Home / قضايا ثقافية / اصداء ثقافية / طنينٌ عبثيٌّ في فضاءٍ صامت

طنينٌ عبثيٌّ في فضاءٍ صامت

يبدو أن الإنسانيّة تقف اليوم على عتبة تحوّل أنثروبولوجيّ وجماليّ مأزوم، حيث تُعاد هندسة المفاهيم الكبرى على ضوء التغوّل الرقمي. ولعلّ أخطر ما يهدّد كياننا الروحي هو محاولة تدجين “القصيدة” وإخضاعها لمنطق الخوارزميّات وصناديق التوليد الآلي. 

بل الأدهى، تحويل القصيدة إلى نصّ “ذكيّ” مولّد بالتقنيّات الحديثة، واعتبارها كأي قطعة مكتوبة أو أي مشروع مدوّن يحتمل الإضافات الآليّة والكتابة الافتراضيّة. 

ويغيب عن ناقلي نصوص الغباء الاصطناعي أن التوتر الدائر بين النص المجبول بأسى التجربة الحيّة والمنتج الخوارزمي الجاهز، هو معركة مصيريّة على حراسة المعنى الإنساني الأخير في وجه الزحف الروبوتي المرعب.

​ولأنّ الشِّعر في جوهره الأنطولوجي ليس تقنيّة لغويّة يتمكّن من تعلّمها أصحاب الموهبة المنعدمة كما كبار الشعراء، يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن اللغة هي مسكن الوجود، وأنّ الشِعر هو الرعشة الأولى للكائن أمام هول هذا الوجود. إنه ثمرة مرّة لمخاض روحي طويل تتخبّط فيه طاقات الفقد، والذاكرة، ووجع الفناء، وانكسارات الذات على عتبات المجهول. فالآلة، مهما بلغ بها التعقيد أو توغّلت في محاكاة البنى البلاغيّة، تظلّ عاجزة عن التقاط هذه الرعشة. إنّها لا تخاف الموت، ولا تشتاق إلى غائب، ولا تختنق بمرارة الخيبة. وحين نمنح الخوارزميّات حقّ كتابة القصيدة، فإنّنا نرتكب جريمة اغتيال بحقّ “الدهشة البكر”، محوّلين النصّ من كائن حيّ يتنفّس روح الشاعر إلى سلعة رقميّة مفرغة من شحنة الدم والنبض.

​وكما أشار الشاعر الكبير تي. إس. إليوت في إحدى ومضاته النقديّة إلى أن الشعر ليس طلقاً للحرية بل هو هروب منها، غير أنه هروب لا يتحقّق إلا عبر معموديّة الألم والتجربة الباطنيّة. ولعلّ هذا ما تفتقر إليه الآلة كليًّا. وما يزيد المشهد قتامة هو هذا التواطؤ الخفيّ للمتلقّي الذي بات يستهوي السهل والمستساغ، راضيًا بالقشرة المزيّفة.

فكيف للخوارزميّات أن تبدع، وهي تعيد تدوير الموروث البشري بمهارة سارق محترف، منتجة أصداءً جوفاء لخطاب سابق. وحين تتساوى في أعيننا القصيدة التي وُلدت من احتراق الروح مع تلك التي صاغتها خوارزميّة في جزء من الثانية، فإنّنا نعلن انهيار الحساسيّة الجماليّة وتراجع القدرة على التفرقة بين الحقيقي والمصطنع.

​هكذا يغدو الدفاع عن الشعر الحق مقاومة وجوديّة، تصديقًا لقول الشاعر راينر ماريا ريلكه إن الفن هو “نتيجة ضروريّة لتجارب لا يمكن للمرء أن يهرب منها”. إنّها معركة المستحيل ضد زحف النمطيّة والتسطيح الرقمي، لنظلّ نؤمن بأن الحرف الذي لم يُطعّم بالألم الإنساني، لا يعدو أن يكون طنينًا عبثيًّا في فضاء صامت.