تصاعد الانقسام حول حزب الله في المرجعيات الدينية اللبنانية


في ظل التحولات الإقليمية والدولية، بدأ الموقف اللبناني الرسمي يتجه تدريجيًا نحو مقاربة أكثر وضوحًا لمسألة سلاح حزب الله، معتبرًا إياها إحدى المعضلات الأساسية التي تعيق بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. لقد شكَّلت تصريحات رئيس الجمهورية جوزف عون نقطة تحول في الخطاب الرسمي، حيث أشار خلال حوار موسع بث مؤخرًا إلى “ضرورة تنظيم السلاح داخل الدولة”. واعتبر عون أنه من الممكن “إعادة تأهيل عناصر من حزب الله ودمجهم تدريجيًا ضمن المؤسسة العسكرية”، مشيرًا إلى التجارب السابقة التي شهدها لبنان بعد الحرب الأهلية.
لم تكن تلك التصريحات معزولة عن السياق السياسي القائم، بل عكست تحولات في التوجه الرسمي اللبناني نحو تفكيك هيمنة الحزب على القرار الأمني. تتركز دوافع القيادة اللبنانية خلف هذا الموقف على عدة اعتبارات، منها كسب شرعية دولية متجددة في ظل الاهتمام المتزايد من المجتمع الدولي بمستقبل الاستقرار في لبنان. يسعى رئيس مجلس الوزراء والحكومة أيضًا إلى تحسين صورة الجيش اللبناني كمؤسسة جامعة وموثوقة، قادرة على تولي الملف الأمني بمفردها، وهذا يعد ضروريًا لتعزيز الثقة في المؤسسات اللبنانية.
كما أن تجنب الاحتكاك مع دول الجوار العربي، يُعتبر عنصرًا آخر مهمًا في استراتيجية الحكومة اللبنانية. قضية سلاح حزب الله تثير مخاوف إقليمية من تمدد نفوذ حزب الله خارج لبنان، مما دفع القيادة اللبنانية إلى الابتعاد عن أي مواقف قد تضعها في صدام مع الدول المجاورة أي سوريا.
تسعى الحكومة كذلك لفتح الباب مجددًا للمساعدات الخليجية والدولية التي غالبًا ما تُربط بشروط تتعلق بتقليص دور حزب الله في القرار اللبناني. بالإضافة إلى ذلك، تعمل القيادة على احتواء خطر التصنيف الدولي كدولة راعية لميليشيات مسلحة، وهو ما قد يُعرّض لبنان لعزلة دولية.
في هذا السياق، يُعتبر موقف لبنان الداخلي، ممثلاً في تصريحات الرئيس عون، محاولة ذكية تطرح مخرجًا “تفاوضيًا – مؤسساتيًا” لنزع السلاح دون مواجهة مباشرة مع الحزب، مع إبقاء باب التسويات مفتوحًا داخليًا وإقليميًا.
من جهة أخرى، يتعرض حزب الله لضغوط دولية غير مسبوقة منذ بداية سنة تقريباً، حيث تُطالبه هذه الضغوط بتسليم سلاحه أو، على الأقل، بتقليص نشاطاته العسكرية خارج إطار الدولة. تأتي هذه الخطوات ضمن إعادة تموضع أكبر في السياسة الإقليمية والدولية تجاه لبنان والمنطقة. تلعب الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في تنسيق الجهود الدولية الرامية إلى نزع سلاح الحزب أو الحد من نفوذه العسكري داخل لبنان.
مع استمرار التصعيد بين الحزب وإسرائيل في الجنوب، تزايدت التحركات الأميركية عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية باتجاه الحكومة اللبنانية، حيث يتم التأكيد على أهمية “حصر السلاح بيد الدولة” كشرط أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي للبنان. تتزامن هذه الضغوط مع تطورات إقليمية ملحوظة، مثل استئناف المفاوضات “الأميركية – الإيرانية” حول البرنامج النووي، والتي تتناول بالإضافة إلى الجانب النووي ملفات النفوذ الإيراني الإقليمي، بما فيها دور حزب الله في كل من لبنان وسوريا.
تستمر العمليات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، حيث قامت تل أبيب باستهداف مواقع للبنية التحتية التابعة للحزب، ولا تزال إسرائيل ترفض الانسحاب من مناطق استراتيجية بجنوب لبنان دون تحقيق شروط تتعلق بنزع السلاح الكامل.
تجعل هذه التحديات لبنان في موقف دقيق، حيث يحتاج إلى إيجاد توازن بين السيادة الوطنية والضغوط الدولية، مع تأكيد أهمية تعزيز دور الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف السلاح في المستقبل. تعزيز هذا الدور قد يمكّن لبنان من استعادة سيادته الكاملة وتحقيق الاستقرار في المستقبل.
على المستوى الداخلي اللبناني، يُعتبر نزع سلاح حزب الله أكثر من مجرد خطوة أمنية، فهو يُمثل تحولًا بنيويًا في طبيعة النظام اللبناني الذي يعتمد على توازنات دقيقة بين الطوائف والمصالح الإقليمية. يمكن أن يُشكّل هذا التحول بداية نهاية مرحلة امتدت لعقود، كان فيها الحزب يُمثل فاعلًا عسكريًا مهيمنًا خارج إطار الدولة تحت مظلة “المقاومة”. إن تفكيك هذه القوة سيُعزز من سيادة الدولة ويعيد احتكارها للقوة، مما يمهد الطريق لبناء دولة موحدة ذات قرار سيادي. سيؤدي إضعاف حزب الله أيضًا إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي، وإحداث تغييرات في توزان القوى السياسية، مما يُمكن أن يخلق تحولات حادة في موازين الحكم.
