمد دومًا على الواقع، لدي أكثر من ٧٥٠ قصة، من جميع الأنواع، التشويق، علم نفس، العلاج بالكتب، قصص تاريخية، قصص دينية، علميّة، تستهدف المراهقين والصغار. 

ويُضيف: يمكن للذكاء الاصطناعيّ إعطاءنا معلومات، ولكن من دون روح، لا يمكن أن تُحس، فكيف بالقصص التي تمس الروح والنفس، وتمس الإنسان وحياته وبيئته.

ويدعو المدرسين للاهتمام بالقصص الجميلة، ومعرفة كاتبها، سيرته، وخلفيته، فما معنى امتلاك لغة جميلة، والمضمون فارغ!  

ويتحدث عن عامل التسليّة والتشويق الموجود في الكتب الأجنبيّة كما في قصص هاري بوتر، بينما بعض الكتب العربية تنفر الطفل من القراءة لخلوّها من ذلك. 

 ويختم في رسالة للأهل: “اصطحبوا طفلكم إلى المكتبات العامة، لا تتركوا المكتبات تندثر، اقرأوا أمامه ليتخذكم مثالًا.” 

لانا الحلبي: لا يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يخدمنا مطوّلًا!

تتحدث “لانا الحلبي” الشريكة المؤسسة في مكتبة الحلبي في بيروت، عن الدور الأساسي الذي قصدته المكتبة منذ نشوئها، بهدف التشجيع على ثقافة القراءة في لبنان، والحرص على بيع النُسخ الأصليّة لمحاربة الكتب المقرصنة والمزوّرة ودعم الناشرين المستقلّين.

  وتولي اهتمامًا خاصًا بأدب الطفل من خلال تأمين مجموعة كاملة من الكتب المميّزة بالتعاون مع دور نشر معروفة ونزيهة من لبنان والخارج، مختصّة بأدب الطفل، والاهتمام بدور النشر الصغيرة.

دأب المكتبة كما تُشير الحلبي، القيام بأنشطة للأطفال، كجلسات قراءة الكتب، تقول: “نبدأ باختيار الكتاب الذي يناسب مرحلة معيّنة وتُمثّل حاجة الطفل، كمرحلة العودة إلى المدارس مثلًا، نقرأ القصّة ونُناقشها مع الأطفال، يليه نشاط من صميم الموضوع، في مجال الرسم مثلا أو الأشغال اليدوية”.

وتقوم المكتبة بالتعاون مع مساحات ثقافيّة ومسارح لتنفيذ أنشطة خاصة بالأطفال، وتذكر منها:” نشاط عن الفضاء ضمن أسبوع الفضاء العالميّ الممتد من 4 حتى 10 تشرين الأول- أكتوبر، قرأنا خلاله كتاب “عاليًا وبعيدًا” وبعد ذلك قام كل طفل بصناعة كوكب من المعجون..” 

وعن المخاوف من التأثير السلبيّ للذكاء الاصطناعي على إقبال الأطفال على قراءة الكتب، تذكر: ” أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يؤلف للأهل أي قصة تتعلق بموضوع أو مشكلة تربويّة معينة، والأسوأ في الموضوع أن بإمكانه أن يقرأه لهم، مع ما يترتب عليه من أثار سلبيّة، عدا عن التأثير السيّء لضوء الهاتف على أدمغة الأطفال، إمكانيّة نشوء تفاعل بينه وبين الطفل، في ظلّ غياب الأهل فبإمكانه أن يغيّر الحكاية وأن تنفلت الأمور عن سيطرتهم، لذا من الأفضل أن يحافظ الأهل على الكتاب، وأن يشتروا لأولادهم كتبًا أو يستعيروا لهم من المكتبات العامة”

وتشرح الحلبيّ كيف أنّ حب القراءة والاهتمام بها ينشأ مذّ كونه جنينًا وبعد الشهر الثالث لتكونه في رحم أمّه، فيصبح قادرًا على سماع ومعرفة ذبذبات صوت الأم، لذا فالكثير من الأمهات يستمعن الموسيقى ويقرأن القصص لأجنتهنّ، وخلال عمر السنة من ولادته يمرّ الطفل بأسرع مرحلة تطور دماغيّ وهي فرصة للأمهات والآباء لتنميّة دماغ أطفالهم بالكتب والقراءة واختيار الأنشطة التي تناسب نموهم، والمحافظة على عادة القراءة، لأن الطفل حتى السابعة من عمره لا يُعد قارئًا مستقلًا، مع ضرورة أن يبقى الطفل محاطًا بالكتب.” 

