حزب الله والحاضنة الإسلامية الشيعية:

العلاقات، التحديات، والمخاوف

يبدأ “حزب الله” هذا العام في العقد الرابع من تأسيسه كحركة مقاومة لبنانية ذات جناح عسكري يتجاوز مجرد كونه جماعة مسلحة. على الرغم من التحولات التي شهدها منذ نشأته في أوائل الثمانينات، إلا أن الحزب لا يزال في صلب التوترات السياسية والأمنية في لبنان. من المهم أن نفهم العلاقة التي تربط الحزب بالحاضنة الإسلامية الشيعية، والتحديات التي تواجهه، وخاصة فيما يتعلق بتخوفه من تراجع هذه العلاقة في حال تم نزع سلاحه من المناطق اللبنانية دون التقيد بإذا كانت جنوب الليطاني او شماله.

نشأ “حزب الله” في سياق معقد من الأحداث التي شهدها لبنان خلال الثمانينات. قبل عام 1982، كانت الجماعات الفلسطينية تهيمن على المناطق الجنوبية من البلاد، وقد رحب بعض السكان المحليين بالقوات الإسرائيلية عند دخولها بهدف طرد الفلسطينيين. إلا أن ذلك أدى إلى احتلال طويل الأمد، حيث فرضت هذه القوات سيطرتها على حياة الناس المحلية، مما أسفر عن ردة فعل طبيعية قادت إلى ولادة “حزب الله”.
بحلول عام 2000، بلغ الحزب ذروته بعد انسحاب إسرائيل من لبنان، حيث اعتُبر هذا الانسحاب نصراً تاريخياً له. ومع ذلك، كان هذا النجاح مصحوباً بتحول الساحة السياسية، بما في ذلك تصعيد النزاع مع إسرائيل في عام 2006 وتورط الحزب في الشؤون اللبنانية الأخرى، كالأحداث التي وقعت عام 2008 والحرب الأهلية السورية.

مرت صورة “حزب الله” بتحولات جذرية على مر السنين. بينما بدأ كمقاوم للاحتلال، تحول إلى قوة تُعتبر اليوم من قبيل المحتل بسبب بعض تصرفاته. في ظل الأحداث المتتابعة، عانت مصداقية الحزب بسبب استخدام العنف ضد المجتمعات اللبنانية وتركز ولائه على الطبقة السياسية التي تعاني من الفساد. هذه التغيرات أسهمت في تقليص شعبيته، بل وأثارت القلق لدى أوساط واسعة من القاعدة الشيعية التي كان الحزب يعتمد عليها تاريخياً.
اليوم، يُظهر الحزب تخوفه من فقدان هذه الحاضنة الشعبية، ويبدو أن هناك تصريحات من قبل قياداته تشير إلى إدراكهم بأن تراجع دعم القاعدة الشيعية قد يكون له عواقب كبيرة على استمرارية الحزب وقدرته على المناورة.

تعتبر الحاضنة الإسلامية الشيعية دعامة أساسية لـ”حزب الله”، فهي لم تُظهر فقط الدعم المباشر من خلال التجنيد والتبرعات، بل أيضاً من خلال تبني خطابه السياسي والثقافي. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية عام 2019، برزت مشاعر الاستياء والقلق لدى هذه القاعدة الشعبية من تصرفات حزب الله واختياره للوقوف بجانب النظام اللبناني الفاسد، مما يجعل الحزب في حالة من الضعف الاستراتيجي.
إذا ما تم نزع سلاح حزب الله، فإن العلاقة بين الحزب والحاضنة قد تتعرض للتآكل، مما سيفتح المجال لتقلبات غير متوقعة في المجتمع الشيعي اللبناني. يُظهر هذا القلق إمكانية أن يُفقد الحزب شرعيته في عيون مؤيديه، وبالتالي يمكن أن تؤدي هذه الحالة إلى تآكل هيمنته.

مرت علاقات “حزب الله” الخارجية بتغيرات معقدة على مدى العقود، وبخاصة مع سوريا وإيران. في البداية، كانت العلاقة مع دمشق متقلبة، ولكن بمرور الوقت، تماشت مصالح الحزب مع مصالح النظام السوري، مما جعله يرابط في دعم بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية. في المقابل، يظل الدعم الإيراني ثابتًا، حيث قدمت إيران الدعم المالي واللوجستي للحزب منذ تأسيسه، حتى أن ما يُقدّر بـ1500 جندي من فيلق القدس الإيراني شاركوا في تدريب مقاتلي الحزب في وادي البقاع.
أيديولوجيًا، يدعم الحزب نظرية ولاية الفقيه، التي تمنح السلطة للمرشد الأعلى الإيراني. بمرور الوقت، تخلت كوادر “حزب الله” عن مظاهر التعبير الفني والثقافة التقليدية اللبنانية، وفرضت معايير اجتماعية أكثر تحفظًا تتماشى مع تلك التي دعت إليها القيادة الإيرانية، وهي أعراف يرفضها الكثير من اللبنانيين وبينهم مجموعة سيعية وازنة بالاضافة الى مناصري حركة أمل.

