لازال يعاني تبعات التركة الثقيلة للاحتلال الأمريكي
“سنهرب ونقتلكم” جملة صادمة صدرت من بعض سجناء داعش ضد حراس عراقيين أثناء نقل المعتقلين من سوريا إلى العراق، وهي عبارة تحمل في طياتها رعبا إضافيا للعراقيين جراء هذا الأمر، الذي يأتي في وقت يمر العراق بظروف داخلية صعبة متشابكة مع تحديات سياسية واقتصادية وأمنية يعاني منها البلد على مدار سنوات طويلة. كما تتوازى هذه التحديات مع تحديات أخرى على الصعيد الإقليمي بسبب ما تشهده دول المنطقة وخاصة دول الجوار من أزمات مستحكمة وانفلاتات أمنية تتجدد من وقت لآخر وسط حالة من التصعيد الخطير تهدد بتوابع كارثية على الجميع ومنهم العراق الذي لم يكن بحاجة إلى أزمات إضافية خارجية تزيد من أعبائه وتعمق أزماته.
والخوف عميق من عودة نشاط تنظيم داعش في العراق خاصة في ظل وجود عمليات عنف منسوبة له وقعت مؤخرا، كان منها قيام رجل يرتدي حزاماً ناسفاً بتفجير نفسه أثناء محاولة قوة أمنية اعتقاله في غرب العراق قرب الحدود السورية، ما أدى إلى مقتله وإصابة عنصرين من قوات الأمن، وكذلك عملية “والي الأنبار” التي أعلن عنها جهاز الأمن الوطني العراقي، والتي تم فيها تفكيك خلية إرهابية تابعة للتنظيم في محافظة الأنبار، أسفرت عن إلقاء القبض على ما يسمى بـ“والي الأنبار”، والذي كان يرتدي حزامًا ناسفًا لحظة اعتقاله، وقام بتفجير نفسه ورفاق في مؤشر على خطورة الأهداف التي كانت الخلية تخطط لتنفيذها.
ولاشك أن ظهور مثل هذه الحوادث من جديد، بالتوازي مع عودة آلاف من معتقلي داعش ممن تسلمهم العراق من سوريا، تثير مخاوف لدى دول المنطقة كلها، بل يمتد هاجس الخوف إلى أوروبا أيضا وهو ما أكدته تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التي حذر فيها من خطورة أي تدهور أمني في العراق أو في المخيمات والسجون المنقول إليها معتقلو داعش من شمال سوريا. ليست المخاوف من داعش فقط، وإنما هناك تحذيرات من تأثير الأحداث الجارية في الدول الأخرى المجاورة للعراق ومنها إيران، وهو ما دفع بارو لتحذير العراقيين من مشاركة أي فصائل مسلحة عراقية في الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية حتى لا تشتعل المنطقة وتحدث تداعيات خطيرة.
في المقابل أعربت القوى السياسية المنضوية تحت ائتلاف إدارة الدولة في العراق، عن رفض التهديدات التي تطال الجمهورية الإسلامية الإيرانية بطريقة تتقاطع مع كل الأعراف والمواثيق الدولية، ورحبوا باللجوء إلى طريق المفاوضات، في موقف يشي بأن إعلان الحرب على إيران يثير استفزاز العراقيين أو مجموعة منهم غير قليلة على أقل تقدير.
تزامن ذلك مع معلومات عن إقبال آلاف العراقيين على السفر لإيران للتطوع للدفاع عنها في مواجهة التهديدات الأمريكية لها. ورغم نفي العراق لهذا الأمر إلا أن تقارير صحفية غربية ذكرت بعض تفاصيل مفادها أن عدد المتطوعين قارب الخمسة آلاف وأنهم تجمعوا في ديالي وفق تصريحات منسوبة لعمار التميمي، أحد قادة منظمة بدر المدعومة من إيران.
