تسريب لمداولات لجنة الأخلاقيات يفضح التحكم والقتل الممعن للصحافة

ساهمت التسريبات الأخيرة لمداولات لجنة التأديب والأخلاقيات باللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر في قلب مقر المجلس الوطني للصحافة بالمغرب، والتي أبانت عن خرق سافر للأخلاقيات وعن الإمعان في التنكيل بالصحافي المغربي حميد المهداوي صاحب الموقع الإلكتروني “بديل” ومحامييه، في جعل موضوع الإعلام المغربي وعمل هذه الهيئة إلى قضية رأي عام لم تهدأ إلى الآن، تداولتها وسائل الإعلام المغربية والأجنبية، ودفعت بالنقابة الوطنية للصحافة المغربية وباقي الهيئات النقابية الأخرى وعلى رأسها نقابة المحامين بالمغرب، إلى التنديد بهذه الممارسات المشينة، التي كانت وماتزال موضوع جدال واسع في البرلمان، ونقاش مستمر في وسائل التواصل الاجتماعي بين الإعلاميين المغاربة والحقوقيين، أخرج بعض المسؤولين بشكل مثير في شهادات عبر “بودكاسات” للكشف عن الكثير من هذه الخروقات أو محاولة امتصاص غضب الجسم الإعلامي بالمغرب عن هذا المسار المعطوب والفاشل لتنظيم المهنة.
لم تقتصر تلك التسريبات على التنكيل بالصحافيين والمحامين، بل تجاوزتها إلى المس بهيبة القضاء ومصداقيته عبر ذكر أسماء وازنة في ذلك الشريط المسرب وعلى رأسها محمد عبد النبوي رئيس المجلس الأعلى للقضاء بالمغرب، في إشارة إلى أنه يمكن التأثير على القضاء في قضية الصحافي حميد المهداوي بمجرد تمرير رسالة قصيرة له، وهو ما تم التعبير عنه باللغة الفرنسية بـ ”
Un petit mot”. ولكن هذا لم يخرج هذه الهيئة القضائية لحد الساعة عن صمتها تجاه ما يقع والشبهات التي تمس عملها، الشيء الذي دفع، ما يناهز 300 صحافي وصحافية من المغرب إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الثقافة والاتصال وسط العاصمة بالرباط، وما يفوق مئة صحافي يعملون خارج المغرب، للمطالبة بسحب مشروع تعديل قانون المجلس الوطني للصحافة من البرلمان وحل هذا المجلس بالمرة، خاصة أنه ولد معطوبا، ولجانه الحالية المؤقتة تشتغل بالتمديد في سعي حثيث لتمرير تعديلات على قانون هذا المجلس، ليكون على مقاس جمعية واحدة، برأي الإعلاميين المغاربة، وهي “الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين” التي يترأسها إدريس شحتان مدير موقع “شوف تي في”، الذي تثار باستمرار حول ما ينشره من مواد وفيديوهات الكثير من الأسئلة حول أخلاقيات المهنة.
وبعيدا عن النقاش الدائر حول قانونية تسريب هذا الشريط من عدمه، والذي يظهر فيه بعض أعضاء لجنة الأخلاقيات وهم أغلبهم ناشرون يتلفظون بكلام نابي ويتنمرون على أحد المحامين وعلى الصحافي حميد المهداوي الذي يتحدثون عن سحب بطاقة الصحافة منه بذريعة أن مداخيله من “يوتيوب”، ومنعه حتى من الاستفادة من الدعم المخصص للمقاولات الإعلامية بالمغرب، متناسين أن الإعلام بالمغرب كله يستفيد من الدعم العمومي، فإن كل هذا لا يصمد أمام الخدمة والمصلحة العامة التي يقدمها هذا الشريط، ما منحه الشرعية في فضح محاولات هذه اللجنة القضاء على الصحافيين وعلى التنظيم الذاتي الذي يراد لهذه المهنة، لأنه يكشف وبالملموس عن الوضع الإعلامي المغربي الهش والضعيف على مستوى الهيكلة والمؤسسات والنقابات التي أُضعفت بشكل كبير، حيث أضحى الصحافي المغربي وحيدا أمام هذا التغول والتحكم المباشر والمفضوح من الحكومة في الإعلام المغربي بشكل عام، والقتل الممعن للصحافة المستقلة والمزعجة، ولكل الأقلام الحرة التي تحمل هم الوطن وتأمل في أن تتحقق فيه الديمقراطية والحرية والعيش الكريم للمواطن المغربي.

