الكتابة شهادة على الحياة وشهادة على المكان

الروائي والسياسي الفلسطيني عاطف أبو سيف

يعد الروائي والقاص والسياسي الفلسطيني عاطف أبو سيف واحدًا من أبرز الاصوات الأدبية الفلسطينية المعاصرة. يجمع في عمله بين الإبداع الروائي والتحليل السياسي العميق. ولد في مخيم جباليا بقطاع غزة عام 1973 لعائلة فلسطينية من يافا. درس اللغة الإنجليزية في جامعة بيرزيت، وحصل على الماجستير والدكتوراه من معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا- إيطاليا. 

نشر مجموعة واسعة من الروايات والقصص التي تعكس تجارب الحياة تحت الاحتلال والتغيرات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، من بينها رواية “حياة معلقة” التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية 2015 ورواية “ظلال الذاكرة”، “حكاية ليلة سامر”، “كرة الثلج”، “حصرم الجنة”، “الحاجة كريستينا”، “قارب من يافا”، “الجنة المقفلة”. لم يقتصر عمله على الأدب، بل تولى منصب وزير الثقافة الفلسطينية خلال الفترة (2019-2024) ٠

وكان للحصاد هذا الحوار الحصري معه.

الحصاد: الروائي والقاص د. عاطف أبو سيف وزير الثقافة الفلسطيني السابق. لقد كنت في غزة خلال التسعين يوما من مجازر العدوان الإسرائيلي على غزة والإبادة الجماعية، وصدرت يومياتك “وقت مستقطع للنجاة”. كيف غيرت هذه التجربة مفهومك للكتابة

عاطف أبو سيف: أصعب أنواع الكتابة هي الشهادة على الموت، حين تكتب وانت لا تعرف إذا ما كنت ستتمكن من مواصلة ما تكتبه أم أنك قد تموت فجأة فيما أنت منشغل بالكتابة، ثم فجأة وخلال الكتابة تلوم نفسك إذ أنك منشغل بالكتابة فيما عليك أن تبحث عن طعام لابنك (حيث كان ابني ياسر عرفات معي في الحرب)، ثم تسأل نفسك هل الكتابة ترف زائد، وبينك وبين نفسك تقول بالعامية “انت في شو والناس في شو!!”. وعليه فأصعب شيء في وقت الحرب هو الإيمان بالكتابة نفسها، بفعل الكتابة، بأثرها، بالحاجة لها. هل الكتابة حاجة وقت الحرب؟ أظن انني من تجربتي الشخصية أستطيع أن أقول نعم إنها حاجة وضرورة. ليس بالمعنى الوطني فقط، ولا بالمعنى الجمالي ولا الإنساني، ولكن بالمعنى الشخصي وهذا الأهم حيث تجد أن فعل الكتابة ليس ترفاً ولا فعلاً زائداً ولا طاقة فائضة عن الحاجة، بل شيء ضروري من اجل الوجود. في الشهر الأخير في رفح كنت أسير مسافة ثلاثة كيلومترات حتى أصل مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني شرق رفح في منطقة حيث كان يتوفر هناك الكهرباء بفعل الطاقة الشمسية فأتمكن من شحن جهاز كمبيوتري المحمول والكتابة. كنت أكتب لقرابة أربع ساعات نصيين واحد بالإنجليزية والآخر بالعربية. حين أعود لخيمتي غرب رفح ضمن تفاصيل أوردتها في “وقت مستقطع للنجاة” أجلس وحدي في الخيمة وأسأل نفسي هل أنا حي يرزق أم انني ميت؟ ثم ماذا لو كان كل من حوالي أموات مثلي؟ لا يوجد دليل على أننا أحياء. فأفتح جهازي المحمول وأقرأ ما كتبته قبل ساعات، أقرأ بصوت مرتفع، واستمع لصوتي يقرأ على شيئاً من تفاصيل حياتي خلال اليوم الماضي، وأقول لنفسي هذا الصوت يتحدث عني، عن أشياء حدثت معي خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، هذا يعني أنني كنت حياً حين كتب هذه الأشياء عني، إذا أنا مازلت حياً. أنا أكتب إذاً أنا حي. هكذا صارت المعادلة. وعليه صرت كل يوم استمتع أكثر وأنا أكتب لأنا هذا يعني أنني سأدرك أنني حي يرزق بعد أن انتهي من الكتابة حين أقرأ لنفسي ما كتبت. 

