إنها من جليلات المسرح في الجمهورية اللبنانية، تمتعت بقدر واسع من التميز والأستاذية في مجالاتها ، غير أنها لم تجزم ذلك ولا في مجال ، لأنها بقيت تقدم نفسها على ما هي عليه ، لا من خلال ما يقدمه الأصحاب والأصدقاء والنقاد من معلومات ثرية ، مشفوعة بالتحليل والتفسير للتفاعل العظيم للمسرحيين والجمهور مع سيدة تقدمت وحيدة . ثم ، اندفعت وحيدة إلى وادي النوم بعقيدة لا تتغير ، بعقيدة لم تتغير . وجود حضاري ، رؤية حضارية . وجود ورؤية منذ البدايات ، بعيدة من الاتفاقات الجاهزة . رينيه الديك تواجه واحدتها بالقفز إلى العالم المجهول . وحين بقي مجهولاً عليها ، لم تتغلغل في أي نسيج يحميها ، لأنها بقيت متسامحة ، تستبدل البشر بالقطط والخرائط بالاحترام ، احترام الذات.
لم تسعى إلى معرفة ما يقوله الآخرون ، حتى حين دمروا الجسور بينهم وبينها . لا حياة ، لا الفاظ تتعلق بالحياة اليومية. كأنها صقلية ، حين لم ترد أن تتعثر بالبقاء في الدواوين الريفية. لا بقاء في الجبال / المثال على الأوزان البعيدة . الوزن في بيروت . هذه عملتها ، شأنها شأن والدها من لم ترقه الإقامة في جبال لبنان ، لا في غلوها ولا في مسكها. وضع البيت تحت تصرف الأم الشرسة . ثم ، هج إلى بيروت حيث المفردات وقواعد الصوت الأخرى . ما تقوله في المدينة ، غير ما تقوله في القرية . أول التحولات في مدرسة المسرح الحديث ، مع منير أبو دبس ، محترف مهرجانات بعلبك الدولية في بيروت . أول المحترفات في جمهورية لم تصغ بشكل علمي مسرحها ، حتى جاءها دارس الفنون التشكيلية من باريس مع رجال البعثة من الجمهورية الفرنسية ، حتى ترفع تلفزيون لبنان في العاصمة ، أول التلفزيونات العربية، على الرغم من بعض الكلام على ريادة التلفزيون المصري . أو العراقي يالدرجات الأقل.
لا سبب على وجه الأرض يدعو إلى الإعتقاد ان نجمة الستينيات في المسرح والسينما والتلفزيون ، سوف تغوص في قرار جديد قوامه العذاب . لن يخطر على بالها إنها ستقع في الإحتمالات . أبرزها مجهول ، لم يخصص لها دفتر يوميات خاص إلا بعد خروجه من كلماته المتشابهة والعابه وأدواته ، حيث تقبيل الأيدي تراث . التراث بالصور الواضحة . لم تستجدي احداً حين وجدت نفسها في مركز الإيواء . آخر المساحات مركز الإيواء. أو المصحة ، بعد أن استبد بها الفقر . الفقر قصرها . كما استبدت بها الوحدة ، بعد أن حصلت الدخول في حواري المسرح على حصان أبيض . إنها في القرن العشرين ، لكنها إذ ذهبت بعيداً في حدسها الأبيض كحصانها الأبيض ، بقيت كالجزيرة ، مغلوبة لا خاضعة. لم تهمها المظاهر لا الثانوية ولا الوسطى ولا الحيوية . رينيه الديك لا تضاهيها وظيفة ولا فتح ولا طريق يقود إلى تمثال . أصالة . ذلك أنها رفضت كل العناصر الخصبة المكونة وجود النجم على ما هو متفق عليه عند الجميع .