Home / دراسات / مستقبلات / اليابان: حقائق ماضي الحاضر ومدخلات القوة والضعف في حاضر المستقبل

اليابان: حقائق ماضي الحاضر ومدخلات القوة والضعف في حاضر المستقبل

تفيد التجربة اليابانية في الارتقاء أنها تثير الاعجاب الموضوعي حقا. فاليابان، التي تعني لغة بمصدر او مشرق الشمس، استطاعت وخلال فترة قصيرة نسبيا التحول من دولة كانت تعاني من المخرجات المتعددة للهزيمة العسكرية والاحتلال بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة دخلت القرن الحادي والعشرين وهي ، كما يؤكد المستقبلي الأمريكي بول كنيدي، أكثر ثقة واطمئنانا. لذا، وفي ضوء الفرادة التاريخية للتجربة اليابانية، نتساءل: ما الذي أدى إلى هذه الفرادة التاريخية؟  ونرى أن الاجابة على هذا السؤال الاساس تتطلب تناول، ولو باختصار، امرين مهمين: أولهما: كيف كانت معطيات ماضي زمان الحاضر الياباني؟ وثانيهما:  ما هي أبرز مدخلات القوة والضعف في الجسد القومي الياباني في زمان حاضر المستقبل. وفي ضوء حصيلة هذه المدخلات ,سنتناول في مقالنا للشهر القادم المشاهد البديلة لمستقبل اليابان في عام 2050.

    اليابان خلال زمان ماضي الحاضر :  مخرجات سنوات الاحتلال الامريكي.1

    لقد انطوت سنوات هذا الاحتلال (1945-1952) على مخرجات معنوية واقتصادية وعسكرية مثلا على قدر عال من السلبية: فمعنويا مثلا عاشت اليابان إهانة الاستسلام دون قيد أو شرط. فالحاكم الأمريكي، الجنرال دوغلاس ماك آرثر،  تصرف حيال الشعب الياباني تصرفا انتقاميا. اذ عمد مثلا إلى المغالاة في إذلالاهم عبر رمزهم القومي آنذاك، أي الامبراطور، مما جعل، ” كل ياباني يرى نفسه تقريبا غارقا في بحيرة من العار.” كما يؤكد الباحث العربي من تونس، الصافي سعيد.

    وتبعا لأثار مجمل معطيات الواقع الذي عاشته اليابان خلال سنوات الاحتلال ساد رأي مفاده أن اليابان لن تنهض مرة أخرى. بيد أن الذي حصل لاحقا استوى والمعجزة حقا. وبهذا الصدد يقول الصافي سعيد أيضا: أن الشعب الياباني” … لم ينتظر حتى يمر الزمان لكي ينسى جراحه، وإنما مضى إلى العمل وهو يعتقد أن الجراح لا يهزمها إلا العمل.” ومما سأعد على ذلك أن الاحتلال الأمريكي لليابان اجج عصبية قومية قديمة عبرت عن ذاتها مثلا في البدء بمراجعة شاملة لكيفية النهوض مجددا اعتمادا على الذات ضمن سياسة الالتزام بعلاقة تبعية للولايات المتحدة الأمريكية.  ويقول الأستاذ العربي من ليبيا، إبراهيم أبو خزام، أن هذه السياسة، التي اعتمدها، يوشيدا، أول رئيس للحكومة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية كانت ” تخفي هدفا قوامه توظيف الولايات المتحدة سبيلا لترتيب الظروف الملائمة لتحقيق التفوق الاقتصادي اللاحق عليها.”

    وتفيد معطيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصا بعد اعتماد الدستور الراهن عام 1947 وتحول النظام السياسي إلى ملكي دستوري امبراطوري وبرلماني، أن السياسة اليابانية الرامية إلى التفوق كانت ناجحة.، فالاقتصاد الياباني مثلا حقق عبر الزمان قفزات مهمة حقا. فبعد أن كانت اليابان في الستينيات من القرن الماضي ثالث قوة اقتصادية عالمية،  اصبحت في عقد السبعينيات القوة الثانية بعد الولايات المتحدة. أما اليوم فهي تعد بمثابة القوة الاقتصادية العالمية الثالثة بعد الولايات المتحدة والصين.