كانت تجربة مؤلمة إذ كان إرسال المادة يومياً لناشري العربي وناشري الإنجليزي يقتضي الكثير من المخاطرة لالتقاط اشارة الانترنت من منطقة شرق رفح قرب الدبابات الإسرائيلية أو محاولة التقاط اشارة الانترنت المصرية قرب السلك الشائك مع مصر، حيث لأول مرة كانت الكتابة مخاطرة. الآن أسأل نفسي: هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ أظن أنني الآن أكثر من أي وقت مضى أقول نعم، لأن مهمة الكاتب أن يكتب، كما هي مهمة الطبيب أن يداوي الجرحى في الحرب. هذا ما أستطيع فعله ككاتب أن أكتب عن الناس أن أروي عنهم أن اجعل قصصهم حية حتى إن ماتوا، وكثيرون ممن كتبت عنهم وذكرتهم في يومياتي مثل والدي وحماتي وخالتي فاطمة وخالي عصام، استشهدوا بعد ذلك. كنت من اليوم الأول أكتب يوماً بيوم لذا فما كتبته يوميات بالمعنى المهني والتقني. في ذلك الوقت كانت الكتابة جزء من معركة الصمود، مثلاً بعد الأسبوع الأول حين فرغت غزة والشمال من الصحفيين تقريباً كان ما يكتبه الكتّاب على صفحاتهم من يوميات او ملاحظات تشكل مصدراً اساسياً للأخبار في ظل التعتيم الإعلامي، ثم بعد ذلك بالطبع ظهر مجموعة شجاعة من الصحفيين الذي حملوا على عاتقهم استمرار التغطية. 

الآن باتت الكتابة عن الحرب منتشرة وشائعة لأن الظروف تغيرت وبات هناك كهرباء وانترنت (وهي خدمات كانت شبه معدومة) وصارت الكتابة “شهادات” أو “تسجيل” وليست يوميات بالمعنى الدقيق لكنها أيضاً مهمة، حتى لو جاءت متأخرة لأنها توثق لسردية يجب ألا تختفي تحت وهم وقف إطلاق النار أو السلام المنتظر.

الحصاد: قلت: “أهوال يوم القيامة في مخيم جباليا، حيث كنت أرى القذائف تمر من نافذة منزلي، وأنتظر أن أموت بهدوء”. هل تعتقد أن الصورة كانت أقوى من الكلمة وأن اللغة كانت عاجزة؟

عاطف أبو سيف: أظن أن اللغة لم تكن عاجزة يوماً، ولكن قوة التجربة تفوق مقدرتنا على التفكير في اللغة أو التفكير بصرياً. هنا لا يمكن للفن أن يكون محاكاة للواقع بالمفهوم الأرسطي، بل إن الفن والواقع يتداخلان. لا شيء أقوى من التجربة بكل الأحول، لذا فإن التعبير عن التجربة هو جزء من التجربة، وبذلك تصبح اللغة ليس ذخائر القواميس، بل خلاصة “التعبير”. من هنا فإن الكتابة الصادقة أقوى من الصورة. ولكن ربما حين أفكر بذلك الآن وأستعيد ما عشته خاصة في الشهر الأول للحرب في مخيم جباليا أقول لنفسي لابد أن الأمر كان كابوساً أو صورة خيالية صنعتها التجربة القاسية. أعتقد أن المقارنات بين الواقع والفن أو بين الحقيقة والصورة الأدبية تسقط لحظة الكتابة لأن ما يكتبه الكاتب هو وحده الباقي من الحقيقة، والأمر تماماً ينسحب على الفنون كافة. الفن الجيد هو فن قادر على أن يجاور، لا أن ينافس، الواقع الذي يعبر عنه.