مرابطة على جسدها ، مرابطة على التسامح ، السعي الحثيث نحو الإحتوائية ووحدة العقائد . لم تتغنى لا بحادثة ولا بشخصية ولا بوجود . خارج الخلافات المثيرة ، ما يستقي منه المبدعون نقاط الإنطلاق الإضافية وأشكال المصنعات الفنية . لا شيء من هذه الأحيان ، لا شيء من عقائد الخصومة . الأصل أصل ، الفصل فصل . انتصار على التعصب ، انتصار على الإضطهاد من سيدة لم تعرف الصوفية حين لم تتحدث بها كمصدر مزعوم ، بعد أن وجدت في بعض تجلياتها . تهيئة القدر باليد ، لا بترجمة الوجود في حلقات الحروب وحروب الاسترداد . لا تردد ، بعض قصص الغرام الرومانسية،مسرحيات دارت بين الأدب والثقافة . هذه سيدة مسرح تتقدم على شكل قصة ، لا تتقدم في التزييف ، لا تتقدم في النصوص المحفوظة. توسع من دون زعم ، توسع من دون تحيات وصفية متكلفة منها ومن جمهورها. لا ذوق منمق ، سوف يبقى وجودها وجود لا علاقة له بابن حزم في ” طوق الحمامة”. ذوق الحمامة لا طوق الحمامة . روائع الوجود في مسرحيات لا يؤلفها إلا ملوك المسرح في بلاد اليونان . قصائد أجمل من الشعر الغنائي . رينيه الديك حالة ، لا مادة . حالة واضحة ، لا حالة باروكية تقوم بدورها بالكثير من الحوادث بتفاصيل لا تتردد في اعلاء الذات على التفاصيل والتفاصيل . لكن الحياة ، لا ما تراه العيون وسط الأجمات ، في الاقوال المؤثرة قاطعة الفرضيات بالبراهين المتسرعة . الحياة ، ما يفوت الحياة، تعاقب الحياة في الحياة ، على طرقات لا تعرف كيف تكبح أميالها . ظن العكس ، تجوال في الأوزان المقطعية . لم تضحي رينيه الديك مجهولة إلا بعد أن أكدت أن لا معراج لها سوى معراجها. لمحت إلى هذه النقطة طويلاً. وكلما فعلت إنتشرت فيها الوحدة بعيداً من انتشار الشرق بالغرب والغرب بالشرق .ثم ، لم تلبث المدينة أن أوقعتها في مصادر تشوشها . المدن تشوش على من يعدون أنفسهم في الأجزاء الأولى من حيواتهم . هكذا ، تصرفت الديك بكافة السبل اللائقة ، حين تمرغ آخرون من دون حياء في أهدافهم.
لن تفاضل بين بوشكين وشكسبير ، تقرأ شعر الأول كما تقرأ شعر الآخر ، لأنها أرادت أن تتكلم بكل شيء، أن تعمل بكل شيء ، بحيث لا تلعن يوماً يطرح فيه موضوع للعمل . أو النقاش . تفهم وتتدرب مع منير أبو دبس . البدايات مع صاحب المنهج المخفي ، منهج ستانسلافسكي . استمر أبو دبس يدرب على المخرج والمنظر السوفياتي من دون أن يفصح عن ما يقدمه من منغومات مسرحية ، حتى اكتشف ريمون جبارة وانطوان ملتقى أن أبا دبس يجأر بصفحات مؤلف إعداد الممثل وكأنه يتفوق في مجاله بمجال من اعتبر دوماً متفوقاً في هذا المجال . لم تجد الديك مدربها مقلداً. لم تهتم بالأمر ، لأن ما عناها في تلك المرحلة في تاريخ المسرح أن تدخل في روح مؤسس المدرسة المسرحية البيداغوجية. قامت بأدوار رئيسية ، لأنها إذ وجدت في عرض استدعاها العرض الآخر من دخولها في التعليم من مرونتين ، مرونة جسدية ومرونة صوتية . تستدعى كما يستدعي مشاهد عروض الأوبرا مقصورة ، حتى يضبط الإنضباط الأدائي ، عذوبة الصوت في قوته ، وضوحه ، جماله . خلقت السيدة أدوارها من خلال منهج اعتبره الأخرون منهجهم السيء من خلال عدم الاعتراف لمن انتحله . مراحل ، مراحل ، مراحل . مراحل تغنيها في مؤلف أكاذيب الحقيقة.