     لذا، منذ أن بدأت اليابان، الدولة المهزومة عسكريا وذات الموارد الطبيعية المحدودة،  بالبروز كقوة اقتصادية عظمى، تساءل كثيرون عن تلك المدخلات التي سهلت هذا الإنجاز، او اللغز المحير كما يسميه المستقبلي الأمريكي المشهور بول كنيدي. وقد تعددت الاجتهادات وتباينت مضامينها. ومنها مثلا رؤيتان: فأما عن الأولى فهي لهذا المستقبلي، الذي أكد ان التفوق الياباني مرده تأثير مخرجات أربع مدخلات أساسية، هي: أولا، التوظيف الياباني للولايات المتحدة. وثانيا، الادخار الداخلي. وثالثا، اتساع السوق المحلية/الداخلية. ورابعا، الانفاق الواسع على البحث والتطوير. وأما عن الرؤية الثانية فهي لإبراهيم أبو خزام، الذي راي ان هذا البروز مرده تأثير مخرجات ثلاث مدخلات مركزية، هي:  أولا, إرادة الانتقام من الولايات المتحدة. وثانيا، الاستقرار الداخلي. وثالثا، كفاءة نظام التعليم.

    وعلى الرغم من تعدد الرؤى، بمعنى الاجتهادات، التي حاولت تفسير البروز والتفوق الاقتصادي الياباني، الا ان هذا التفوق ليس بمعزل عن التأثير العميق لمدخلات القوة التي يتميز بها الجسد القومي الياباني بالمقارنة مع تأثير مدخلات الضعف فيه. لذا سنتناول مدخلات القوة قبل التطرق الى مدخلات الضعف. 

    2.مدخلات القوة في الجسد القومي الياباني 

    تتعدد هذه المدخلات وتتنوع مضامينها . وتكمن أبرزها عندنا في الاتي:

    .1.2 النظام القيمي الياباني

    يتفق الراي على أن الفرد الياباني يتميز بولاء وانتماء فريد لوطنه. وينقل الصافي سعيد أحد الاقوال الشائعة التي تفيد:” أن حب المجتمع الياباني لذاته قد بلغ حد الانفصال عن الآخرين.” ونرى ان مخرجات هذا المدخل تعود إلى التأثير الممتد لمجمل خصائص النظام القيمي، وبضمنه الأخلاقي، السائد في اليابان منذ قرون. ويؤكد الباحث الياباني، Moyumi Hoh, أن هذا النظام يقوم مثلا على الطاعة، والتراتبية، والتمسك بالتقاليد الموروثة، والسيطرة على الذات، ونبذ الفردية، فضلا عن الانغماس في العمل. وجراء تأثير هذه الخصائص استطاعت اليابان المحافظة على نوعية تمسكها بنظامها القيمي. ولم يؤد تفاعلها الحضاري مع غيرها إلى التأثير سلبا بهذا التمسك. فمثلا، لم يؤد تبني اليابان للنظام الرأسمالي إلى أن تكون كسواها من المجتمعات الرأسمالية، التي تؤدي فيها الآنا دورا أساسيا. فكما يقول المستقبلي الأمريكي، ليستر ثرو، : ” أن العمل كفريق والولاء للمؤسسة مثلا استمرا يعبران عن خاصية قومية يابانية تدفع بالياباني إلى إيلاء الإنتاج، كما ونوعا، أولوية على الاستهلاك.”

     2.2 الإرث الحضاري

    بعد الاستسلام الياباني في اواخر الحرب العالمية الثانية عملت الولايات المتحدة على دمج النظام السياسي الياباني بالنظام السائد في عالم الشمال ولغاية محددة كان قوامها الحيلولة دون انبعاث اليابان مجددا كقوة دولية مؤثرة. بيد أن معطيات السياسة الدولية في نهاية الاربعينيات واوائل الخمسينيات من القرن الماضي فرضت على الولايات المتحدة انتهاج سياسة أخرى. فالمخرجات الجي- استراتيجية للثورة الصينية عام 1949 وللحرب الكورية عام 1950احدثا تأثيرا مهما في إدراك الولايات المتحدة لدورها في اسيا وبضمنه موقع اليابان في هذا الدور. أذ أدركت أن إبقاء اليابان ضعيفة عسكريا ينطوي بحد ذاته على اضعاف لدورها الاسيوي. وجراء ذلك عمدت إلى إعادة تأهيل اليابان على شتى المستويات من أجل أن تكون أبرز حلفائها في أسيا. وقد جاءت حرب فيتنام للفترة 1955-1975 والتدخل العسكري الامريكي المباشر والواسع فيها عام 1965 لتؤكد الحاجة الامريكية لليابان وعلى نحو دعم الانفتاح الامريكي السابق بمدخل أخر مضاف.