   وتؤكد: ” لا غنى عن الكتب الورقيّة، ومهما تغيّرت الأزمنة تبقى الكتب أفضل اختيار، لأسبابٍ منها؛ ما تحويه كتب الأطفال من إضافات حسيّة تفاعليّة.”

 وتلفت الحلبي أن الأمر وصل في المملكة البريطانية، بحيث قام مجموعة من الكتّاب والمؤلفين بتأسيس مجموعة اسمهاSociety of  Authros ”  ” حتى يحموا نتاجهم، وكدليل أن مؤلفاتهم إنسانيّة بحت، ولا أثر الذكاء الاصطناعي فيها، ويوجد رمز خاص بهذه الكتب.

 ومن جهة أخرى، تفيد: الذكاء الاصطناعي يستهلك بيئيًا الكثير من الطاقة، ومنها المياه الصالحة للاستعمال والنظيفة، مما يعني أنّه لسنوات قادمة، نكون قد استهلكنا كمية كبيرة من المياه غير المتجددة، ولهذا السبب أعلنت  الأمم المتحدة أنه خلال نصف سنة تمّ استهلاك ما مقداره سنة كاملة من المياه، لذا فلا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدمنا مطوّلًا!

تشير الحلبي إلى أن  دورهم كمكتبة تخطى بيع الكتب إلى: “دعم الكتّاب المستقلين الطموحين في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا (SWANA)  من خلال مساعدتهم على تحويل أفكارهم ومسوداتهم  ومخطوطاتهم إلى منشورات احترافيّة. إضافة إلى؛ دعم المبادرات المستقلّة، والأعمال اليدويّة والحرفيّة، والبرندات المحليّة.” 

وتتحدث عن: “مشروع يستهدف تنمية قدرات ومهارة الترويج للكُتّاب المستقلين، ضمن نظام تطبيقي،   The book making studio، وهو مشروع تدريب يساعد الكتّاب على نشر وتسويق كتبهم، ما زال المشروع في بدايته، ونحن نعمل على جعله مثبتًا في برامجنا، وقابلا للشراء، بهدف تمكين الأشخاص من طباعة كتبهم ضمن معايير عالية للنشر، في العالم العربي ومنطقة شمال أفريقيا.”

دار أصالة؛ المخاوف تصنع أهميّة دور النشر !

في الحديث عن مخاوف دور النشر من دخول الذكاء الاصطناعيّ مجال النشر والتأليف، يفيد الكاتب والصحفيّ “أحمد طيْ”، من “دار أصالة”، وهي دار نشر متخصّصة في كتب الأطفال والناشئة واليافعين:

” نحن نتعامل مع الذكاء الاصطناعيّ باعتباره فرصة كبيرة، إنّما أيضًا باعتباره واحدًا من أخطر التحدّيات التي تواجه صناعة الكتاب منذ زمن طويل.

السبب: «ماذا يحدث عندما يصبح بإمكان أيّ شخص إنتاج ألف قصّة للأطفال في أسبوع؟ ومن يقرّر أيّها يستحق أن يصل إلى الطفل؟

وهنا تحديدًا أرى أن دَوْر دار النشر سيصبّح أهمّ، لا أقلّ أهمّية. وذلك انطلاقًا من المخاوف التي ستواجه دار النشر، وأبرزها: فيضان الكتب الرديئة، إذ أصبح بالإمكان إنتاج نصّ، وعنوان، وغلاف، ورسوم، وترجمة، ووصف تسويقيّ في وقت قصير جدًّا. وهذا يهدّد بإغراق السوق بكتب تبدو مكتملة من الخارج، لكنّها ضعيفة أدبيًا.

وقد بدأت تظهر بالفعل مخاوف من «فيضان» الكتب المولّدة بالذكاء الاصطناعيّ، خصوصًا في كتب الأطفال، مع مشكلات مثل الحبكات غير المتماسكة، اللغة المتكرّرة، عدم تطابق النصّ مع الصورة، والصور النمطيّة الثقافية.

وهذا أخطر في أدب الطفل من أدب الكبار، لأن الطفل لا يمتلك دائمًا الأدوات النقدية التي تمكنه من اكتشاف الرداءة أو المعلومة الخاطئة.

