“بابا السلام” وواشنطن يفتحان باب التفاوض بين لبنان واسرائيل
ما بين زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر الى لبنان، وتعيين موظف لبناني رسمي بصفة دبلوماسي في لجنة الاشراف الخماسية العسكرية على تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية بطلب اميركي مُلّح، فارق ثلاثة ايام فقط، لم تشفع بعدهما الموافقة اللبنانية على تعيين السفير السابق في واشنطن سيمون كرم في وقف الاعتداءات ، فواصل الكيان الاسرائيلي الضغوط العسكرية على لبنان، وخلفه بعض “صقور” الادارة الاميركية واعضاء الكونغرس” بالضغوط السياسية.
جاء تعيين السفير كرم بضغط اميركي شديد على لبنان خلال اشهر عديدة وبطلب مباشرمن الموفدين مورغان اورتاغوس وطوم براك خلال زياراتهما الى بيروت، وكانت النية الاميركية والاسرائيلية واضحة بتحويل التفاوض الامني عبر لجنة الميكانيزم الى تفاوض سياسي يؤدي لاحقاً إلى اتفاقات على ادارة منطقة الحدود الجنوبية بما يوفر الامن الكامل لكيان الاحتلال ولو على حساب مصالح لبنان وسيادته، وصولاً الى تطبيع سياسي ما، وهو امر لا يستطيع لبنان تحمل عواقبه في هذه المرحلة من دون حلول جذرية للصراع العربي – الاسرائيلي. لا سيما وان حزب الله اعلن مسبقا رفضه التفاوض المباشر بين لبنان وكيان الاحتلال واعتبر تعيين دبلوماسي لبناني في لجنة الاشراف “تنازلاً مجانياً للإحتلال وسقطة لحكومة نواف سلام”. ولاقاه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالتحذيرمن عدم انسياق السفير كرم الى تفاوض سياسي والاكتفاء بتفاوض امني – تقني، “تحت طائلة إنهاء مهمته فوراً”.
ولم تكن زيارة البابا ليو بعيدة عن الترويج لتحقيق التفاوض بين لبنان واسرائيل وصولا الى تحقيق السلام كما اعلن في كل خطاباته خلال محطات جولته في المناطق اللبنانية، وهو شدد على استبدال السلاح بالحوار والتلاقي من دون تحديد معايير لأسس الحوار والسلام المطلوب سوى تحقيق العدالة كما قال. علما ان مفهوم العدالة يخضع لتفسيرات مختلفة بين لبنان واسرائيل والدول المعنية بالوضع بين الجهتين.
تفاوض تحت النار
ولكن استدراكاً للتصعيد الواسع الذي هددت به اسرائيل ونقله الموفدون رسميا الى لبنان، تم تعيين السفير سيمون كرم عضوا في لجنة “الميكانيزم” وانعقد الاجتماع الاول للجنة بحضوره وحضور الموفدة الاميركية مورغان اورتاغوس وحضورعضو في مجلس الامن القومي الاسرائيلي، ثم انعقد الاجتماع الثاني اواخر الشهر، لكن بين الاجتماعين شنت اسرائيل على دفعات غارات جوية واسعة على قرى الجنوب اللبناني. وكل ما تحقق بعد تعيين السفير سيمون كرم، كان ترحيب اميركي وتعهدات لاحقاً عبر تسريبات على ألسِنَة مصادر اميركية لامسؤولين رسميين بتصريحات علنية، مفادها ان تعيين مدني في اللجنة الخماسية يُسهل التفاوض ويؤدي الى تخفيف التصعيد الذي كان يهدد به الاحتلال الاسرائيلي، وان الادارة الاميركية بصدد الضغط على رئيس حكومة كيان الاحتلال نتنياهو لمنع اي تصعيد او الاندفاع نحو حرب من جانب واحد، تستهدف بنى تحتية رسمية حكومية لبنانية هذه المرة لا حزب الله فقط، بحسب التهديدات الاسرائيلية التي وردت الى رئيس الحكومة نواف سلام كما قال.
