يصعب النظر إلى تاريخ الشعر العربي بمعزل عن القرآن الكريم؛ فالقرآن لم يكن مجرد نصٍّ دينيٍّ نزل في بيئة عربية، وإنما كان، منذ ظهوره، حدثاً لغوياً وحضارياً غيّر علاقة العربي بلغته، وأعاد ترتيب كثير من المفاهيم والقيم والصور التي يتحرك فيها الوعي العربي. وإذا كان الشعر ديوانَ العرب ومستودع ذاكرتهم الجمالية، فإنّ القرآن أصبح واحدًا من أعمق النصوص التي دخلت في تكوين هذه الذاكرة، حتى غدا حضوره في الشعر يتجاوز حدود الاقتباس المباشر إلى ما يشبه الحضور الكامن في اللغة والخيال والرؤية.
ومن هنا فإنّ دراسة العلاقة بين القرآن والشعر لا يَنبغي أن تقتصر على البحث عن الآيات التي اقتبسها الشعراء، بل ينبغي أن تسأل سؤالًا أكثر تركيبًا هو كيف تحوّل الحضور القرآني في القصيدة العربية عبر الزمن؟ وما الذي يحدث للنص القرآني عندما ينتقل من سياقه المقدّس إلى السياق الشعري؟
والحضور القرآني في الشعر العربي لا يثبت على صورة واحدة؛ فقد يتجلّى في الاقتباس من اللفظ القرآني، أو في استدعاء القصة والشخصية، أو في الإفادة من الصورة القرآنية، ثم يتخذ في الشعر الحديث والمعاصر أبعاداً رمزية وفكرية تتصل بتجربة الشاعر ورؤيته للعالم. ومن ثم فإنّ دراسة هذا الحضور لا تقف عند إثبات الصلة بين القصيدة والقرآن، وإنما تتّجه إلى الكشف عن الكيفية التي تتغير بها وظيفة المرجع القرآني داخل التجربة الشعرية، وما يتيحه ذلك من إمكانات جديدة في بناء الصورة والرمز والدلالة. وهذا التحّول يمكن رصده منذ الشعر المخضرم والإسلامي المبكر، مروراً بالشعر الأموي والعباسي، وصولاً إلى الشعر الحديث والمعاصر. وتؤكد الدراسات المتخصصة أنَّ الشعراء لم يَتعاملوا مع القرآن بطريقة واحدة؛ فمنهم من اقتبس اللفظ أو العبارة، ومنهم من استدعى القصص والشخصيات، ومنهم من أعاد بناء الدلالة القرآنية داخل تجربته الخاصة.
وعليه، نفترض أن الحضور القرآني انتقل، في مسار طويل، من الوظيفة المرجعية إلى الوظيفة الإبداعية؛ ومن الاستشهاد بالنص إلى إنتاج نصٍّ شعريٍّ جديد يستمد من الذاكرة القرآنية جزءًا من طاقته الدلالية.
البدايات… القرآن أفقًا لغويًا وروحياً
من أقدم النماذج التي تكشف عن قرب الشعر من المفاهيم التي رسّخها القرآن قول الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ
وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
وقد حفظت كتب الحديث هذا البيت، وجاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف قول لبيد (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) بأنه أصدق كلمة قالها شاعر.
ولا يتضمن البيت اقتباسًا حرفيّاً من القرآن، ولكنه شديد الصلة بالتصوّر القرآني للفناء وثبات الله تعالى. ويمكن مقابلته بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
سورة القصص، الآية 88. وكذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ سورة الرحمن، الآيتان 26-27.
وفي قصيدة كعب بن زهير الشهيرة (بانت سعاد)، التي أنشدها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول:
مَهْلًا هَدَاكَ الذي أعطاكَ نافلةَ الـ
قرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
إنَّ الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ بهِ
مهندٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ
يستوقفنا هنا قوله (نافلة القرآن)؛ فاللفظ يستدعي قوله تعالى في قصة إبراهيم
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ سورة الأنبياء، الآية 72. لكن الأهمّ من اللفظة نفسها أن كعباً يضع القرآن في قلب مدحه للنبي، فيصفه بأنه صاحب القرآن، ثم ينتقل إلى صورة النور: (إن الرسول لنور يستضاء به)؛ وهذه الصورة تستدعي بطبيعة الحال المجال الدلالي القرآني للنور، ولا سيما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سورة النور، الآية 35.
ولا يلزم أن تكون عبارة كعب اقتباساً مباشراً من هذه الآية؛ فالقيمة النقدية تكمن في أن الشاعر يستثمر الحقل الرمزي للنور والهداية الذي أصبح للقرآن فيه حضور بالغ القوة.
وهنا نلاحظ أن القرآن لا يظهر بوصفه موضوعاً منفصلاً عن الشعر، وإنما يصبح مرجعاً يمنح الصورة الشعرية شرعيتها وعمقها.