. هؤلاء من فناني وفنانات مرحلة الستينيات من القرن العشرين ، من يصنفون في القسم الأول من الفنانين . نظامهم جزء من عروضهم. نظامهم رؤاهم الجديدة من خلال التراكم والخبرة ، ما يزودون أنفسهم بها لكي يشيرون إلى أنفسهم على وجه الخصوص كممثلين وممثلات يقفون على ذاكرة الإنفعالات ، على ذاكرة الحواس ، في تشابك مفيد . لا يفون إنفسهم إلا إذا تدربوا على أن يغرقوا في أهداف المنهاج السوفياتي . رينيه الديك صاحبة مقالة في مشاهدها الأولى ذات الدقائق ومشاهدها الأخيرة ذات الساعات . غير أن تراجيدياها تراجيديا بداياتها ونهاياتها . شجرة كرز تثمر . وحين تثمر تفعل ما تفعله التقاليد . سقوط الكرز من سحره إلى اختلاله الطبيعي ، حين يضحي في سلال الآخرين وفي أدوارهم الحية .مقدمة . ما تستدعيه النصوص بعد المقدمات . لا يعود الكرز الكرز شعراء اليابان القديمة ، الهايكو ، يعود الكرز إلى أصوله . كرز الفلاحين ، قوة محركة في النظام الغذائي.
تحت أشجار الكرز يتحول الغرباء أصدقاء. في الشعر الياباني . اضحى الغرباء اصدقاء في مدرسة منير أبو دبس . بعدها ، انفرط عقد الكرز ، حيث لم يعد أحد يبحث عن المشاعر تحت شجرة الكرز ، حيث أضحوا أوهام بعضهم ، تعليمات قديمة لا وجود الواحد في سيكولوجيا الآخر . وجدت الديك في كل المراحل بعد أن غادر الرفاق والرفيقات إلى أشيائهم الحقيقية على ما رأوها بعيداً من منهج ذي قيمة حوله أبو دبس إلى منهج بلا قيمة . تقنع به من دون أن برفع القناع مرة واحدة . نوع من الإختلالات . اختلالات نظرية لا عقلية . لن يقدر أخد على علاج نفسه بعد . لن يقدر على علاج الآخر إلا بالمغادرة . مغادرة الخديعة، ميدان الخديعة . مخرج لم يحتج إلى طبيب . لا براندي بعد ولا كونياك في هذا الكوخ . كوخ يتحول إلى كاتدرائية حين ترفع كؤوس البراندي والكونياك على شرف المسرح . المسرح وحده. جسورة بالخروج من حفن اليد، يدها ، إلى أحلامها الأوسع مع أبي دبس وغيره من مخرجين راحوا يتكاثرون من وضعهم أنفسهم مواضع الحياة ، لا مواضع الموت ، بعد أن اضحت الظروف معطاءة ، بعد أن أضحت الظروف ذات وضعيات تدفع إلى ايقاظ الشخصيات الإخراجية من مواقع الفضائل إلى مواقع الأجوبة الشاملة . لم يعد الإخراج وجهة نظر . أصبح حق المسرحي . تخيل حر يقود إلى السحر . الإخراج وثن في أول الأمر . الإخراج من أغراض المسرح بعد أن اضحى من الملموسات ، الأفعال الملموسة في عالم ملموس .ما عاد الإخراج جرحاً ، ولا وجعاً من أوجاع التعاريق . قفز من العلاج بالمسرح إلى المهنة المسرحية. رينيه الديك واحدة من من قفزوا من الرغبات إلى التحققات ، بعد مرحلة ظهور المسرح كأنه مشهد لا يرى إلا من الخارج . حقق هؤلاء مسرحهم الثقافي بعد مئة عام على تخلي مارون النقاش عن مسرحه المحمي من الولاة العثمانيين والقناصل الأوروبيين . حداثة المسرح في الجمهورية اللبنانية ، إثر تحققات مسرحية من كانواالاخراج لم يستطيعوا العيش من دون تصريف طاقاتهم على الحاجات والرغبات والنوازع ، من شامل ومرعي إلى محمد كريم . وآخرون وقفوا على المصاطب بعد أن اختاروا مخططاتهم الأولى . بدائيون يعبرون من العروض القبلية إلى العروض الهاوية ، حيث لا توجيه . لا شيء سوى مرور الوقت وولادة بعض ما يقود القراءات إلى قراءة الاختلاط بالمسرح من خلال التوسل إلى الآلهة . التعبير يتعرف من خلاله مسرحيو المصاطب على أنفسهم ، حين يتعرف مجتمع على نفسه من خلال المسرح والمسرحيين . مضى من مضى منهم بعينين مغمضتين وبفؤاد مفتوح على الصفاء قطرة قطرة ، حتى آخر قطرة . رينيه الديك ، على الطريق وحيدة . ثم ، مع جماعة . ثم ، مجموعة. ثم ، في حركات كحركات الصيد بعد حركات البذار ، حركات الجني بعد القتال . المسرح في معناه الإجتماعي . المسرح في المعنى الثقافي . المسرحي منبع المسرح ، الجمهور منبع المسرح ، وجدت الديك في المرحلتين ، تزود نفسها باشياء لا يمكن العيش من دونها . المسرح والتلفزيون .إذ أنها ما أن أصبحت عنصراً لا يمتلك القدرة على المساهمة في الأعمال الرئيسية في المسرح قفزت من المسرح إلى التلفزيون، إله المرحلة الجديدة . إله المادة ، إله النقد . توسلته حتى توفر لذاتها حاجاتها بعد مواسمها الوفيرة في الحياة المسرحية . إذاك وجدت رينيه الديك كخائفة لا كمحبة. تخاف أكثر مما تحب . لا مديح تعبدي . لا مهرجانات احتفالية . نجم تطور تطوراً هائلاً . ثم ، سقط من الجماعة إلى المنزل، في مجتمع أصبح يعيش على الصيد . عودة إلى الفهم بالإشارة ، بالتنكر البيئي ، بالحركة، بالصوت.