    وجراء ما تقدم، لم تتوان الحكومات اليابانية المتعاقبة عن توظيف هذه الحاجة الامريكية لصالح دعم النهوض الياباني، وبضمنه الاقتصادي. وعن مخرجات هذا التوظيف يؤكد الباحث العربي المصري حسين شريف” أن كل شيء كان ( في وقته) يؤكد أن اليابان قد نهضت من الرماد أكثر قوة.” وغني عن القول إن هذا النهوض لم يكن أصلا بمعزل عن أرادة الاستجابة للتحدي لدى اليابانيين. فهو حصيلة لها. ومن هنا، نرى أن مخرجات الإرث الحضاري متفاعلا مع قوة الدفع التي تنطوي عليها إرادة الاستجابة للتحدي تقدم انموذجا يؤكد فاعلية دوره في تامين النهوض والارتقاء الحضاري.

    3.2 فاعلية نظام التربية والتعليم الياباني

    يعد اهتمام اليابان بنظام التربية والتعليم قديم الزمان . فحسب الباحث العربي العراقي هشام البعاج، تعود البداية التاريخية لتأسيس نظام التربية والتعليم الياباني الراهن إلى عهد الامبراطور الميجي (1868-1912م). فهذا لم يسع إلى القضاء على الامية عبر نشر التعليم الالزامي، والتعليم عموما على نطاق واسع فحسب، وإنما أيضا إلى اختيار الصفوة من المتعلمين المتفوقين لتبوء المواقع القيادية في البلاد. وجراء مخرجات الإصلاحات، التي تم إدخالها ايضا بعد انتهاء عهد الميجي على نظام التربية والتعليم في اليابان، فأنها دعمت قدرتها آنذاك على الفعل الدولي المؤثر بعنصر مهم مضاف.

     وعلى الرغم من أن سنوات الاحتلال الأمريكي لليابان جعلت نظامها للتربية والتعليم منساقا وراء الأهداف الأمريكية، بيد أن مخرجات هذا الاحتلال لم تحل دون استمرار تلك القناعة التي قوامها ان الارتقاء لا يكون بمعزل عن الاهتمام الخاص بالتربية والتعليم. لذا ذهبت اليابان، بعد انتهاء هذا الاحتلال، إلى الآخذ بنظام للتربية والتعليم قوامه مركزية التوجيه، الذي تتولاه الوزارات ذات العلاقة، ولا مركزية التنفيذ التي تتحمل مسؤوليته أكثر من ( 66.000) مدرسة تحتضن أكثر من ( 27) مليون تلميذ وأكثر من (1.3) مليون معلم. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة ما قبل الجامعية في اليابان تستمر على مدى (220) يوما في السنة بالمقارنة مع نحو( 180) يوما في الولايات المتحدة الامريكية وبعدد ساعات لا يقل عن (30) ساعة أسبوعيا. وعليه، يؤكد المستقبلي الأمريكي، بول كينيدي، أن التلميذ الياباني، وبعمر (14) سنة، يحصل على معرفة لا يحصل عليها نظيره الأمريكي إلا عندما يبلغ (17) أو   (18) عاما.

    وغني عن القول إن من بين المخرجات الإيجابية لنظام التربية والتعليم الياباني دوره في الحد من التناقضات العرقية والثقافية التي لا يخلو منها المجتمع الياباني، هذا على الرغم من أن اليابان تعد امة متجانسة في تكوينها القومي. فالعرق الياباني يشكل، حسب بيانات منظمة الأمم المتحدة، نحو 98.5% من مجموع السكان البالغ عدده في عام 2026 نحو (122.407) مليون نسمة.

    4.2 التفوق التكنولوجي

    قبل نهاية القرن الثامن عشر كانت اليابان دولة متخلفة. بيد أن هذا الواقع بدأ بالتغيير التدريجي مع الإصلاحات الشاملة للإمبراطور الميجي( 1868- 1912م). ويوكد بول كيندي وسواه أن مخرجات هذه الإصلاحات، ولاسيما بعد هزائمها العسكرية مع الصين عام 1895 وروسيا القيصرية عام 1905, ساعدت اليابان على أن تحقق” … في بضع عشرات من السنين مما اقتضى تحقيقه( سنوات اطول في الغرب). أذ اصبحت… أمة عصرية ذات مؤسسات متطورة، وصناعة حربية.”. وقد كان سبيلها الأساس في ذلك تحقيق التفوق التكنولوجي /التقني على صعيد صناعات العصر الصناعي الاول وما بعده أيضا. ويعد الانتشار التجاري العالمي الواسع أحد مخرجات هذا التفوق.