وعلى الرغم من أن “اتفاق الطائف” دعا جميع الميليشيات اللبنانية إلى نزع سلاحها، إلا أن “حزب الله” تمسك بضرورة استمرار مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، مما أعطاه مبررًا للاحتفاظ بسلاحه. ولعب هذا التوجه دورًا مهمًا في تعزيز سيطرة الحزب على معسكر المقاومة الشيعية وزيادة سلطته على المجتمع المحلي في القضايا السياسية والحزبية والنقابية والمواضيع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية.
بعد أن ترسخ “حزب الله” في الساحة الشيعية، سعى إلى توسيع نفوذه في الساحة السياسية الوطنية، وكان من أبرز إنجازاته تحويل النظام البرلماني الديمقراطي إلى نظام توافقي عبر “اتفاق الدوحة” في عام 2008. وهذا التغير أتاح للحزب فرض سيطرته على القرارات السياسية الرئيسية من خلال استخدام مصطلح “الثلث المعطل”، الذي كان له تأثير كبير على طبيعة حكم لبنان.

ومع ذلك، أدت الاحتجاجات الشعبية في عام 2019 إلى تغييرات جذرية في سمعة “حزب الله”. فعندما عارض قادة الحزب الاحتجاجات، فقدوا قدرة الادعاء بأنهم يمثلون “المقاومة”، وأصبحوا في نظر الكثيرين المسؤولين عن حماية نظام فاسد. كما أن استخدام الحزب للعنف ضد المتظاهرين أبرز للعديد من اللبنانيين فكرة أن البلاد تعاني من احتلال فعلي من قبل إيران.
اليوم، يواجه قادة الحزب أزمة تمتد إلى ما هو أبعد من الظروف الجماهيرية. هذه الأزمة تعكس التوترات الداخلية المتزايدة، بما في ذلك التغييرات في القيادة، وانسحاب عدد من المسؤولين من مراكزهم لأسباب تتعلق بالسلامة الشخصية، في ظل تهديدات لاستهدافهم بالاغتيالات كما حدث مع بعض الشخصيات سابقًا.

تعد قضية نزع سلاح “حزب الله” واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في السياق اللبناني والإقليمي. فتأثيرات هذا الموضوع تتجاوز الأبعاد الأمنية المتعلقة بسيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة المسلحة، لتلامس الأسس الطائفية والسياسية والاقتصادية التي يقوم عليها النظام اللبناني. أخيرًا، دخل ملف نزع السلاح مرحلة حرجة وغير مسبوقة نتيجة لتلاقي متغيرين استراتيجيين رئيسيين: الأول، تداعيات الحرب الأخيرة مع إسرائيل في أواخر عام 2024، والتي ألحق الحزب بها خسائر ملموسة، والثاني، تزايد الضغوط الداخلية الدافعة نحو الإصلاح والمساءلة.
تبدو المرحلة الحالية بمثابة اختبارٍ لمدى قدرة “حزب الله” على الحفاظ على قوته ونفوذه في ظل التغيرات السريعة في موازين القوى. إن استمرار العزلة المالية والسياسية، مقابل الضغوط الداخلية والخارجية، سيحدد مصير الحزب ومستقبل عقده الرابع.
يمكن القول إن “حزب الله” يواجه معركة صعبة للحفاظ على علاقته بالحاضنة الإسلامية الشيعية، وتحقيق توازن بين استراتيجيته المقاومة ومطالب الجماهير الشيعية. فرص الحزب في الاستمرار تعتمد بشكل كبير على قدرته على تحسين صورته وتلبية متطلبات جمهور أكد الكثيرون منهم أنه بات يشعر بخيبة أمل تجاه الحزب. إذا استمر الوضع القائم على تقويض الشعبية والمصداقية، فإن تهديدات نزع السلاح قد تتحول إلى واقع مرير يهدد مستقبل الحزب كقوة فاعلة في الساحة اللبنانية.
عليه، يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية رد فعل الحزب على هذه التحديات، وما إذا كان سيتمكن من تجاوز العقبات المحيطة به والعودة بقوة إلى الحاضنة الشعبية التي شكلت أساس نجاحه في السابق