من اللفظ إلى القصة والشخصية … العصر العباسي
مع اتساع التجربة الشعرية في العصر العباسي، أخذ الحضور القرآني يتجاوز الاستشهاد والاقتباس إلى استدعاء القصص والشخصيات القرآنية.
ومن الأمثلة اللافتة قول أبي تمام:
فكأنهم بالعجل ضلّوا حقبةً
وكأن موسى إذ أتاهم موسى
فالبيت يستدعي قصة موسى وقومه وعبادتهم العجل ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ سورة الأعراف، الآية 148.
والشاعر لم يكتف بالإحالة إلى ألفاظ قرآنية، بل استدعى مشاهد من قصص الأنبياء، ومنها قصة موسى، ليجعل الماضي القرآني وسيلة لفهم الحاضر.
وفي بيت آخر يقول:
عُذنا بموسى من زمانٍ أنشرتْ
سطواتُه فرعونَ ذا الأوتادِ
وهنا يتضح التحوّل أكثر؛ فموسى لم يعد مجرد شخصية في قصة دينية، وإنما صار معادلاً شعرياً للمنقذ، بينما يستحضر (فرعون) بوصفه صورة للبطش والسلطة؛ قال تعالى ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ سورة الفجر، الآية 10.
وهنا تتحوّل الصور القرآنية مخزوناً رمزياً يستطيع الشاعر أن يستعملها في مدح ممدوحه أو ذم خصمه أو تفسير واقعه.
ومن ذلك قول ابن الرومي:
وإليك الشكاةَ يا ابنَ الوزيريـ
ـنَ فإنّي في محنتي أيّوبُ
والإحالة هنا إلى أيوب عليه السلام بوصفه نموذجاً للصبر على البلاء، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ سورة الأنبياء، الآية 83. فالتحوّل هنا بالغ الدلالة؛ حيث لم يعد الشاعر يحتاج إلى نقل قصة أيوب؛ ويكفي أن يقول (أيوب) لكي يستحضر القارئ شبكة كاملة من الدلالات مثل المرض والبلاء والصبر والدعاء والفرج. ما أفضى الى ان تصبح الشخصية القرآنية اختصاراً سردياً ورمزاً شعرياً.
القرآن مصدرًا للصورة الجمالية… البحتري
يسحضر البحتري عالم سليمان والجنّ الذين سخّرهم الله له، وذلك في وصف بركة المتوكل فيقول:
كأنَّ جِنَّ سليمانَ الذين وَلُوا
إبداعَها فأدقّوا في معانيها
قال تعالى ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ سورة سبأ، الآية 12.
كما يقول في وصف البركة:
فلو تمرُّ بها بلقيسُ عن عَرَضٍ
قالت هيَ الصرحُ تمثيلاً وتشبيهاً
قال تعالى ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ سورة النمل، الآية 44.
وتكشف هذه النماذج أنّ البحتري لا يستخدم القرآن لإثبات قضية دينية، بل يستخدم الصورة القرآنية لتكثيف الصورة الشعرية الجمالية؛ فالبركة تصبح كأنها صرح سليمان. وهنا يشكّل الحضور القرآني مخزناً للصورة الشعرية.
حين تتحول الشخصية القرآنية إلى رمز… الشعر الحديث
في الشعر الحديث جرى تحول أكثر جذرية؛ فقد أصبح الشاعر لا يستدعي القصة القرآنية ليصف شخصاً أو مكاناً فحسب، وإنما ليعبّر من خلالها عن تجربة تاريخية أو سياسية أو وجودية معاصرة.
من ذلك قول محمود درويش:
أنا يوسفُ يا أبي
يا أبي.. إخوتي لا يحبونني
لا يريدونني بينهم يا أبي.
ثم يقول:
أنتَ سمّيتني يوسفاً
وهم أوقعوني في الجبِّ.. واتّهموا الذئب..والذئب أرحمُ من إخوتي.
حيث يستعيد درويش مشهد الجب والذئب، كما في قول إخوة يوسف:
﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾سورة يوسف، الآية 17.
لكن درويش لا يعيد كتابة القصة القرآنية. بل إنه ينتزع منها لحظة المظلوم الذي يسأل أباه عن ذنبه، ثم يجعل هذه اللحظة مرآة للتجربة الفلسطينية.
فيوسف ينتقل من كونه شخصيةً في قصة إلى كونه قناعاً شعرياً. فالقصيدة لا تقول: (أنا فلسطيني) مباشرة، بل تقول: (أنا يوسف). فذكرهذه الجملة يجعل القارئ يستدعي القصة كلها؛ الإخوة، الحسد، الجب، الذئب، الغربة، ثم النجاة.
القرآن بوصفه أداة لقراءة الواقع… أحمد مطر
إذا كان درويش يجعل يوسف قناعاً للذات الفلسطينية، فإن أحمد مطر يذهب إلى وظيفة أكثر حدّة، هي توظيف القصة القرآنية في نقد الواقع السياسي العربي.
