تأملات في مفهوم متداول ومستهلك و يهدر صراع الارادات
اصبحت الاحداث الجاريه تشد الجميع الى متابعتها،لاسيما وانها في حالة زخم طوال الوقت، وذلك منذ ان أطل على العالم ما جرى في السابع من اكتوبر،وأحداثه الصارخه ومفاجاّته المذهله. منذ هذا التاريخ تحديدا وخصوصا ،ونحن نعاني من حالة احتباس الانفاس ترقبا لما يمكن ان يجري تباعا،وترتيبا على ما فاجأتنا به تلك الأحداث، من حيث تطورها على هذه الصوره، التي شاهدنا بعض وقائعها ،حتى وان كنا نتوقع قبل ذلك وعلى الدوام نوعا من الأنفجارات يمكن ان تقع،بفعل العنجهيه الاسرائيليه وتجاوزاتها الخارقه،سواء في اتساع حركة الاستيطان،او في حملات الأغتيالات والاعتقالات المستمره، ناهيك عن الاستفزازات المتواليه عبر التصريحات المتتاليه من عناصر اليمين المتطرف الصهيونية،ورموزها بن غفيروساموتريش، اللذين لم يقصرا في عمليات الدفع والشحن والعدوان، ولكن يبقى ان نقول انصافا لما رأينا،واقرارا بالواقع ان ماحدث في السابع من اكتوبر،سواء في حجم جرأة الرجال،أوفي درجة الأسترخاء في الكيان الصهيوني كان يفوق في حد ذاته،احلام اليقظة ،أو جنوح الخيال.وان كانت جرأة الرجال قد ،كشفت حقيقة الكيان الصهيوني، وسلطت الضوء على القضية الفلسطينية بأبعادها التاريخيه والانسانيه، وطبيعة الصراع ،وصححت مسار القضية بكونها صراعا عربيا – اسرائيليا ،وليس صراعا فلسطينيا- صهيونيا فحسب. وان وضعنا كل ذلك بجوار ما توالى على الامة العربيه من الكوارث والنكبات خصوصا في لبنان وسوريا ،مما يعد رصده بكل دقائقه جدير بأن يستوعب الكثير من الطاقات ،بل انه في شواهده على مستوى الساحة العربيه بكاملها، في لبنان حيث تمت استباحته تماما بالقصف المتوالي ،بعد ان تم الفتك بالكثير من قيادات حزب الله ،واستبيحت ارضه بعمليات الغزو الصهيوني الذي لم ينته حتى الآن ،ثم سوريا وما تعانيه من هجوم متواصل ،وقصف قواعدها العسكريه ،واحتلال اجزاء من ارضها فضلا عن تحريض بعض قطاعات شعبها بشكل طائفي تحاول اسرائيل تغذيته على الدوام .ثم اليمن وقصف منشاّتها، ثم عدم الاستقرار في السودان وحربه الداخليه ضد فصيل يجري تغذيته من الخارج .والصراع الداخلي الذي يلجأ فيه احد اطرافه الى حمل السلاح في مواجهة الجيش الرسمي للدوله ،وهو الكفيل بحماية الدولة ذاتها والشرعيه معها ،وهو جيش الشعب، وليس فصيل يحمل اجنده خاصة بطموحاته للأنقضاض على السلطه،في حين انه يفتقد المبايعه والتفويض ومن ثم الشرعيه.ولذلك من واجب المؤسسات العربيه اولا وفي مقدمتها الجامعه العربيه ان تأخذ قرارها في مساندة الشرعيه في السودان ،وليس الطلب من الرئيس (ترامب) ان يتدخل لأنها هذا الصراع .ولابد هنا من الأستدراك كيف تقوم الجامعة العربيه بذلك، واحدى دولها تقوم بمساندة هذا الفصيل المنشق لمصالح خاصة بها ،وميثاق الجامعه ينص على ان يكون القرار بالأجماع . هنا يتعين تغيير هذا النص ليكون بالأغلبية ،وليس شرطا ان يكون بالأجماع ،والسؤال ومن يتولي اقناع اصحاب الجلاله والفخامه (رؤساء الدول العربيه ) وهم الذين يشكلون مؤتمر القمة المنوط به اتخاذ مثل ذلك القرار. تلك بالتأكيد احدى اّفات النظام العربي،الذي عليه تم يصححها،بدلا ان تتعرض احدى دوله لتلك المأساه من جديد .