وعن هذا الوضع المربك والمتردي والهش للإعلام المغربي يقول الإعلامي محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير “حاتم” لمجلة “الحصاد”، إن الإعلام المغربي يحتاج إلى الكثير من المقومات ليكون في مستوى نضج المجتمع المغربي، وأن ترديه يعود إلى اختيارات مؤسسات الدولة والمسؤولين المغاربة الذين يخلطون بين الإعلام والدعاية ويجعلون الإعلام يعاني من النقص والخصاص في الحرية والتعددية المهنية وتقديم الخدمة العمومية والاستقلالية في هذا الإعلام بالشكل المطلوب”.
ويضيف العوني أن الجسم الصحافي بالمغرب يتحمل جزءا مهما من المسؤولية في المتشرذم والتشتت الذي يعرفه، ولكن المسؤولية الكبرى، برأيه، تقع على الدولة التي اختارت أن تشجع إعلام “التطبيل والتشهير”، واحتكرت الإعلام العمومي في تناقض مع القانون، لأن هناك مصادقة على قانون تحرير الإعلام في القطاع السمعي البصري والعمومي عموما، ولكن واقعيا لا وجود لذلك، وهذا يشكل عائقا كبيرا، إضافة إلى “انفضاح في الفترة الأخيرة لهذا التحكم بيد من حديد للإعلام ومحاولة فقمع كل الأصوات الناقدة والمستقلة، حتى وإن كانت عبر وسائط التواصل الرقمي”.
ومن جهته اعتبر محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ووزير الاتصال السابق، في أحد تصريحاته حول الوضع الإعلامي المغربي أن “واقع المشهد الإعلامي الحالي يتطلب من الجميع الوعي بمسؤولياتهم، بمن فيهم السياسيون والأحزاب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، لمواجهة التوجه الحالي وفرض توجه مغاير قادر على المساهمة في مسار ديمقراطي حقيقي”.
وأشار بنعبد الله إلى أن المشهد السياسي الحالي بالمغرب يعاني من مشاكل كثيرة تنضاف إليها المشاكل المرتبطة بالمشهد الإعلامي، حيث تصبح “الديمقراطية في مرمى خطر”، مؤكدا أن الوضع الذي تعيشه الصحافة اليوم لم يسبق له مثيل حتى في أحلك الظروف التي عاشها الإعلام بالمغرب، وشدد على أن “الصحافة بلغت القاع في تراجع احترام الأخلاقيات، وتدخل الدولة في شؤون الإعلام بهدف التأثير على الرأي الإعلامي والرأي العام الوطني، إضافة إلى بلوغ مستوى غير مسبوق من سيطرة قوة المال، ما أدى إلى انتشار الكثير من الممارسات الفاسدة”.

إن النقاش الدائر اليوم حول الوضع الإعلامي، والتصريحات التي أدلى بها عن طواعية كل من عبد الله البقالي رئيس لجنة تسليم البطاقة بالمجلس الوطني للصحافة، والرئيس السابق للنقابة الوطنية للصحافة، والتي أكد فيها الاستهداف الممعن للصحافي موضوع التسريب وعن مقاطعته لعمل تلك اللجنة المؤقتة بعدما رأى فيها ما يعارض القانون ومواقفه، خاصة أنه منحه بطاقة الصحافة، ولكنه يفاجأ فيما بعد بسحبها منه، ورد يونس مجاهد رئيس المجلس الوطني للصحافة المنتهية صلاحياته، على ما جاء في كلام البقالي، وتكذيبه لنية الاستهداف وغيرها، كلها أمور كشفت وبالملموس أن الوضع لم يعد يحتمل الانتظار، وأنه من الواجب فتح تحقيق في كل هذه الخروقات، وحل ذلك المجلس بالمرة، والعودة إلى نقطة الصفر، هذا إذا ما رغب المغرب النهوض بالإعلام في البلد ليساير التطورات والاستحقاقات والتظاهرات الكبرى التي يقبل عليها، لأنه لم يعد مقبولا اليوم غياب قناة فضائية إخبارية أو شاملة تنقل نبض المجتمع المغربي وتحولاته وتدافع عنه في محطاته الصعبة، ولم يعد مسموحا تمريغ العمل الصحافي المغربي بالوحل والتقليل من أهميته والتضييق عليه والزج بالصحافيين في السجن لإسكات أصواتهم المنتقدة.