لاشك أن مثل هذه المواقف قد تتسبب في توريط العراق في أزمات خارجية إضافية، وصدامات مع أطراف دولية في وقت تشهد البلاد حالة من الانسداد السياسي بعد الفشل المتكرر في حل أزمة رئيس الحكومة ومواجهة الرفض الأمريكي للمالكي بعد اختياره، وتهديدات ترامب حول هذا الأمر، بينما يعاني البرلمان من عجز عن استكمال استحقاقاته الدستورية؛ الأمر الذي يجعل المشهد السياسي العراقي في ظل هذه المعطيات ضبابيا، والوضع غير مستقر بشكل يصبح معه الانخراط في مواقف خارجية دعما وتأييدا لطرف إقليمي في مواجهة طرف دولي، أمرا ينطوي على مخاطر جسيمة، لا يحتملها العراق بظروفه الحالية في الوقت الراهن.
تركة الاحتلال الأمريكي المثقلة بالتحديات
لا يمكن فصل ما يحدث بالعراق عن الإرث التاريخي للأحداث التي مر بها وتركت آثارا عميقة وخطيرة على كافة مناحي الحياة داخله، على رأسها التركة المثقلة بالأعباء والتحديات التي خلفها الاحتلال الأمريكي عام 2003؛ والتي ارتكبت خلالها الإدارة الأمريكية بالعراق أخطاءً جسيمة باعتراف بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي هناك، أحدثت خللا بشكل أدى الى تأثيرات سلبية عميقة هدمت معها ركائز بناء دولة عصرية كان لها تاريخ حضاري عظيم. خلال تلك الفترة الممتدة حتى عام 2011 عمد الاحتلال الأمريكي إلى اتباع سياسة تكريس الصراعات المذهبية، وافتعال الأزمات للتغطية على المشكلات الداخلية المرتبطة بالفساد المستشري بشكل خطير جراء هذه الظروف السياسية. كما أدى حل المؤسستين العسكرية والأمنية، دون إنشاء مؤسسات بديلة قوية، أدى الى خلق إشكاليات خطيرة نتج عنها خلل أمني خطير وتهديد للأمن المجتمعي في ظل تكريس المذهبية وإعلائها على حساب قيمة المواطنة، وإثارة الفتن بين مختلف مكونات الشعب العراقي. وفي ظل هذه البيئة كان من الطبيعي أن يتراجع الاقتصاد العراقي وتتحول معه الدولة العراقية من عملاق اقتصادي إلى دولة تعاني فشلا كبيرا في النظام الاقتصادي بسبب العقوبات الاقتصادية والحروب التي دمرتها، ثم سوء الإدارة الذي أدى إلى اختلالات اقتصادية خطيرة.
واستمر تأثير توابع مرحلة الاحتلال الأمريكي حتى اللحظة الراهنة مع استمرار وامتداد تأثير التركة الثقيلة التي تركها للعراقيين وهي مفخخة بالتحديات والأزمات المتشابكة والمعقدة. وأصبح العراق يعاني حساسية شديدة لأية توترات إقليمية بالمنطقة مما يثير المخاوف من أن أي انخراط عراقي خارجي قد يورطه في نتائج ربما تكون لها توابع جسيمة على الاستقرار والأمن في الداخل العراقي.
أزمات مركبة
في ظل هذه المعطيات على الساحتين الداخلية والخارجية، يمر العراق بمرحلة مفصلية تشهد حالة من التجاذبات السياسية الحادة، ومعها ضغوط خارجية متزايدة، ما يعرض العراق لأزمات مركبة.
أولها: أزمات تتعلق بالوضع السياسي الداخلي وحالة الانسداد السياسي التي أفرزتها الانتخابات العراقية الأخيرة. بعد مرور شهور على هذه الانتخابات، دخلت البلاد في حالة فراغ سياسي نتيجة لتأخر الاستحقاقات الدستورية؛ بداية من أزمة تشكيل الحكومة والصراع على رئاستها، كما أدت عودة ظهور المالكي على الساحة السياسية العراقية وطرح اسمه كرئيس للوزراء، إلى إثارة جدل كبير سيما في ظل رفض ترامب له وتهديداته بقطع المساعدات عن العراق في حال توليه الوزارة. واستحكمت الأزمة بتكرار فشل البرلمان العراقي لانتخاب رئيس جديد للبلاد بسبب وجود خلافات حول المرشحين.