الحصاد: وبعد عودتك إلى مقر الوزارة في رام الله. تمكنت من إصدار الجزء الأول من روايات فلسطينيين في قطاع غزة عاشوا الحرب الحالية لتوثيق تجربتهم تحت عنوان (كتابة خلف الخطوط) عن يوميات الحرب في غزة. كيف كانت التجربة مختلفة وصعبة؟

عاطف أبو سيف: كانت تجربة كتابة خلف الخطوط الذي أشرفت عليه وحررته أنا والزميل الشاعر عبد السلام العطاري مختلفة حيث كنت أقوم بزيارة الكتاب والفنانين النازحين في خيامهم وأطلب منهم المساهمة معنا في إنجاز الكتاب. كان هذا في الجزء الأول، وكنت من خيمتي في رفح اتواصل مع الزميل عبد السلام العطاري ونقوم بتحرير النصوص في حال توفر الانترنت وقد ننقطع أياماً عن بعضنا البعض لكننا كنا نقوم بما اعتقدنا أنه أساسي في توثيق اللحظة وفي الحفاظ على السردية. كانت فعلاً كتابة من خلف الخطوط. نجحنا في طباعة الجزء الأول من الكتاب خلال وجودي في غزة ثم بعد عودتي أنجزنا الجزء الثاني والثالث حيث شارك معنا 75 كاتباً وفناناً في شهادات ويوميات من خلف خطوط الإبادة. فكرة السردية الوطنية والحفاظ عليها جزء مهم من عمل الوزارة حيث استحدثنا إدارة عامة للذاكرة والسردية منذ توليت مهمتي في العام 2019 وتم إدخال برنامج “الحفاظ على الرواية الوطنية” ضمن البرامج الأساسية للحكومة. فواحدة من أهم الحروب التي تشنها الصهيونية على شعبنا تاريخياً هي الحرب على الرواية والسردية الفلسطينية الهادفة لمحو أي أثر للفلسطينيين في التاريخ وطمس أي دليل على سرديهم في الأدبيات والكتابة والأكاديميات. جزء من ذلك كان إعادة طباعة ما أنتجه الفلسطينيون من علوم وآداب وفنون حياة قبل النكبة تمثل هذا في طباعة مائة كتاب صدرت قبل النكبة وطبعت داخل فلسطين، وإطلاق مؤسسة تعنى بالمعلومات والسردية الفلسطينية على مواقع الانترنت باسم “ويكي فلسطين” وهي مؤسسة مستقلة مع ذلك، وطباعة الموسوعات حول الثقافة الفلسطينية قبل النكبة منها موسوعات عامة ومنها كتب متخصص مثل المسرح الفلسطيني قبل النكبة ووثائق السينما الفلسطينية قبل النكبة وغير ذلك. ما أقوله إن كتاب “كتابة خلف الخطوط: بأجزائه الثلاثة أتي ضمن فهم أشمل تبنته الوزارة حول تعزيز السردية والرواية الفلسطينية وتظهيرها. 

الحصاد: كيف تحوّلت تجربتك الشخصية تحت القصف إلى مشروع توثيقي جماعي يجمع شهادات كتّاب وفنانين، ويسعى إلى حفظ ذاكرة الفلسطينيين في غزة من التلاشي؟

عاطف أبو سيف: مهمة الكتابة هي تخليد التجربة، وفي حالة الحرب حيث استهداف المكان فإن جزء من هذا التخليد يكون بالحفاظ على المكان في الذاكرة عبر الكتابة. لقد مسحت الحرب الكثير من معالم قطاع غزة، لكن هذه المعالم ظلت موجودة ومحفوظة بفعل ما كتبه الروائيون وترنم به الشعراء وسجله الكتّاب. الكتابة شهادة على الحياة وشهادة على المكان. الكثير من معالم غزة فقدت بفعل الحرب الحالية لكنها ظلت موجودة في قصائد معين بسيسو ومحمد حسيب القاضي وقصص زكي العيلة و غريب عسقلاني وما أكتبه أنا وآخرون. في مرات أحسد شخوص رواياتي أنهم مجرد شخوص في رواية فلو قفزوا خارج اوراق الرواية سيصابون بدوار شديد لأنهم لن يجدوا المكان الذي عاشوا فيهم، فيما أنا لا أستطيع أن أتخيل كيف سيكون شعوري حين أعود فلا أجد البيت الذي ولدت فيه وتعلمت الحرف فيه، ولا الشارع الذي تعلمت المشي فيه. كيف سيكون شكل غزة بدون معالمها الأساسية. 