إن هذا دفع الصحافيين المغاربة إلى التكتل في إطار يحمل شعار “من أجل تكتل ديمقراطي لاستقلالية الإعلام وحرية الصحافة”، للدفاع عن مهنتهم وعن الشروط اللازمة لممارسة هذه المهنة الشريفة، التي هي أصلا تدخل في صميم الخدمة العمومية، ومحاربة الفساد والوصاية والتبعية ومناهضة ضغط لوبي الأموال الذي يرغب في تحويلها إلى بوق دعائي، وتخليق المهنة بالشكل المهني المطلوب بعيدا عن كل الحسابات السياسية الانتخابوية أو الحسابات الشخصية الضيقة. وهذا لن يتم إلا عبر تقوية المقاولة الصحافية وابتكار نموذج اقتصادي يضمن استدامتها، ولا يجعلها رهينة للدعم العمومي، مع وإصلاح سوق الإعلانات.
وهنا يقول محمد العوني إن المغاربة يتطلعون إلى تغيير الوضع الإعلامي نظرا للطابع الاستراتيجي للإعلام والتواصل في عالم اليوم، فالمغرب “مقبل اليوم على تفعيل الحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية، بالإضافة إلى قضايا أخرى، وهذا يفرض أن يكون لنا إعلام قوي يلبي الحاجيات المتعددة للمجتمع المغربي ويتفاعل مع التحديات الخارجية المطروحة على المغرب في الدفاع عن المغرب وعن وحدته الترابية. المغرب يستعد لاستقبال كأس العالم، وهو يؤهل مجموعة من بنياته في المواصلات والنقل والتجهيزات والملاعب وغيره، ولكنه نسي أن يؤهل قدراته الإعلامية، وهذا سيشكل ولا شك عطبا كبيرا إزاء تحديات الاستحقاقات التي سبق الإشارة إليها”.
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الوطني للصحافة بالمغرب قد انتخب عام 2018 كهيئة مهنية مستقلة بهدف التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر، وحددت اختصاصاته في منح بطاقة الصحافة، التي كانت تمنحها سابقا وزارة الاتصال، والقيام بدور الوساطة في حل النزاعات القائمة بين المهنيين، وتتبع احترام حرية الصحافة ومراقبة احترام أخلاقيات المهنة، وللنظر في مشاريه القوانين والمراسيم المتعلقة بالمهنة، إعداد الدراسات المرتبطة بالقطاع.
ومنذ عام 2022 يعيش هذا المجلس وضعا استثنائيا بعد انتهاء فترة انتداب أعضائه دون إجراء انتخابات جديدة، ما جعل الحكومة تصدر قانونا لتمديد عمر المجلس لـستة أشهر، وتصدر في أبريل/نيسان من عام 2023 قانونا آخر ينص على نقل صلاحيات المجلس إلى لجنة مؤقتة لتدبير شؤون الصحافة والنشر لمدة سنتين. ثم المصادقة على مشروع قانون يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة من طرف الحكومة، وإحالته على البرلمان وعرضه للمناقشة على مجلس النواب الذي صادق عليه، وبعدها على مجلس المستشارين، في أفق المصادقة عليه. وهو القانون الذي ما زالت هذه الهيئة تنظر فيه، حيث لم تشرك جميع الهيئات المهنية والنقابية في مجال الصحافة في إنجازه، بل الأنكى من هذا هو أن الملاحظات التي قدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الهيئتان اللتان تمت استشارتهما في الأمر من طرف مجلس النواب، لم تؤخذ بعين الاعتبار، وهو ما دفع المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى دعم مطلب العديد من الهيئات النقابية والمهنية العاملة في قطاع الصحافة والنشر، المتمثل في السحب الفوري لمشروع القانون رقم )26.25 ( المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وإعادة فتح نقاش وطنيٍ موسع حوله، لضمان استقلال حقيقي للمجلس كإطار يعمل على حماية حرية الصحافة والنشر وصيانة كرامة الصحافيين والصحافيات، وقادر على ضبط المساطر المهنية بكفاءة، ويتحول إلى نموذج للحكامة الصحفية والمساءلة المهنية في المغرب، يعزز ثقة المجتمع في الصحافة ويضمن حقوق الصحافيين ويحمي استقلالية القرار.