ثانيا: أزمات تتعلق بالحالة الأمنية للعراق والتي كانت قد وصفت مؤخرا بتطورها من دولة عالية المخاطر إلى الدولة المستقرة، لكن التطورات الأخيرة بالمنطقة تثير المخاوف من حدوث تراجع أمني نتيجة لعدة عوامل؛ منها نفوذ الجماعات المسلحة مع استمرار ظاهرة السلاح المنفلت، وكذلك انتقال عناصر من داعش تتجاوز الألفي عنصر، تسلمهم العراق من سوريا مما يمثل ضغطا أمنيا على الجهات الأمنية في عملية إحكام السيطرة سواء على مراكز الاحتجاز أو على المناطق الحدودية.
ثالثا: هناك أزمة أخرى تتعلق بهشاشة الاقتصاد العراقي وحساسيته للأحداث الإقليمية والعالمية، الذي صنفته وكالة “S&P Global” عند “B-” وسط تحذيرات من خطورة انعكاسات التوترات الإقليمية على تذبذب أسعار النفط الذي يعتمد عليه العراق بشكل أساسي.
تتابع الدومينو داخل مثلث القلق
تزداد خطورة تأثير تلك الأزمات الداخلية في ظل وجود تأثيرات خارجية مرتبطة بالموقع الجغرافي للعراق الذي يجعله داخل مثلث قلق جيوسياسي أضلاعه هي الحدود مع إيران، ومع سوريا وأيضا لبنان وهي مناطق ملتهبة وساخنة. وساهم هذا التقارب الجغرافي إلى سرعة انتقال التأثيرات السلبية للأحداث المشتعلة في تلك المناطق إلى جارهم العراق على طريقة تتابع حركة قطع الدومينو.
وبالنظر إلى مثلث القلق الذي يحيط بالعراق نجد أنه يتسبب في توريط العراق في الجبهات الساخنة من حوله، فمثلا بالنسبة لإيران وما تشهده من توترات داخلية وصراعات مع دول الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فإن أي عقوبات تتعرض لها إيران تنعكس سلبا على العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، ويسبب له حرجا قانونيا وماليا يضغط عليه داخليا. كما يمكن أن تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات لو تعثرت المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وكذلك لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه طهران وتدخلاتها في الشأن الداخلي العراقي وانعكساته على القرار السياسي والذي بدا جليا في أزمة اختيار رئيس الوزراء في بغداد.
وعلى جانب آخر من جوانب مثلث القلق توجد سوريا بأزماتها الأمنية والتي تثير المخاوف من حدوث تسلل لجماعات انفصالية مثل بقايا قسد، أو جماعات إرهابية خاصة خلايا داعش التي انتقل بعض عناصرها للعراق من مخيمات الشمال السوري في خطوة تلقي عبئا إضافيا على الأجهزة الأمنية العراقية. كما تؤدي الظروف السياسية أحيانا إلى استخدام العراق كقواعد أو ممر للفصائل المرتبطة بسوريا مما يهدد بإمكانية تعرضه لضربات انتقامية إسرائيلية أو أمريكية.
أما ضلع المثلث الثالث فهو خاص بالجبهة اللبنانية والتي تشكل ضغطا كبيرا على العراق سواء من الناحية الاقتصادية جراء موجات نزوح اللبنانيين نحو العراق عند حدوث أي تصعيد عسكري في لبنان، أو من الناحية الأمنية حيث يتطلب هذا الأمر جهودا أمنية فائقة للحيلولة دون تسلل عناصر إجرامية وسط النازحين. ومن جهة أخرى فإن أي مواجهة على أرض لبنان تستفز الفصائل المسلحة بالعراق للتدخل وهو أمر له توابع خطيرة على أمن العراق ومحيطه الإقليمي.
ساحة للعب الكبار
ما يزيد استحكام الأزمات المركبة في العراق أنه بوزنه السياسي، وأهميته الاستراتيجية، وموقعه الحيوي داخل مثلث القلق بالشرق الأوسط، يشكل ساحة يلعب فيها الكبار الذين يتنافسون على النفوذ بالمنطقة.