ففي قصيدته (يوسف في بئر البترول) يقول:
سبعُ سنابلَ خُضرٌ من أعوامي
تذوي يابسةً في كفِّ الأملِ الدامي
أرقبُها في ليلِ القهر…
ثم يقول:
يا صاحبَ سجني نبّئني
ما رؤيا مأساتي هذي
وهنا يحيل الشاعر بوضوح إلى رؤيا الملك في سورة يوسف: ﴿إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ سورة يوسف، الآية 43.
كما يستدعي عالم السجن وتأويل الرؤيا، وهما عنصران مركزيان في القصة القرآنية. لكن الفرق بين النصِّ القرآني والنصِّ الشعري هنا يكشف جوهر التحوّل.
في القرآن، الرؤيا تحمل بشارة وتأويلاً يؤدي إلى تدبير سنوات القحط. أما عند مطر، فإن السنابل تتحول إلى استعارة للسنوات السياسية المهدرة، ويصبح يوسف صورة للإنسان العربي المحاصر في أنظمة القهر. وبذلك تتحول القصة من حكاية نجاة إلى أداةٍ لتشخيص المأساة؛ فالقرآن هنا لا يُستدعى لكي يعيد الشاعر رواية الماضي، وإنما لكي يقول إن الواقع المعاصر يمكن أن يُقرأ من خلال النماذج الكبرى التي حفظتها الذاكرة القرآنية.
من الرمز إلى بنية الرؤية… القصيدة المعاصرة
في الشعر المعاصر يتخذ الحضور القرآني أشكالاً أكثر تعقيدًا؛ فقد لا يكتفي الشاعر باستدعاء قصة أو شخصية، بل يجعل القرآن جزءاً من بنية القصيدة نفسها.
ومن النماذج اللافتة الشاعر العراقي أديب كمال الدين، الذي تقوم تجربته الشعرية في جانب كبير منها على الحرف واللغة والرموز ذات الجذور القرآنية.
ففي قصيدته (خطاب الألف) يقول:
أرسلتُ لكِ سينَ سليمان
حتى تنشرحَ نونُك وتكتملَ
فهو يستدعي عالم سليمان القرآني وما يتصل به من حروف ورموز وهدهد وملك وتسخير. وللشاعر أعمال كثيرة على هذا المنوال منها (نون) و(قاف) و(كهيعص)، وهي عناوين قصائد تكشف أن العلاقة بالقرآن لم تعد مجرد استعارة عابرة، بل أصبحت جزءاً من بنية التجربة الشعرية نفسها. وهنا يبلغ التحوّل مستوى مختلفاً لم تعد فيه القصة القرآنية مجرد رمز لتجربة واحدة، وإنما أصبحت بنية مولّدة للقصيدة.
تكشف رحلة الحضور القرآني في القصيدة العربية عن واحدة من أكثر العلاقات ثراءً في تاريخ الأدب العربي. فالقرآن لم يكن مجرد مصدر يقتبس منه الشعراء ألفاظاً وعبارات، بل كان، على امتداد القرون، جزءاً من الذاكرة التي تشكّل بها الشعر العربي. فهو يتحرك من المرجع إلى الصورة، ومن الصورة إلى القصة، ومن القصة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الرؤية. وهذا التحوّل هو الذي يجعل القرآن في الشعر العربي أكثر من (نصٍّ غائب) بالمعنى النقدي؛ إنه في كثير من الأحيان ذاكرة حيّة تعمل داخل اللغة، وتمنح الشاعر إمكاناً نادراً لاختزال التجربة.
فالشاعر حين يقول (يوسف) لا يحتاج إلى أن يحكي القصة كلها، وحين يقول (أيوب) لا يحتاج إلى وصف البلاء، وحين يقول (فرعون) لا يحتاج إلى شرح الاستبداد، لأن الذاكرة القرآنية تتكفل بالباقي.
ومن هنا يمكن أن تكون الخلاصة الأهم لهذه الدراسة أن الحضور القرآني في الشعر العربي لم يتحول من حضور إلى غياب، بل تحوّل من حضور ظاهر إلى حضور أعمق؛ من الآية إلى الإيحاء، ومن الاقتباس إلى الذاكرة، ومن المرجع إلى البنية الرمزية والفكرية.
وبذلك يظل القرآن حاضراً في القصيدة لا باعتباره مادة أدبية فحسب، وإنما بوصفه أحد المصادر الكبرى التي أسهمت في تشكيل الخيال العربي وطريقة الإنسان العربي في تصوّر النبوة والمحنة والموت والنجاة والعدل والظلم والحرية.
وهنا تحديداً تتجلّى خصوصية العلاقة بين النص القرآني والقصيدة؛ فالنص ثابت، لكن إمكاناته في الذاكرة الأدبية لا تنفد؛ والقصيدة تتغير، لكنها كلما عادت إلى القرآن اكتشفت فيه إمكانات جديدة.