وقد كان سقف قرار لبنان بمشاركة مندوب دبلوماسي سياسي في المفاوضات معروفا ومحدداً بدقة في مواقف الرؤساء جوزيف عون ونبيه بري ونواف سلام، وهو: إنهاء الاحتلال الاسرائيلي ووقف الاعتداءات واطلاق سراح الاسرى اللبنانيين عسكريين ومدنيين وتسهيل اعادة الاعماروعودة اهالي الجنوب الى قراهم، اما التفاوض السياسي حول اتفاقات سياسية واقتصادية كمايطرح العدو الاسرائيلي فهو امر ربطه لبنان الرسمي بحل الصراع العربي- الاسرائيلي وفق مبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت العربية عام 2002. لكن المشكلة تكمن في ما يريده الاسرائيلي ومن خلفه ومعه الاميركي لاما يريده لبنان والعرب، وبخاصة بعد التسريبات الاميركية والاسرائيلية عن استمرار رغبة الرئيس الاميركي ترامب في اقامة منطقة اقتصادية على الحدود الجنوبية، ورغبة رئيس كيان الاحتلال في ان تكون هذه المنطقة امنية وخالية من السكان لا من السلاح فقط. وترددت تسريبات اعلامية ان السفير كرم وافق على إقامة المنطقة الاقتصادية في المنطقة الحدودية شرط عودة كل السكان الى قراهم؟ ولم يتأكد هذا الموقف رسمياً.

ولكن كانت الغارات على القرى الجنوبية بعد اجتماع اللجنة بمثابة رسالة للجنة وللبنان، بأن سقف التفاوض سيكون تحت النار للضغط على لبنان لعدم الاكتفاء بالجانب الامني التقني ولكن بربط تحقيق البنود العسكرية ببند إقامة منطقة عازلة خالية من السكان وببنود سياسية تطبيعية قدرالإمكان، وارفقت الغارات بتسريبات عن “مهلة للبنان تنتهي مطلع العام الحالي بسحب كامل سلاح حزب الله من كل لبنان لا من الجنوب فقط وإلا ستسحبه اسرائيل بالقوة”. بينما اعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون رفضه المطلق للتفاوض تحت النار.
مطالب لجنة الميكانيزم
ولم تكن لجنة الإشراف الخماسية، بحاجة إلى جولة إعلامية نفذها الجيش اللبناني للإعلام المحلي والعربي والدولي، لتتيقّن أن الجيش أنجز ما عليه وأكثر في إزالة كل المظاهر والبنى التحتية العسكرية التي تركتها المقاومة في منطقة جنوبي نهر الليطاني، بعد الاتفاق والتزاماً منها بأتفاق وقف اطلاق النار، خلافاً لقوات الاحتلال الاسرائيلي.
والمفارقة، أن مصادر دبلوماسية أوروبية ولبنانية رسمية مطلعة عن قرب على عمل لجنة الاشراف الخماسية، افادت “الحصاد” انها طلبت “تقريراً مفصّلاً ودقيقاً وبالأرقام، من الجيش اللبناني”، لمعرفة ما قام به على صعيد جمع السلاح وإنهاء المظاهر الحربية في جنوب نهر الليطاني، لتبني على ما قام به قرار عقد المؤتمرالدولي لدعم الجيش الذي تعمل عليه فرنسا والسعودية. مع ان اللجنة “رحّبت بما أعلنه قائد منطقة جنوب نهر الليطاني العميد نقولا تابت خلال الجولة الاعلامية”، وأن كل المعلومات التي أعلنها كانت تصل تباعاً إلى اللجنة التي يشارك فيها ضابطان كبيران، أميركي وفرنسي، عدا ما يصل إلى قائد القوة الفرنسية المشاركة في قوات “اليونيفيل” من معلومات وتفاصيل، والمفروض أنها تُرفع إلى الدولتين المشاركتين في اللجنة. وهو أمر كان بإستطاعة اللجنة أن تطلبه رسمياً أيضاً من قيادة الجيش، إضافة إلى ما يتبلغه الضابطان الأميركي والفرنسي في اللجنة.
وتشير المصادرالاوروبية إلى أن فرنسا، عبر مشاركتها في اللجنة، تأخذ بملاحظات الجانب اللبناني ومعلوماته عن الخروقات التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي، وعلى آلية عمل لجنة “الميكانيزم”، لتدعم موقف لبنان في اللجنة وفي المحافل الدولية. لكن يبدو أن التأثير الفرنسي شبه معدوم، لأن “الحَلّْ والربط ” بيد الجانب الأميركي، الذي قال سفيره في بيروت ميشال عيسى لصحيفة “هآرتس” العبرية: “إن اسرائيل ليست بحاجة إلى إذن الولايات المتحدة الأميركية لتقوم بحماية مواطنيها”!.. بمعنى أنه يحق لها أن تقوم “بما تراه مناسباً” من أعمال عدوانية على لبنان، بحسب تقديرها، وساعة تريد، بحجة “استباق منع أي عمل عسكري يستهدفها”، على الرغم من علم الجميع: اللجنة الخماسية و”اليونيفيل ودول العالم أجمع، أن المقاومة هي في حالة “سكون عسكري عميق”، ولا تقوم بأي عمل أو نشاط عسكري، ولو بسيط، يمكن أن يؤثر على الوضع في منطقة الحدود!