ومن المخاوف أيضًا: فقدان هويّة دار النشر. إذا أصبحت الدار تستقي أيّ فكرة وتطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة قصّة للأطفال، ثمّ تنشر الناتج مع بعض التعديلات، فماذا بقي من شخصيّة الدار؟ لا بل أنّه بعد سنوات، ستصبح دور النشر متشابهة جدًا.”

ويستمر طيْ في طرح الأسئلة، ودمجها بالأجوبة، ممّا يعني أنّنا أمام تجربة لم تتضّح معالمها كفاية، وتتطلب مواجهة حتميّة وليست مألوفة:

يضيف: ” انهيار قيمة «المؤلّف»، فإذا كان شخصٌ ما يستطيع أن يطلب من الذكاء الاصطناعيّ إنتاج خمسين قصّة، فلماذا تدفع دار النشر لكاتب محترف كي يكتب قصّة واحدة خلال شهر؟

هذا سؤال اقتصاديّ حقيقّي. لكنّ دار النشر لن تتعامل معه بمنطق السعر فقط. لأن الكاتب الجيد لا يبيع عدد الكلمات، بل يبيع: خبرته، خياله، صوته، رؤيته للطفل، وقدرته على بناء عالم قصصيّ أصيل.

ومن أهمّ المخاوف أيضًا، مشكلة الحقوق والملكيّة الفكريّة، ويمكن القول أنّ هذا الأمر ليس من المخاوف بقدر ما هو من أكبر المخاطر.

فالمسألة القانونية ما زالت تتطوّر، والجهات المختصّة في حقوق المؤلف تتابع تحديد حدود حماية الأعمال التي يدخل الذكاء الاصطناعيّ في إنتاجها.

لذلك، على دور النشر الطلب من المؤلف الإفصاح عن طريقة استخدامه للذكاء الاصطناعيّ، ليس بالضرورة من أجل معاقبته، إنما من أجل حماية الدار والكاتب معًا.

وهذا شبيه بما تفعله بعض سياسات النشر الحالية؛ فمثلًا « Amazon KDP» يميّز بين المحتوى «المولّد بالذكاء الاصطناعيّ» والمحتوى «المساعَد بالذكاء الاصطناعيّ»، ويطلب الإفصاح عن الأوّل”.

لكن السؤال الأهم يبقى: كيف نمنع العشوائيّة في إنتاج أدب الطفل؟

كدار نشر، لن نسمح للذكاء الاصطناعيّ أن يكون نقطة البداية الوحيدة للمشروع. بل كما أطرقنا، هو عنصر مساعِد في مراحل معيّنة، لا بديلًا من الكاتب أو الرسام أو الناشر. وهذا هو الدور الأساس لدار نشر الأطفال: حارس الجودة، لا مجرّد مصنّع للكتب. “

ويفيد طيْ أنّ بإمكان الكاتب الاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ، بأسلوب مغاير:

كأن نطلب منه أن يقيّم فيما إذا كانت القصة ملائمة لمرحلة عمريّة معيّنة، وتحديد المواضع التي تثير الملل بالنسبة للطفل، أو سؤاله فيما إذا كان الحوار طبيعيًّا بالنسبة لعمره، والتعامل معه كقارئ تجريبيّ، ومحرّر مساعد فيما يظل الكاتب هو المؤلّف.

ويدعو طيْ، إلى الحفاظ على غرابة الكاتب، وذكرياته، وبيئته، وتفاصيله المحليّة، وروحه الخاصة.

وهذا مهم جدًا في أدب الطفل العربي؛ فالطفل يستطيع أن يقرأ قصّةً عالميّة، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يرى في الكتاب بيته، ولهجته، وشوارعه، وألعابه، وطعامه، وأسرته، وبيئته.”

ختامًا، “علينا الاقتناع بقاعدة أساسيّة تقول: إذا حذفنا الكاتب، أصبح لدينا محتوى. وإذا حذفنا الكتاب، أصبح لدينا معلومات وتجارب رقميّة. أمّا إذا حذفنا الطفل من المعادلة، فأصبح كلّ ما نفعله بلا معنى.

نحن، كجهات مهتمّة بأدب الأطفال، لا نخشى أن يقرأ الذكاء الاصطناعيّ ملايين الكتب؛ نحن نخشى أن يتوقّف الإنسان (الطفل) عن قراءة كتابٍ واحدٍ بعمق. ولا نخشى أن يكتب الذكاء الاصطناعيّ قصّة؛ نحن نخشى أن نستخدمه لإنتاج قصص كثيرة فلا يعود الطفل قادرًا على تمييز القصّة التي تستحقّ أن تُقرأ.”

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *