الرواية الحديثة وآفاقها في قراءة الذات الإنسانية

تستنطق الروايات الصمت الإنساني، وتلج إلى العمق لتقدّم صورة تولد من حقيقة التجربة، فيجد القارئ نفسه داخل عالم موازٍ للواقع. إنه العالم الذي قد ينحرف فيه هذا الأخير عن مساره ليلتقي بالمتخيّل. وبعض الرّوايات تربط المدن بشرط الكتابة، فتغدو فضاء للحلم والجمال والحرية المشتهاة، وأحيانًا فضاء للمحو والذاكرة الأبيّة على النسيان. هذا ما تصنعه الرواية بنا، وهذا ما ننتظره نحن القرّاء. بهذا المعنى، أستحضر كتاب نظرية التلقي لياوس الذي يفتح بابًا يدعو فيه إلى فهم المتلقي ودوره في مشاركة المعنى وبنائه، حيث يصبح القارئ أساسًا في إنتاج الدلالة لا مجرد مستقبل لها.

بهذا المعنى، لا يخفى ما للرواية العربية من أثر تتركه في حياة الإنسان بعد قراءتها، وذلك لما تقدّمه من أحداث تثيرها في نفس القارئ لجهة التّعبير عن الواقع الحالي، من بين هذه الروايات نذكر تلك التي تحاكي الأوضاع الراهنة وتسلط الضوء على أطباع الإنسان ونمط عيشه الجديد وعلاقاته وأمور أخرى تحدث معه في هذه المرحلة من العصر الحديث. روايات كثيرة نقرأها تترك أثرها فينا، ونبحث بيننا وبينها عن نقطة تلاقٍ أو نقطة اختلاف تحرّك الساكن في دواخلنا، فتتولّد المفارقة من حالة شعوريّة مزدوجة تحمل الحب والكره.

لطالما كنت أؤمن بأن النص الإبداعي مدرسة قائمة في ذاتها، وقد التقيت بأدباء ومثقفين مزجوا بين الإعلام الثقافي الأدبي والكتابة الأدبية، ومنهم الأديبة اللّبنانية نجوى بركات. من هذا المنطلق، تعدّ تجربة نجوى بركات أنموذجًا للأثر الّذي يمنحنا إياه النص الإبداعي بكل ما فيه من جمالية وعمق، حيث تؤدي الشخصيات الروائية أدوارًا تعبر فيها عن القيم الإنسانية من خلال تفاعلها في عوالمها. ونجوى بركات روائية تميزت بمنجزاتها الإبداعية المتعددة عبر السنوات، وألهمتنا إحساسًا بقوة الأثر المفتوح في أعمالها الروائية الرفيعة. فحين نتحدث عنها فإننا نقصد التجربة لا التجريب فقط، خصوصًا عندما يقترن فعل الكتابة بالبحث عن شكل مخاتل للصنعة الروائية التي لا تتقنها فحسب، بل تعمل على توسيعها وتطويرها وإغناء أفق النقد الروائي العربي، ونحن لا ننسى أن الكاتبة جمعت منجزات أدبية ممتدة على عقود من الزمن.

من رواياتها اللافتة، “مستر نون” وهي رواية تعمّق فهمنا لمساحات الفصام التاريخي الذي تعيشه الذات العربية. فما معنى أن تبحث هذه الهوية المتحللة عن صورتها، وهي تتبدل مرة بعد مرة؟ نادرًا ما ننتبه إلى ذلك خصوصًظا حين يجد الإنسان نفسه وجهًا لوجه أمام قوى يشعر أنها تدفعه إلى الأمام بقدر ما تشدّه إلى الخلف، وكأن فعل الكتابة محاولة للقبض على ما يفلت ومقاومة للمحو. ومن جهة أخرى تبحث الذات عن مجهولها الخاص في قلب حياة تتحول إلى جنون عاقل في آن، وكأن العقل هنا بحث مضنٍ عن حداثة معطوبة من الداخل، حداثة يفترض أن يكون جوهرها فكريًا في مقابل الحداثات المتعددة التي يشير إليها الخطاب الروائي. لذلك تبدو رواية “مستر نون” تصويرًا دقيقًا لمشاعر الخرس الإنساني أمام مرايانا المعطوبة، وكأن الزمن النفسي للشخصية قد فتتته أعطاب الذاكرة… ذاكرة مدينة يتمحور وجودها حول البحث عن شكل روائي، في مقابل سعي الشخصية إلى حريتها، وهي مرسومة على الورق مهزوزة وقوية في الوقت نفسه.