     وعلى الرغم من أن هذه المخرجات قد دفعت بدول عدة إلى تبني سياسات حمائية للحد من انتشار البضاعة اليابانية في أسواقها، بيد أن هذه السياسات لم تحل مع ذلك دون استمرار الانتشار العالمي لهذه البضاعة، وهو الامر الذي جعل الميزان التجاري بين اليابان والعديد من الدول لصالح الاولى، كما هو الحال مثلا مع الولايات المتحدة الأمريكية. ففي شهر حزيران من عام 2026 مثلا بلغت الصادرات اليابانية اليها، وحسب الاحصائيات المتاحة، نحو (11.99) مليار دولار امريكي مقابل (65.6) مليار دولار لمجمل الصادرات اليابانية للعالم، وبنسبة ( 18.2%) من هذه الصادرات. كذلك بلغت الصادرات الامريكية لليابان في العام ذاته نحو (9.88) مليار دولار. وتفيد المقارنة بين حجم صادرات كل من البلدين إلى الاخر أن الميزان التجاري بينهما استمر في الصالح الياباني.

     كذلك يفيد حجم الاستثمار المالي لكل من الدولتين في الأخرى مثلا باستمرار غلبة الياباني زمانا على الأمريكي، حتى ان الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، كان قد قال في كتابه ما وراء السلام: ” أن اليابان تسعى إلى تحويل الولايات المتحدة إلى مستعمرة اقتصادية لصالحها.”

    ولتأثير هذان المتغيران أعلاه، لم تخل العلاقة الأمريكية-اليابانية ومنذ زمان سابق على عقد التسعينيات من القرن الماضي من الصراع الاقتصادي الكامن في الأقل. لذا لا مغالاة في القول إن العلاقة الاقتصادية والتجارية اليابانية- الامريكية، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية على انسياق ياباني مطلق وراء الولايات المتحدة، أضحت تنتمي إلى زمان مضى.

    3.مدخلات الضعف في الجسد القومي الياباني

    غني عن القول ان الجسد القومي لليابان، كسواه دوليا، لا يخلو من مدخلات ضعف تنطوي على تأثير في نوعية فاعليته الداخلية ومن ثم في الفاعلية الخارجية للدولة اليابانية.  وتتعدد هي الأخرى هذه المدخلات وتتنوع مضامينها. ونرى أن أبرزها يكمن في التالي، وباختصار شديد:

    1.3 محدودية الموارد الأولية الأساسية. 

    جغرافيا،  تقع اليابان في شرق اسيا كأرخبيل ضيق يتشكل من نحو (14215) جزيرة تفتقر جلها إلى الموارد الطبيعة المهمة في عملية البناء، كمصادر الطاقة والمعادن غير الوقودية مثلا، وفضلا عن ذلك تعد اليابان دولة غير زراعية في العموم. فمساحة الأرض الصالحة للزراعة فيها تعادل نحو 15% من مجمل مساحتها الكلية البالغة (378000)كلم مربع. وقد افضى هذا الواقع الطبيعي إلى عدة مخرجات تشكل مضامينها تحديات مهمة. ومن بين هذه المخرجات الاتي مثلا: 

    أولا، الاعتماد العالي على الخارج لتأمين الحاجات الداخلية، كالنفط. فعلى الرغم من توافر كميات محدودة للغاية من النفط والغاز الطبيعي في الأراضي اليابانية لا تلبي الا نسبة ضئيلة من الاحتياجات الداخلية. لذا تعتمد اليابان على الاستيراد الخارجي الذي يبلغ نحو (90%) وفق الاحصائيات المتاحة. وتعد منطقة دول الخليج العربي أبرز مناطق الفيض النفطي في العالم أهمية بالنسبة لليابان، سيما وأن هذه المنطقة تؤمن لها أكثر من (70%) من مجمل استيراداتها النفطية،  الامر الذي جعلها بمثابة الدولة السابعة في العالم من حيث استيراد النفط.