الفرص الضائعه المزعومه والمناحات التي تقوم حوله

ليست هناك حرب اندلعت الا وكانت لها اسبابها ومبرراتها الموضوعيه، وفي المقدمة منها (1) حرب عام 1948، من اجل تحرير ارض فلسطين، وان كان العرب قد هزموا ،وتوسعت اسرائيل،بأكثر ما كفل لها قرار التقسيم ،فالخطأ ليس في رفض القرار،ولكن الخطأ في ان العرب لم ينتبهوا الى الخطر الصهيوني الزاحف ،والذي جرى التمهيد له من قبل بريطانيا ودخول الفيلق الصهيوني بقيادة (جابوتنسكي)ضمن قوات (الجنرال اللينبي) الى فلسطين ،ثم الأشواط التي تم قطعها من تكوين (الوكالة اليهوديه) التي كانت بمثابة الحكومة الصهيونيه التي ترتب امور الدولة المبتغاه، التي كانت اشبه بالحكومة المؤقته التي ترتب للاعلان عن الكيان الصهيوني كدولة بديله عن (فلسطين)قد يكون العذر ان الدول العربيه ذاتها كان قد جري تقسيمها بعد هزيمة الدولة العثمانيه بمقتضي اتفاقية (سايكس بيكو)، والعرب ساعدوا دول الأحتلال على ضرب الأمبراطوريه العثمانيه ،اي ان العرب قاتلوا من خلال الثورة العربيه بقيادة الشريف حسين لكي يستبدلوا استعمارا باسم الاسلام ،باستعمار جديد تهيمن عليه بريطانيا وفرنسا وايطاليا تحت وعد تحرير الارض العربيه واستقلالها ،والغريب ان الثورة العربيه كانت تخطط مع بريطانيا من خلال ضابط المخابرات البريطانيه( لورنس).الأدهي والأمر أن البريطانيين قد جندوا الألأف من المصريين لكي يقاتلوا الأتراك في منطقة الشام تحت القياده البريطانيه ،التي كانت تعمل على توطين الصهاينه في فلسطين ،و في نفس الوقت الذي كانت فيه مصر بثورتها ( ثورة 19) ضد بريطانيا من اجل الحصول على استقلالها . اختلاط بين وواضح في معرفة من هو العدو ،ومن هو الصديق ،في فترة حددت مسارات المستقبل ،وخطوات الطريق لما اّل اليه حالنا !. وقد كان لكل ذلك اعتباراته،في ما اّلت اليه الأمور عدم الاستعداد للمواجهة مع الصهاينه، وعدم الدراية ايضا بتلك المواجهه للسلطان عبدالحميد في استانبول للمخطط الصهيوني لشراء فلسطين من الدولة العثمانيه والرفض القاطع من السلطان،وقوله (ان فلسطين ليست ملك يدي،ولكنها ملك شعبى)،وربما كان ذلك أحد اسباب عزله من موقعه. كانت الدسائس الصهيونيه عقابا له على ذلك الرفض.في النهايه كان رفض قرار التقسيم في ذاته صائبا،رغم تفاوت القوة ،ولم يكن (فرصة ضائعه) لأن المقاومه حتى مع الهزيمه حق يطرح مباشرة ضد اي تهديد. فضلا عن معنى الشرف في التصدي.يضاف الى ذلك ان المخطط الصهيوني الاستعماري له اّفاق اوسع ، وفي كل مرحله يحصل على قضمه،ما ان ينتهي من هضمها حتى يسارع بالتوجه نحو اخرى.انه استعمار استيطاني يحلم بالتوسع وبناء دولة (صهيون). نرى في مؤتمر باندونج عام 1955 وهو مؤتمر كان يجمع دولا افريقيه اّسيويه،وكان من المخطط دعوة ( اسرائيل) واعترض عبدالناصر، وقال ان حضورها يعنى عدم حضور مصر،وحين اصر على ذلك لم يجدوا مفرا من العرض على اسرائيل الألتزام بقرار التقسيم عام 1947 وتعويض اللاجئين الفلسطينيين أو عودتهم لديارهم، وحين رفضت جاء المبرر في الغاء دعوتها. (2) يقولون ايضا ان من الفرص الضائعه التي يتباكي عليها البعض كانت عام 1965 حين اعلن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، في مبادرة شهيرة، إلى التفاوض مع إسرائيل كأسلوب لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، مشيراً إلى ضرورة قبول إسرائيل لمبدأ تقسيم فلسطين والاعتراف بدولة فلسطينية. هذه الدعوة لقيت معارضة عربية واسعة واعتبرت خروجًا عن الإجماع العربي كان هذا الطرح ذاته،اعلانا عن الاستعداد العربي لبيع القضية الفلسطينيه، مقابل سلام مؤقت للعرب،وهو ما تطرحه اسرائيل اليوم بعد ان طرح العرب عدة مبادرات فحواها استرداد الارض المحتله في عام 1967 مقابل السلام ،وكان الرد الأسرائيلي ( لا )لهذا العرض العربي ،وقدمت اسرائيل عرضا اّخر وهو (السلام مقابل السلام ) وبالخبره العربيه مع هذا الكيان الصهيوني،والذي يجاهر علنا بمخططاته (من النيل الى الفرات ارضك الموعوده يا اسرائيل) يتضح ان اسرائيل تسير وفق منهج،مدروس ومخطط ،وان الصراع اساسا هو صراع ارادات، والفشل في تحقيق اي تقدم لحل القضية الفلسطينيه، هو ان الاراده الاسرائيليه المدعمه كما يعرف الجميع من المعسكر الغربي ،وكان اوله البريطاني واّخره الأمريكي،لأن اسرائيل وفقا لذلك لا تتنازل ،وارادتها المدعومة تتواصل ،وعدم المقاومه،أو استخدام اوراق الضغط العربيه بكلمة موحده واجراءات موحده ،يجعل كفة الصراع لا تميل الى جانب الاراده العربيه ،وذلك لب المشكله.
تبسيط المصطلحات يؤدى بالضرورة الى خلل في المعاني
واذا كان هناك من يتصور ان الحلول الدبلوماسيه والمفاوضات المكثفه، يمكن ان توفر على الأمة حمامات الدم ،وتنشر السلام وتحقق الوئام، وربما يكون ذلك صحيحا ولكن بشروط وتحت اعتبارات لا يمكن تجاوزها،وفي المقدمة منها استخدام اوراق الضغط العربيه،وهي متعددة من اجل نجاح المفاوضات
فالدوبلوماسية ايضا حرب،ولكن تلعب فيها المصالح دور السلاح، ولا يمكن الدفع لتحقيق مكاسب ،دون التلويح بالعواقب الاقتصاديه ،وقد جربها العرب في حرب 1973، ووسائلها متعددة . كان عبدالناصر يؤمن ان حل قضية فلسطين لا يمكن ان يكون حلا عسكريا وحاسما في ظل الحماية الامريكيه المتواصله لأسرائيل، وان اسرائيل صنيعة غربيه ،وهي الحارس للمصالح الغربيه في المنطقه، والجيوش العربيه بكل اسلحتها المتطوره هي لردع اسرائيل عن التوسع وليست لتصفية اسرائيل، وحسم المعركه يأتي من خلال مزيد من التطور والبناء على كل صعيد،ومواصلة حصاراسرائيل ،بالتوسع في بناء القوة العربيه والعلاقات الدوليه،وما يترتب على ذلك من تأثير،اي باختصار تصفية اسرائيل حضاريا، وليس عملا عسكريا.لقد حاول الصهاينه قبل استخدام القوة، شراء الأراضي الفلسطينية، مثل عرض هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر الذي قدم فيه 150 مليون جنيه إسترليني للعثمانيين مقابل السماح للصهاينة بالأستيطان ،ولكنهم رفضوا، ثم.بدأوا بعد ان يسرت لهم بريطانيا الدخول ،بمقتضي تعهدها بذلك في (وعد بلفور) 1917 في عمليات شراء الأراضي بشكل مكثف في وقت لاحق، في ظل الانتداب البريطاني بعد 1920، حيث استولى اليهود على الأراضي من خلال صفقات مختلفة، أكبرها صفقة مع عائلة (سرسق) ولم تكن بأي حال عائلة فلسطينيه. وتكشف تلك التفاصيل.على ان الصراع حول فلسطين يضرب بجذوره تاريخيا منذ القرن 19،ولم يتيسر لهذا الصراع ان يجد مثل هذه التبسيطات التي تتحدث عن(الفرص الضائعه) )لأحلال السلام وزوال الخلافات ،فالتناقض رئيسي وليس تناقضا ثانويا ،وصراع الارادات لا تجدى فيه مفاهيم الفرص الضائعه.