ولعل ما يعزّز فكرة هذا الفصام التاريخي هو الشكل الروائي الذي تختاره الكاتبة في هيئة قلق فني يستند إلى خبرة عميقة في الكتابة، منطلقة من استلهام مبدع لفلسفة الدوائر التي تحيل إليها “ألف ليلة وليلة”، فكأن الحكي هنا حيوات مؤجلة يبحث عنها “مستر نون” داخل الفضاءات، وهو مستعد أن يفقدها في سبيل المهمة التي نذر نفسه لها، رغبة في كتابة ذاكرتنا الممزقة بصور اليأس. وتتجلى غرابة المكان في الوصف المشهدي الذي يبنيه السارد، حيث يتغلغل في رصد مساحات الألم التي يعيشها “مستر نون”، العاشق للعزلة والتائق إلى الانعتاق من ثقل الآخرين الذين لا يشاركونه حلم الكتابة. إنها الكتابة عن هوامش المدينة التي يسعى إلى تشييد تفاصيلها السرية والعلنية داخل العمل الأدبي وخارجه، وهو ما يمنح تجربة الكتابة هنا سلطة التجريب، سواء عبر الشكل الفني الذي اختارته نجوى بركات أو عبر الموضوع الجمالي المرتبط بفصامنا التاريخي داخل دوائر معطلة عن الحلم، لتغدو الكتابة ارتحالًا نحو معنى يقود هشاشتنا الجميلة.

وفي رواية “غيبة مي” وهي الرواية الأحدث لنجوى بركات، نجد “مي” المرأة الّتي مزّقت ستائر المسرح في ذاكرتها لتجد نفسها في عزلة غريبة يخجل فيها حاضرها من ماضيها. لعلّ الكاتبة هنا صوّرت الانقطاع الذي يعيشه الإنسان أحيانًا حين يفقد أدنى رابط يمكن أن يصله بالمجتمع الذي يعيش فيه. تفقد مي صلاتها الثقافية والاجتماعية والإبداعية لتتحوّل إلى امرأة تتصارع مع شخصية صنعت أمجادها في الماضي وفق حركة تصاعدية، فتبدو وحيدة في حركة تنازلية اليوم. ولمَ لا نعتبر الشّخصيّة المحوريّة رمزًا للذاكرة والهوية؟ ماذا ينفع الإنسان مهما حقّق في حياته إذا فقد ذاكرته في نهاية الأمر؟ تغيب الذاكرة شيئًا فشيئًا فتتحوّل إلى إنتقائيّة لا إراديّة، وتزداد هذه الصّفة كلّما تقدّم العمر بالإنسان. إنّها ذاكرة فرديّة مصغّرة وصورة عن الذّاكرة الجماعيّة الّتي تشظّت بفعل الانقطاع عن الحضارة وتاريخها. قد تكون الصّدمات هي التي جعلت من المرأة تدور داخل هذه الفجوة التي تفتح أمامها أبواب استحضار ماضيها، لتتداخل هنا الفصول فتصنع الكاتبة أحداثًا حدثت فعلًا لكنها زالت. وقد جاء  تداخل السرد بين الزمنين الماضي والحاضر في الرواية، ليثري النصّ الإبداعي، حيث تجد مي نفسها جالسة لتتذكر شبابها وكأنّها تعيش بوعي وإدراك.

يبقى من الحق أن نقول، إنّ الرواية الحديثة فضاء للتجارب التي تعبّر عن تحوّلات الإنسان وسط كل المتغيّرات، وفيها صورة عن هشاشة الإنسان وقوته وتفاعله مع ذاته ومع الآخر. كل ذلك يحدث ضمن نص إبداعي لا يتقنه غالبًإ إلا أدباء عاشوا تجارب عميقة لتتكشّف لهم الحياة فيرسمونها دامجين المتخيل بالواقع ليشعر القارئ أنه أمام حقيقة مكتوبة بوعي، وليس أمام مجرد حكاية.