    ثانيا، لقد افضى ما تقدم إلى أن تصبح اليابان من بين الدول الصناعية الأكثر تأثرا بالأزمات والصراعات الدولية في مناطق الاستيرادات النفطية اليابانية. ولنتذكر مثلا تأثيرات مخرجات حرب تشرين عام 1973, والحرب الامريكية على العراق عام1991, وكذلك الحرب الأمريكية- الإيرانية الراهنة والاغلاق الإيراني لمضيق هرمز على تدفق النفط المستورد إلى اليابان. أن هذه المخرجات جعلت اليابان من بين تلك الدول الأكثر انكشافا سياسيا خارجيا. ولنتذكر مثلا كيف تعاملت اليابان مع الحضر النفطي العربي عام 1974 ولصالح العرب.

    ثالثا،  مخرجات الانفاق الواسع على الاستيراد. لقد افضى التطلع إلى اشباع الحاجات الداخلية المتزايدة إلى إنفاق مالي متزايد، الآمر الذي أدى إلى تعرض احدى ركائز نهوضها، أي الادخار، إلى استنزاف مستمر. فإجمالي حجم الانفاق بلغ نحو (755) مليار دولار في عام 2026.

    2.3 تحدي السكان

     سكانا، تجمع اليابان بين خاصيتين مهمتين. فمن ناحية تعد دولة كثيفة السكان نسبيا. فعدد المواطنين وحدهم بلغ حاليا نحو(119.783) مليون نسمة. ويوشر هذا العدد، انخفاضا للسكان للعام السابع عشر على التوالي بسبب انخفاض معدلات الولادة. أما من الناحية الثانية، تعد اليابان إحدى الدول التي تتميز باستمرار ارتفاع نسبة كبار السن بالمقارنة مع الفئات العمرية الأخرى. أن النمو المستمر في عدد المعمرين يجعل منه الأعلى بالمقارنة مع مثيله في الولايات المتحدة واوربا كما يؤكد الباحث العربي من مصر عبد المنعم سعيد. كما أنه ينطوي على احتمالية تحول المجتمع الياباني إلى مجتمع قليل الإنتاج وكثير الاستهلاك. ان هذه الاحتمالية قد لا يلغيها قول الباحث الأمريكي Hamish McRae))  الذي يؤكد:” أن اليابان تتوافر على قدرة توظيفهم في اعمال تتناسب واعمارهم كما هو الحال مع دول صناعية أخرى.”

    3.3 تحدي افتقار النموذج الياباني للمعنى

    يفيد مفهوم المعنى بدلالات متعددة. منها مثلا:  مدى قدرة إحدى الدول على نشر قيمها الثقافية في العالم أو في أجزاء منه. وبهذه القدرة يراد بالحصيلة دعم التأثير الدولي على الفعل بعنصر مضاف.

    وبالقدر الذي يتعلق باليابان، فعلى الرغم من أن الرأي يتفق على أن نموذجها في الارتقاء الحضاري يستحق الاعجاب، بيد أن هذا الواقع لا يلغي أن هذا النموذج يفتقر إلى القدرة الثقافية الداعمة له، أي إلى المعنى. ويكمن هذا الفقر في تأثير مجموعة مدخلات اجتماعية جعلت اليابان تولي ذاتها أولوية خاصة، ولعل ابروها انتشار شعور ياباني بالتميز عن الغير تأسس على قناعة بالنقاء العرقي دعمه تأثير مخرجات انغلاق طويل على الداخل، وتجنب التفاعل الحضاري مع الغير.

    أن هذا الشعور الياباني بالتميز، الذي دعا العديد من الباحثين اليابانيين إلى نبذه لأثره السلبي على موقع بلادهم في العالم، يتفاعل مع لغة تتميز بصعوبة تعلمها   بمخرجات أدت إلى تعطيل التعرف على الإنتاج الثقافي الياباني، ومن ثم انتشاره العالمي. ولا يلغي ما تقدم سعي اليابان إلى نشر ثقافتها وتسويق ثقافتها. ومما يساعد على ذلك وصول جيل جديد من صناع القرار، إلى قمة الهرم السياسي الداخلي أكثر انفتاحا على العالم وأعمق إدراكا بجدوى التفاعل الدولي.

    وتفيد المقارنة بين تأثير عناصر القوة والضعف في الجسد القومي الياباني أن الأخيرة وان تنطوي على تأثير مهم إلا أن هذا يتضاءل حيال عناصر القوة، الامر الذي سيسهم في بلورة مشاهد المستقبل الياباني لاحقا من حيث الزمان . وسنتناول هذه المشاهد في مقالنا القادم.