ولعل رفض كيان الاحتلال لمبادرة الرئيس جوزيف عون التفاوضية التي اعلنها في رسالة عيد الاستقلال المبنية على المطالب اللبنانية المعروفة، وعدم الرد الأميركي عليها لا سلباً ولا إيجاباً، يوحيان بأن قرار التصعيد العسكري متخذ ومن دون أي ذرائع حقيقية دافعة له، سوى قرار أميركي ـ إسرائيلي بتجريد لبنان من أي عامل أو ورقة قوة تتمثل في سلاح المقاومة وفي استكمال انتشار الجيش على كامل أراضي الجنوب، وانسحاب الاحتلال منها.. وهو أمر لا تزال إسرائيل تعلن ليل نهار أنها لن تنفذه.
مصير قوات اليونيفيل والبديل؟

وعلى خطٍ موازٍ، اكدت الولايات المتحدة وإسرائيل انهما لا تريدان استمرار عمل قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، أي تريدان الإطاحة بالقرار 1701 بنية التوصل الى إتفاق آخر مع لبنان ولو كان له بداية الطابع الامني . كما أن واشنطن تريد الوصول إلى اتفاق سلام أو إنهاء حالة الصراع مع إسرائيل خلال مدة سنة، تماماً كما تحاول أن تفرض في سوريا. وحتى نهاية العام 2026 ستتواصل المساعي الأميركية لفرض هذين الاتفاقين بين إسرائيل وبين لبنان وسوريا، وذلك قبل حلول موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. لذلك فالدول الأخرى الاعضاء في مجلس الامن الدولي تعلم أن فرص التجديد لقوات اليونيفيل بعد العام 202 لم تعد كبيرة بل باتت معدومة نهائياً.
فأميركا تريد تشكيل قوة مراقبة دولية متعددة الجنسيات بقيادتها والاستناد إلى قوة الجيش اللبناني وقدراته على ضبط الوضع في الجنوب ولكن بعد الاتفاق مع إسرائيل وموافقتها. أما إسرائيل فهي لا تريد أيضاً استمرار عمل اليونيفيل، ولا تريد إدخال قوات جديدة، وعندما طرحت الفكرة سابقاً تحدث الإسرائيليون عن قوات متعددة الجنسيات، ولكن اليوم بعض المعلومات تشير إلى أن تل أبيب لا تريد تكرار ما يُطرح في غزة حول إدخال قوات عربية أو دولية، على قاعدة أنه “لا يحمي إسرائيل إلا جيش إسرائيل”.!
و لكن استمر الزخم الاميركي والاوروبي بالدفع نحو تشكيل القوة الدولية، وطرح الموضوع على المسؤولين اللبنانيين خلال زيارة وفد من سفراء دول مجلس الامن الدولي الى بيروت وقيامهم بجولة ميدانية في الحدود الجنوبية، كما طرح الموضوع في زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لو دريان الى بيروت اوائل كانون الاول الماضي، وكان الجواب اللبناني على لسان الرئيس عون والرئيس سلام، الاستعداد للبحث مع الاتحاد الاوروبي، وإن “لبنان يرحب بالرغبة التي ابدتها دول من الاتحاد الأوروبي في استمرار مساهمتها في حفظ الامن على الحدود، بالتعاون مع الجيش اللبناني، وذلك بعد وضع الأطر القانونية المناسبة لذلك”.
وكان الشرط اللبناني الاساسي للموافقة على تشكيل قوة دولية مختلطة بقيادة اميركية هو دعم الجيش اللبناني بكل المقومات العسكرية واللوجستية ليتمكن من بسط السيطرة على كامل الجنوب وكل لبنان، عبر مؤتمر دولي لدعم الجيش الي تعمل على عقده فرنسا مع السعودية، لكن الموفد لو دريان حمل معه في زيارته الاخيرة لبيروت شرطين اساسيين لتسهيل عقد المؤتمر: الاول نزع سلاح حزب الله بالكامل، والثاني إنجاز كل الاصلاحات المالية والاقتصادية، وهما امران لم يتحققا حتى اللحظة، ما يعني تعليق انعقادالمؤتمر حتى إشعار آخر!