ذاكرة مملؤة بالانسجام لا التمايل على المنصات ، مذ وجدت في ” الذباب ” لجان بول سارتر ، باخراج أبي دبس نفسه . واحدة من مسرحيات تقع بين التخطيطات والارتجالات. استعارة بلاغية في حقبة تاريخية لم تتوقف عن البحث عن حقائقها . لم تدخل الديك في الطقوس الجديدة ، بعد أن وجدت في هذه الطقوس طقوس الرزق وحده . لا تزود ، لا مطر ، لا سحريات التهدئة الروحية ولا الاسترضاء الجسدي . الإزميل ، بعد الذباب . مسرحيتان من الأعمال الرئيسية في تجربة المسرح اللبناني في أدوار حق الله في المسرح وحق القيم في شخصيات لا تنتهي في مناظر . ظروف لا تخفق من اتصالها بالحياة بخصوصيات الوضعيات الشخصية ، العاطفية . ثم ، التعليمية. ثم ، الفعلية.
مذ وجدت رينيه الديك في هبوب المسرح وجدت بدون انتهاء ، اذ تغلغل المسرح في مسامها حتى وجد جاثماً عليها بثقل هائل . وحين ادركت جبن الزمن ، وجدت نفسها معرضة إلى مضايقات الحنين ، حنين يجلله الشعور بالخذلان ، حين لم يعد الوجود مهمة يسيرة أمام أشجار الكرز . لا شجر . إذن ، لا كرز . إذن ، لا ارتفاع شجر على أرضية كأنها فارقت الحياة، مذ ماعاد الشعر يروي أشجار الكرز في القصائد وخارجها . لمَّ الظلام العالم فجأة . لم الظلام الفن والفنانين ، المسرح والمسرحيين، حين انتبهوا إلى أن الاشجار المروية بالماء تبقى عند المضائق لا في المساحات الواسعة ولا الساحات ، من يقف بها المنبوذون لكي يحتموا من الإحباط ومن الدنس . أو من يراه الآخر دنساً ، حين أنه في واقع الحال تفان وانتماء . قادت الصفتان الأخيرتان السيدة ذات قَصَةِ الوجه الكلاسيكية ، قصة تقف فوق عنق من الكمال ، إلى رحلة من المضايقات والأمزجة ذات النعرات الفتاكة . إذ أن المسرحيين في زمن مشورات الشك ، لم يروا إلا كعظاءات عجيبة تدور على حواف أرواحها . لا مجموعات من الفدائيين. واجهت رينيه الديك واحدة من لحظاتها بجعل الرأس خالياً ، لكي تلعب دور السيدة في ” الخادمتان ” لجان جينيه . مضى زمن حينها ، على آخر وجوداتها في العالم المسرحي . شاهدها جواد الأسدي في ثقب كلام أحد الأصدقاء . علق عليها الأمال كما علقها على جوليا قصار ورندة الأسمر . مسرحية مشعل . إذاك لم تعرف الديك إلا الإنتباه الشديد إلى لا لطف ولا رقة السيدة ، تجربة شخصية بين الواقع والمتخيل . وجدت في منابع المزاج ، مزاجها وهي ترى نفسها تقفز من بئرها إلى قرار استخدامها من جديد . موجودة بالمقاومة الشخصية ، لا تخشى أن تحدد ماهيتها من جديد . قدمت واحداً من ألمع الأدوار في دقائق ، من امتلاكها