الحصاد: روايتك “حياة معلقة” وصلت للعالمية. كيف ترى مستقبل الرواية الفلسطينية اليوم؟

عاطف أبو سيف: أعتقد أن جل ما يكتبه الروائيون بطريقة أو بأخرى هي إعادة صياغة لحياتهم ولتجاربهم حتى تلك التي لم يعيشوها لأنها تكون جزءاً من خبرتهم في التخيل، أو هي نتاج ما خبروه وسمعوه أو تمنوه. بالطبع هناك تقاطع كبير بين شخوص حياة معلقة وبعض التفاصيل الخاصة في حياتي. عادة ما تثار حقيقة أنني خريج جامعة بيرزيت كذلك سليم ابن نعيم في الرواية وحقيقة أننا لاجئون من مدينة يافا وأن الأحداث تدور في مخيم جباليا حيث ولدت وحيث أعيش. في الحقيقة فإن “المصادقة” في الكتابة مهمة. وأنا حين استعير أشياء أعرفها سواء أماكن أو وقائع أو تجارب فهذا يعني أنني أجتهد لأجعل الرواية جزءاً من الواقع المعاش، وانا غايتي في الكتابة حقيقة هي أن أسجل حياة الناس حولي وأن أجل المهم وفرحهم وتطلعاتهم وذكرياتهم جزءاً من الوعي العام. لأن الكتابة الآن تصبح فعل تذكر في المستقبل. أنا أكتب لأنني أريد أن الأخرين أن يتذكروا في المستقبل. 

 الحصاد: بصفتك أكاديمياً وباحثاً في العلوم السياسية، كيف تخدم المعرفة الأكاديمية النص الروائي؟

عاطف أبو سيف: أظنني استفدت كثيراً من دراسة العلوم الإنسانية في تطوير معارفي التي انعكست في كتاباتي، و أفادتني في إثراء رواياتي، وفي تبصر وفهم وتحليل الكثير من الظواهر في مجال تطور ونشوء المجتمعات وفي صراع القوة وفي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية كما في فهم التكوينات البشرية، بالطبع إلى جانب التعمق في التجربة الإنسانية في شموليتها. والرواية في نهاية المطاف صراع قوة وصراع إرادات وأفراد واضطرابات داخلية هي انعكاس لاضطرابات خارجية، ويمكن تلمس ذلك في رواية”حياة معلقة” مثلاً حيث الصراع الوطني والصراع الاجتماعي وربما الطبقي. النص الروائي الجيد هو نص مفتوح على كافة الفنون والعلوم ويستفيد من الحياة في تجلياتها كافة.

الحصاد: صدرت روايتك “القبر رقم 49” عن الدار الأهلية في عمان، وتدور أحداث الرواية في غزة خلال حرب الإبادة التي يشنها العدو على الفلسطينيين. الرواية بمثابة مشروع روائي يحفر في التاريخ الحديث للشعب الفلسطيني منذ نهايات القرن التاسع عشر، مع توقف قلق ومرتبك أمام أحداث النكبة، وصولا إلى التحولات والتغيرات في بنية المجتمع والأفراد في العقود الأخيرة خاصة في المنطقة الساحلية التي تشكل يافا وغزة حدود جغرافية شخوصها. كيف وازنتِ بين السرد التاريخي والبعد الإنساني الراهن؟

عاطف أبو سيف: هذه هي الحياة نحن نوازن بين ماضينا وذكرياتنا أو ذكريات أهلنا وبين ما نعيش. الحياة الفلسطينية تجربة قاسية في هذا الأمر فالفلسطيني يعيش واقعين: الماضي الأليم الذي سبق النكبة حيث كانت ثمة حياة أخرى تم اقتلاعه منها وواقعه المرير الحالي في المخيمات وفي اللجوء. 

لذلك في تلك الرواية القبر رقم 49 وفيما كنت أريد أن أكتب عن الآن وجدتني مثل ذاكرتي وذاكرة كل ما تهجروا معي من الشمال للجنوب أبحر في الماضي لأن الماضي لم يذهب. في المحصلة الكتابة حفر دقيق في الحياة وكشف لطبقات الماضي التي علقت في جلد الحاضر. 