لكن هذه الخطوة قد تحمل مخاوف أمنية في الجنوب، حيث يمكن أن يترك غياب بديل منظم فراغًا أمنيًا، مما يُعرّض المنطقة لفوضى أو تهديدات أمنية جديدة. كما أن نزْع السلاح قد يُفسر كاستهداف للطائفة الشيعية، مما قد يُثير خطر توترات طائفية أو ظهور تيارات أكثر تطرفًا داخل البيئة الشيعية.
أما على مستوى حزب الله، فإن نزع سلاحه يعني أكثر من خسارة أداة قتالية، فهو بمثابة ضربة لمكانته وهويته وشرعيته. تاريخيًا، تأسس حزب الله كتنظيم عقائدي مقاوم، لذا فإن فقدان سلاحه لا يعني فقط فقدان أداة عسكرية، بل قد يؤدي أيضًا إلى تفكيك بنيته العقائدية. سيؤثر ذلك على قوته الرمزية ويدفعه إلى فقدان مشروعيته كطرف موازن للدولة، مما قد يؤدي إلى تآكل سلطته التفاوضية والسياسية ويُفقده الحق في فرض شروطه في القضايا السيادية.
بالإضافة إلى ذلك سيجد الحزب نفسه بلا سلاح مُختبرًا في قدرته على الحفاظ على ولاء قواعده الشعبية بوسائل غير أمنية أو عسكرية، كالخدمات والتمثيل الطائفي السياسي، وهو أمر قد يكون صعبًا بالنسبة له. ويقول مراقبون ان انفصال وفيق صفا عن الحزب بحمل في طياته غموضاً كبيراً ويوحي بفقدان الثقة داخل الحزب وفقدان الاجماع على الموقف من ايران وكيفية معالجة العلاقات مع ايران والدول العربية.
وقد تجلى الانقسام اللبناني حول سلاح حزب الله بشكل جلي، متجاوزًا الساحة السياسية ليصل إلى المرجعيات الدينية، حيث اشتعلت الجدالات بين البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي والمفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان في سجال علني غير مسبوق.
ولم يعد الخلاف محصورًا في إطار القوى السياسية أو المؤسسات الحكومية، بل تعداها ليشمل المرجعيات الدينية ذاتها. ففي أوج الحرب الأخيرة، عُقدت قمة روحية في الصرح البطريركي في بكركي في 16 تشرين الأول 2024، جمعت قيادات مسيحية وإسلامية، حيث أصدرت بيانًا دعا إلى “وقف إطلاق النار” وضرورة تعزيز الوحدة بين اللبنانيين.
أكد البطريرك الراعي خلال هذا الاجتماع أن “لبنان لا يحتمل المزيد من الحروب”، مشددًا على أن “تحييد لبنان عن صراعات المنطقة هو السبيل نحو الخلاص”. ومن جهة أخرى، حذر الشيخ علي الخطيب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من أن “تفريط لبنان بسلاحه يعرضه للخطر أمام إسرائيل”، مشددًا على أن “المقاومة هي درع الدفاع عن الوطن”.
لكن تلك الأجواء الإيجابية لم تدم طويلًا، حيث برز الانقسام مجددًا مع طرح فكرة حصر السلاح بيد الدولة، ليُعبر هذا الانقسام عن نفسه بقوة أكثر حين تحوّل سجال البطريرك والمفتي إلى معركة علنية حول سلاح حزب الله.
بدأت الشرارة مع تصريحات الراعي التي أدلى بها لقناة “العربية”، حيث لفت إلى أن أبناء الطائفة الشيعية “سئموا الحرب ويريدون العيش بسلام”، مؤكدًا ضرورة تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله. لم يقتصر كلامه على انتقاد الحزب، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن “الجيش وحده هو من يحمي اللبنانيين جميعًا”.
الأمر لم يتأخر حتى جاء رد الشيخ أحمد قبلان، الذي هاجم البطريرك الراعي بشكل قاسي، مؤكدًا أن “سلاح حزب الله يمثل سلاح حركة أمل، وهو سلاح الله”، مشددًا على أن أي محاولة لنزع هذا السلاح ستعتبر “قرارًا مجنونًا”. كما أكد أن “الشيعة تعني المقاومة”، ليبرز بذلك انتماء حزب الله إلى النسيج الشيعي بشكل لا يقبل التأويل.
وعلى الرغم من أن قبلان يشغل منصب المفتي الجعفري الممتاز ولا يمثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بشكل مباشر، إلا أن موقفه يُعبر عن خط المجلس المعروف بتأييده العلني لفريق المقاومة. فقد أكد الشيخ علي الخطيب في مناسبات سابقة رفضه القاطع لتحويل “سلاح المقاومة” إلى موضوع للتفاوض.
هذا السجال لا يُعتبر حدثًا طارئًا، بل يتماهى مع توتر طويل الأمد بين المرجعية المارونية بكركي والمرجعيات الشيعية. فمنذ أن تولى الراعي منصبه بطريركًا عام 2011، حاول خلق تحالف بين المكونات اللبنانية، إلا أن الخلافات الجوهرية حول السلاح والسيادة ظلت تمنع تحقيق أي تقدم في هذا الاتجاه.
وقد تعمق الخلاف أكثر في عام 2014 عندما زار الراعي القدس للمشاركة في قداس ترأسه البابا فرنسيس، وهو ما اعتُبر سابقًا من أولى زيارات بطريرك ماروني إلى المدينة المقدسة منذ عقود، مما أثار ردود فعل غاضبة من حزب الله ومؤيديه.
إن الانقسام الحاصل اليوم يعكس عدم الاستقرار والاحتقان في الساحة اللبنانية، حيث أن موضوع سلاح حزب الله لم يعد مجرد مسألة سياسية، بل أصبح محفورًا في نسيج العلاقات بين الطوائف والمرجعيات الدينية.