مفاتيح الشخصية الداخلية والخارجية . صلعاء تغني في اختراع شخصية لا علاقة لها بمغنية يونسكو ، تعيد في ذهنها خلق ماضيها من حاضرها . جذور التجربة الشخصية في الشخصية الجديدة . تمارين لا يوصى بها تخوضها وهي تتمتع بطبيعة الدور . عارضة فولاذية على المنصة ، بوجود كأنه الضرب في موضوع تريد أن تفعله بالدعم حتى يصير دوراً ذا عمر فصير على المنصة ، ذا عمر طويل في الحياة. هذا ما حققته وهي تغرق صدرها في رأسها بدل أن تغرق رأيها في صدرها . دور ساحق ، يتوازى مع مع ما تخيلته . دور مجهد يرى بانتباه عظيم . آخر الأدوار ، يعيد توزيع أدوارها في دور واحد . هذه هي في دفعة واحدة . تكريس بدون غمغمة . ارتيست منتصف القرن العشرين ، لا يزال الممثل والممثلة يعاملان كأرتيست في قوانين الضرائب اللبنانية على الأعمال الفنية، أرتيست كأرتيست البارات ، الأرتيست القديمة تنتج ما يشاهد في تجربة راقية ومظفرة دفعت متوجباتها المالية عليها كأرتيست . صفة من صفات لا تشجع . تمارين الصبح والمساء وسط فروض الظهيرة .وقوف على ترقوة المسرح ، في لحظة وداعية لم ينقصها يوى رفع غطاء البيانو ، لكي يعزف العازف لهجاته في وداع من لم تقدم الجوانب الكاريكاتيرية لأي شخصية . جعلت الدور مسرحياً ، جعلته درامياً من التدريبات وصولاً إلى مراحل استحواذه بدون طرق إنذارية . جعلته درامياً بوضعية لم تتخلى عنها يوماً. لكن، إنه العمر . العمر جرافة . كأنها في دورها الأخير تطوف في زفافها . نافذة مفتوحة على آخر ما في العالم من هواء بالمقام الرفيع للهواء . لن تحيط نفسها بفوات الأوان وهب تدرك فوات الأوان . أن الأوان فات . وقوف على مستوى اللحظة بعقل لا يتأرجح على الذعر .امرأة شجاعة تواقة إلى وداع ذاتها في آخر طلقاتها في ظلام المسارح . تطور الشخصية في ملامحها النفسية. لن يتعبر الأمر زائفاً ولا طبعة . حقق فرز الشخصية هدفه . لذا ، حين انتهت العروض، تخلدت السخصية غي ايقاعها ، لعبها الإيقاعي ، انفجارها على أرض لم تنتظر طويلاً حتى تنفجر . حلم جامح يتحقق، حلم ليلة صيف.
تصعد رينيه الديك بحراشفها لا بيديها وقدميها على المنصات . ذات سابقة في ذات مؤلفة . جولات في معارض صغرى ، جولات في معارض كبرى . استخدمت كل المفردات ، مفردات تفوق وضوح الكلمات . رينيه الديك الممثلة، رينيه الديك الموديل العاري أمام طلاب معاهد الفنون . قدرة على عدم الإكتراث إلا بالبينات الشخصية . ارادت أن تبقى كرزة على شجرتها ، كرزة وفية لاقترابها من التكامل . كرزة على شجرة لم تهدأ وسط عواصف البلاد.