يأتي في المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية التي تمارس سياسة تجاه العراق قائمة على ثلاثة عناصر؛ هي الضغط الاقتصادي لفرض قيود مشددة على تحويلات الدولار للعراق للحيلولة دون وصولها لإيران، العمل على سحب قواتها القتالية تدريجيا والاتجاه لإبرام اتفاقيات أمنية ثنائية تكفل لأمريكا مراقبة النفوذ الإيراني، ومطاردة فلول داعش، وأخيرا رفض عودة أي من الوجوه السياسية المعروفة بقربها من إيران واستخدام التهديدات الاقتصادية كوسيلة لتحقيق ذلك كما فعلت في أزمة اختيار المالكي لرئاسة الحكومة.
أما الاتحاد الأوروبي فينظر للعراق كمصدر للنزوح والهجرة المزعجة للأوروبيين ومن ثم يعمل انطلاقا من أن استقراره ضرورة لغلق هذا الباب، ويدعم سيادة العراق والتركيز على مشروعات الإصلاح المالي والإداري التي تكفل هذا الاستقرار المنشود.
وفي المقابل يتعامل الدب الروسي مع العراق على أنه بوابة نفطية مهمة من خلال استثمارته الكبرى في حقول النفط العراقي، ومن ثم تحرص روسيا على استمرار هذه الاستثمارات بصرف النظر عن تغير الحكومات. كما تسعى روسيا دائما لتقديم نفسها كبديل تكنولوجي وعسكري للغرب ولها تنسيق كبير في الملف الاستخباراتي مع العراق.
أما التنين الصيني فلا يهتم بالتدخل السياسي المباشر وينأى بنفسه عن الصراعات السياسية، لأنه يستهدف شراكة العراق اقتصاديا واستراتيجيا كحلقة وصل في مبادرة الحزام والطريق، ويعمل بهدوء على التوسع الاقتصادي داخل العراق.
استراتيجية توازن القوى
وهذا ينقلنا لتساؤل حول كيفية تعاطي العراق مع هذه المعطيات بأزماتها وتحدياتها للحفاظ على أولوياته في الاستقرار السياسي والأمني.
ويأتي ضمان الجوانب الأمنية في مقدمة الإجراءات المطلوبة للتعاطي مع الواقع العراقي الحالي بكل معطياته؛ حيث يجب اتباع الوسائل المتطورة في مراقبة الحدود بالطائرات المسيرة والكاميرات الحرارية لفرض السيطرة الأمنية خاصة مع الجانب السوري لمنع تسلل عناصر إجرامية أو إرهابية. ولا ينفصل ذلك عن أهمية التنسيق والتعاون الأمني والاستخباراتي مع الجانب السوري لتفادي حدوث أي فراغ أمني في أي مكان على الحدود المشتركة يمكن أن يتسلل منه عناصر داعش أو قسد، أو أية عناصر إجرامية. كما تأتي أهمية وضع برنامج للتعامل مع قاطني مخيم الهول الذين يتم نقلهم من سوريا للعراق، ومنع تحولهم إلى خلايا نائمة تهدد المجتمع العراقي.
هناك جانب آخر يتعلق بالبعد عن الصراعات الإقليمية والدولية حتى لا يتورط العراق في أي مسلك يعرضه للعقوبات، وفي نفس الوقت عليه أن يسعى لتفعيل بنود الاتفاقيات مع الدول المجاورة والقوى الدولية للحيلولة دون استغلال أراضيه كمركز للهجمات.
كما يستلزم الأمر تطوير وتقوية المؤسسات الأمنية والعسكرية وكذلك المدنية التي تكفل تعزيز سيادته ودعم جبهته الداخلية بالقدر الذي يقطع الطريق على أية محاولات خارجية للتدخل في شؤونه.
يأتي ذلك بالتوازي مع العمل على لعب دور دبلوماسي أكثر فاعلية بشكل يضمن عدم عزلة العراق، ومشاركته إيجابيا في الوساطة الإقليمية والدولية لتقريب وجهات النظر ونزع فتيل النزاعات لضمان استقرار الأوضاع في إطار استراتيجية توازن القوى.