المفاجأه.. ان التخطيط
لم يكن فقط انشاء الكيان الصهيوني

كشف الكاتب الراحل ( محمد حسنين هيكل) في برنامجه ( تجربة حياة) انه التقي في باريس ذات يوم بوزير الخارجيه الفرنسي ثم رئيس الوزراء الأسبق ( كوف دي مورفيل)،وفي حديث مطول معه قال له انتم عرفتم الخطه الاولى في تأسيس دولة اسرائيل ،ولكنكم غفلتم عن الخطة الثانيه المصاحبه لميلاد اسرائيل ،وكانت تلك الخطة هي (عزل مصر عن العالم العربي) بحيث يمكن لاسرائيل ان تحقق طموحاتها، دون اي قوة على حدودها يمكن ان تهددها.يذكر في هذا الخصوص ان الولايات المتحده،في اعقاب عدوان 1967 على كل من مصروالاردن وسوريا،و هنا لابد لنا ان نلاحظ ،أنه رغم مرور حوالي 58 عاما عن تلك الاحداث ،فانه لم يتم الكشف عن اوراقها حتى الآن ،مما ينبئ انه كان بالفعل كان مخططا مدروسا ،وتم بعد انجازه ، ان قام مسؤول امريكي بمفاتحة محمود رياض وزير الخارجية المصري في ذلك الوقت انه يمكن عودة الأراضي المصريه المحتله الى مصر، فمصر حدودها معروفه ،ثم الدخول في مفاوضات منفصله مع كل من الاردن وسوريا لتسوية كل أثار احداث عام 1967، وقد رد محمود رياض واذا لم تنجح المفاوضات مع سوريا او الاردن، فما هو العمل فرد هذا المسؤول ،تلك مسؤولياتهم ،ولا شأن لكم في ذلك ،ورد محمود رياض ان هناك اتفاقيات دفاع مشترك تقتضي المسانده في اي حرب على دولة عربيه.رد المسؤول قئلا ( لا لاشان لكم في ذلك بعد استرداد سيناء ،اي أرضكم .لكن عبدالناصر رفض العرض بأكمله وقال الضفه قبل سيناء والجولان قبل سيناء والقدس قبل سيناء،فالقضية ليست سيناء .(القضيه هي ان نكون او لانكون) . واتذكر انه في الثمانينات من القرن الماضي ،وفي ندوة اعدها مركز الدراسات العربيه في لندن ان وقف عمدة حلحول في الضفة الغربيه وقال ( من يريد ان يعرف ماذا فعلت بنا اتفاقيات ( كامب ديفيد) يأتي ويلقي نظره على حركة الاستيطان الاسرائيايه في الاراضي الفلسطينيه .. من 67 الى 1979 لم يكن هناك استيطان يذكر،ولكن بعد كامب ديفيد وخروج مصر من المعركه انهمر الاستيطان كالسرطان في الاحشاء الفلسطينيه ) اي ان ما يقوله ( كوف دي مورفيل ) عن الخطه المرادفه لأنشاء (اسرائيل) كانت عزل مصر عن العالم العربي. وهو ما تحقق بالمعاهدة . لكن اي معاهده لا تستطيع ان تحدد مصائر الأمم الحيه ،ولذلك لابد لمصر وللعالم العربي ان يصحح المعادلات ،وقد عادت مصر ،وعاد الصراع مع اسرائيل الى لكي يصحح مفهومه، وهو الصراع العربي – الاسرائيلي. واسلحته في صراع الارادات لابد ان يرتكن الى مفهوم الجغرافيا والتاريخ ،فهما العنصران الحاكمان في صناعة التاريخ .ليست هناك فرص ضائعه ،ولكن هناك ارادات حاكمه تستند الى استخدام القوة ،والقوة ليست فقط قوة السلاح ،ولكنها استخدام معايير القوة الطبيعيه ( المواقع والثروات ) في عالم يلهث وراء المصالح .