 الحصاد: أمضيت سنوات في قيادة وزارة الثقافة الفلسطينية. ما هو أكبر تحدٍ يواجه المثقف الفلسطيني اليوم في ظل محاولات محو الهوية الوطنية؟

عاطف أبو سيف: أكثر ما أخشاه هو انغلاق الرواية الفلسطينية على التجربة الشخصية والجنوح نحو الفردانية في السرد على حساب الحياة بشموليتها والتجربة بكلّيتها حيث سيغيب المكان وتغيب الذاكرة الجمعية ويغيب الحلم. هذا لم يحدث، لكن يجب الالتفات له خاصة مع ضياع المكان وما يتعرض له من تحولات و تحويرات وتغيرات. 

التحديات التي تواجه الكاتب الفلسطيني في جزء كبير منها تحديات تواجه المصير الجمعي للشعب الفلسطيني خاصة في تفاصيل الحياة لكن المؤكد أن حرب الرواية التي تشنها إسرائيل والصهيونية على شعبنا تحد من قوة انتشار الأدب الفلسطيني وترجمتها للغات الأجنبية وهذه معضلة حقيقية. نحن بحاجة لاختراق جدران الحرمان والتهميش التي تضعها الصهيونية واللوبي المساند لها لمنع تعميم الأدب الفلسطيني. 

الحصاد: ما هو الشيء الذي فقدته في غزة وتشعر أن لا كتابة في العالم يمكن أن تعوضه؟

عاطف أبو سيف: تفاصيل المكان. المباني، المقاهي كما كانت. بيت العائلة. يمكن إعادة بناء كل شيء، لكن لا يمكن إعادة بناء الذاكرة. الجدران التي تهدمت فيها رائحتنا وفي ذاكرتها صورنا. حين كنت أنظر لجدران بيت اهلي في المخيم كنت أرى نفسي عبر السنين أكبر يوماً بعد آخر مثلما اشاهد بكرة سينما تدور أمامي. كذلك يمكن بناء مقهى الكروان لكن لا يمكن استعادة تلك الجدران وتلك المقاعد التي جلس عليها كتّاب غزة ومثقفوها خلال المائة عام المنصرمة، كما لا يمكن استعادة الطاولة التي كتبت عليها أول خمس روايات لي. أصعب شيء هو التفكير في الحاضر الذي نعيشه لأنه ماضينا ومستقبلنا في ذات الآن. 

الحصاد: ما هي الرسالة التي يحملها عاطف أبو سيف اليوم للكتّاب الشباب في غزة الذين يكتبون تحت الركام؟ 

عاطف أبو سيف: أظنهم يعرفون أكثر مني ما يجب أن يقوموا به. كان بلال جادالله رئيس بيت الصحافة يقول قبل أن يستشهد “لنستمر في التغطية”، والقول هنا “لنستمر في الكتابة”. 

الحصاد: هناك جيل جديد من الكتاب الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات. كيف ترى تطوّر الرواية الفلسطينية اليوم، وما هي السمات التي تميّز جيلك عن جيل غسان كنفاني وإميل حبيبي؟

عاطف أبو سيف: هذا سؤال يمكن للنقاد أن يجيبوا عليه فهم أقدر مني على ذلك، ولكن أظن ثمة حضور أقوى للمكان في روايات جيلي خاصة ظهور تفاصيل المدن الكبرى في الجزء المتاح لنا من أرض الوطن مثل غزة حتى كتابة الحياة وتفاصيلها في يافا مثلاً صارت أكثر رسوخاً بحكم توظيف الذاكرة والاستعانة بالصور والأفلام والمعلومات المنقولة عبر الصحافة والبحث. أظن أن موضوع الذاكرة والبلاد ظل حاضراً رغم دخول تفاصيل أشد وثوقاً حول الحاضر، ولكن أيضاً غسان كتب عن حاضره عن العمالة الفلسطينية في الخليج أو تفاصيل المخيم في لبنان في أم سعد أو في الشاطئ في غزة في “ما تبقى لكم”. أقول إن لكل جيل خصوصية لكن ثمة خصوصية عامة للأدب الفلسطيني تتمثل في موضوعه الذي ظل حاضراً بقوة ويجب كما أعتقد أن يظل حاضراً.