بقيت رينيه الديك “أرتيست ” مذ ستين أو سبعين عاماً( توفيت وهي في الخامسة والسبعين من العمر ) . لم تتقدم خطوة واحدة في سجلات الدولة . زربوها في هذا الوجع البلا أناقة، البلا فخامة مهمة أخيرة على منصة أخيرة. بعدها ، اندفاع إلى وادي النوم . لم تقدر لها نهاية . قدرتها لنفسها بعيداً من الحسو الذهني . امساك النصوص باليدين ، الكلام في التدريبات ، الأداء النادر . بأيامها الأخيرة تركت كوثن ، لا يتعجل المخرجون والمنتجون بالوصول إليه . وحدة هائلة بلا ملاحظات . فجأة ، لم يعد أحد يذكرها وهي بين قططها . عشرات القطط تطوعت لأجل حياتها . هذا ما طلبته ، لا ما طلبه الآخرون . مبدعة فقدت حياتها تكافح لاجل حياة القطط ، بعد كفاح خدم اللقطات المملؤة بالحركات الجسدية والروحية ،على منصة لا على دخيل رقمي . إنها مؤسسة من جيل مؤسسين . لم تنوجد في عمل أحمق، يبقيها في حالة ابقاء على حجراتها في حالة حيوية واستعداد . بقي من رينيه الديك صورها . صورة فتاة، صبية ذات ملامح ارستقراطية تذكر بجيل من فنانات الغرب في بدايات القرن العشرين. وجه مصمم ، جسد لا يلام على اضاءته المنصات المسرحية بكل الثور المعبرة.خصر يرفع الستارة في ليالي الافتتاح . الديك أيقونة مغدورة. موجودة حتى اغلاق الأبواب على الصالات . ايقونة من ايقونات لا تذكر إلا في المراحل الخطرة، في مراحل الانزعاج من ما يتهدد المسرح، كرضى خوري ونضال الأشقر ومادونا غازي وريمون جبارة وأنطوان ملتقى ولطيفة ملتقى وروجيه عساف وجلال وشكيب خوري وإلياس إلياس وأنطوان كرباج وغيرهم .حبات كمأ ، تعالجت في المساحات الفظة تحت ضربات البرق . برق مجنون لا عاقل . ايقونات نالت وافر نصيبها من البروق والرعود وهن يكافحن العلل بالأمل والهمجية بصعقات الوقوف بلا استخفاف . لم ترتعش خزياً . لم تخشى أن تقع في هوى السنبلة ، هوى المراجعات الشاملة بالأساليب اللامألوفة . قبضتها لينة. غير أنها لا ترتخي وهي تفتحها وتغلقها . فكرتها واحدة، أن المسرح أرض تدور حول الشمس وتهب العالم شجره . بين الشجرات شجرة كرز وشجرة دراق ، شجرتان من اكثر شجرات العالم حزناً . ثمة كلام لم يذلل بعد في مسيرتها : تِرسة السفر مع زوجها إلى تونس وما حدث هناك . هناك ، سلمت أسلحتها تسليماً كاملاً في مرحلة حاسمة لم تحذرها ولم تَحذرها . خريف فاشل خارج عروض المدينة . حدث ما لا يزال بالسر . اذاك ، انتزع زوجها كل رغباتها بالقتال . زجت بالسجن ، زجت في رواق عار ، بارد . ولكنها ، حين عادت لم تعد لنفسها . عادت كزائر لا كمقيم. إذن ، ما حدث خضم لا علاقة له بالذكاء ولا بالعقل . هناك ، بالجهة القرناء بعدٌ، خيالٌ، زواجٌ، فراقٌ، لا تعاون ولا تشجيع. مرحلة غامضة .مرحلة لا تعرف حتى بالخطابات العنيفة . ثم ، تماسكت في قلقها المتوتر . سطرت مسيرة فواحة بالأدوار الصعبة . أدوار ، كل دور أم . دور إذا انكسر مع رينيه الديك لا يصلح . لم يهبها أحد شيئاً ، حين وهبت العالم دمها. وهبت دمها لعالم بلا دم . هذا شيء لا يوضع بين هلالين . هذه السيدة رسامة من رسامي ورسامات مخطط المدينة التوجيهي الأول ، حيث يقود المخطط إلى الخروج من التبديدإلى التسديد ، من الفوضى إلى انتظام النظام بالرؤى. ثم ، بالعمارة . كل مشاركة في مسرحية جلدٌ، عافية . إننا أمام نفس لا يغمد منذ الإزميل ، الملك يموت ، علماء الفيزياء ، رملوس الكبير ( اخراج شكيب خوري ). وغيرها . هكذا ، شاركت في ” فيلم أميركي طويل ” لزياد الرحباني . لم تمت بين قططها . ماتت في المأوى ، وحيدة بلا أصدقاء، بلا جمهور . رينيه الديك يائسة لا شحاذة . تكبدت ما تكبدته وهاهي تجد قاربها للعبور من الحرب إلى المجد ، من الخيال إلى الخيال . الموت حماقة . غير أنه حماقة لا اعتذار عنها. خمس سنوات على وفاتها( ١٩٤٦/٢٠٢١) ، خمس ضربات عنيفة على جمهورية لا تزال تواصل هجومها على جمهورها في عالم بلا حدود .




