Home / ﻣﻧوﻋﺎت / عام على غياب زياد الرحباني : موت من لا يموت

عام على غياب زياد الرحباني : موت من لا يموت

لا يزال الكثيرون مجروحين من موت زياد الرحباني . احلامهم المقوسة لن تعيده إلى الحياة . حياة ، تركها بعد أن طرق جدران الله لآخر مرة ، وهو يولي الرياح ظهره . خبر دفع مجموعات إلى أن يخلعوا قمصانهم وكأنهم في خراب . لن يعود ، يدركون الأمر بعد أن تطلعوا إلى آخر ما بقي من غبار ذهبي ، على سريره في مستشفى خوري ، حيث اندلق الورد وصناديق الورد على تابوت لم يره أحد بعد أن اختفى في عربة نقل الموتى . الآباء على الطرقات كالأمهات ، حيث أرادوا أن يعيدوا خلق زياد من أحلامهم ، بعد ان انتهت أحلامه في وجهه إلى الأبد . لم يتوقع متوقع الصورة المحدودة الرهيبة لتابوت في عربة جلس غدي الرحباني ، إبن عم زياد في واحد من مقاعدها عند الزجاج الأمامي . لا يخادع زياد حتى وهو بقفز من حياة عافها إلى وادي النوم . الالاف عبيد اللحظة الراهنة. ذلك أن من نام نام لا لأنه لم يستطع النوم بسبب الضغينة حتى أنهك ، لأنه أدرك أنه الشبح هذه المرة، شبح يقفز فوق الحقائق الفاصلة بين الحلو والحلم إلى ما يظن الآخرون عن العالم الآخر . الأخير . الصورة ظالمة . صورة زياد المكتف بالموت ، يكتفه التابوت ، حيث ظهر المودعون يعانون من أحزان لا يريدها زباد أن تتحمس لكي لا تبقى ، لكي يمضي الى عالم لم يره ، رها هو يمضي حتى يراه. هذا موكب جدي ، غير أن جسد الرحباني لن يستريح فيه ، لن يستريح إلا في الوقت الآخر . الطريق الى المدافن نهر والمدافن بحيرة . الأفواه ناشفة ، الخوف غير قائم ، حيث زادت الانهيارات اللامتناهية في الجمهورية اللبنانية انهياراً يلحق بها إلى حتفها . إنها حالة لا تتكرر. حالة واحدة ، لذا لا تتكرر ، لن تتكرر . الفارق بين الأمس واليوم، أن من يمضي فرض معاييره على العالم في أعلى طبقات القيمة. لا صناعة بما فعل . لا ذكاء اصطناعي ابقاه الرحباني محصوراً بين كبرى الشركات الصناعية . مشروع مجاني باشره كمتطوع مذ نهاه والده عن الدخول في سوق الخوادم في حزب الكتائب اللبناني . مذاك أضحى منشوره منشور عموم ، دون حاجة إلى استخدام النماذج القديمة . 

حين نهى عاصي الرحباني زياد الرحباني عن الدخول في القوافل الشاردة، الجوقات الطقوسية ، في حزب الكتائب اللبناني،لم ينهه سوى عن قطاف العشب المحروق بين أيدي الجوق الريفية. منحه مشهداً بقي العنصر الأول في حياته حتى فقد السيطرة على الحياة . دفع به من تراجيديا الريف إلى المدينة وشخصيتها . جزء من شخصية المدينة من شخصياتها ملمح إدارة لم يفهمه الولد من الوالد . دفعه إلى أن يبني وجوده المتين في مدينة بقيت تمثل الفاعل الجمعي والضمير الأخلاقي والناظم الإيقاعي ، لأولادها ولمنطقة وجدت فيها تجاربها الجديدة . تجارب لم تقوَ على إعلانها وهي تراها ، لم تقوَ على اعلانها بوجودها بعيدة من خطوط التجميع ، من ارتباكها من وقوعها في أنظمة توتاليتارية ، لا يحللها متربط ولا يربطها محلل . بيروت مصنع كبير ، وجد الرحباني نفسه فيه بعد أن ذكره عاصي الرحباني بأن العزوف عن الدخول في حزب الكتائب انتقال من الافتراض إلى واجهة لا يهددها الإطفاء . لم يقل الوالد أن الدخول في حمى الحزب حدف بعيد من الملائكة . نهاه بالفزع من السيرة الريفية . سيرة حمالة ملح الدمع من نأيها عن شمس المدينة . لأن في المدينة وحدها نزق الرقص في الثقافة من أعوام بعيدة ، ابتعدت من نفسها حين هاجمها الحزب بريفية مقاتليه. لا يزال الحزب حتى اللحظة واحدة من لوحات المدينة الهوجاء من اقتصاصه الدائم منها وهو في مجال تشكيكه فيها . حزب ريفي . الريف منطقة جغرافية بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والقرى . خلافها مع المدن لا على قلة كثافتها السكانية ، على تركيزها على الأنشطة الزراعية وتربية الحيوانات . لا تعاريف مختلفة في الريف . بالمدينة تعاريف لا تحدث معظم الوقت في الريف . هكذا ، دفع عاصي الرحباني زياد الرحباني ، إلى وعيه الأول من خلال اللاوعي . لا وعي سوف يقوده إلى التسليم بالوعي في مراحل الوجود في المدينة . مدينة لم يغادرها ، حتى حين هاجمها الجن الأرقط . مدينة وجوده العالي بالفعل مذ وجد فيها مجاله ، حين جرى انتزاع مخيم تل الزعتر من أهاليه على أيدي القوات المحلية من يمين متطرف وقوات الردع السورية . لحظة نجاة زياد الرحباني ، اختباره الحقيقي ، في سقوط مخيم تل الزعتر على مرآه . لم يتوقف عن التفكير بسقوطه ، حين لم يسعده أن يرى الضباط السوريين في منزل والديه يخططون لفرض الواقع الجديد على مخيم الفقراء الفلسطينيين ، بإخراجهم منه قتلى أو مهجرين ، كما لو أنهم يخرجون مستحمين من حماماتهم .روى زياد الرحباني الأمر،كما لو أن لا بمقدوره التوقف عن التفكير بالأمر.لأن المخيم على بعد قريب من منزل والديه . جرأة مغادرة “المنطقة الشرقية ” إلى ” الغربية ” لحظة جرأة ستحدد أزمانه المقبلة . لأنها الآمر الحتمي بكل ما فعله في المسرح والموسيقى والإذاعة ، حين لم يقرب التلفزيون لأنه لم يجد فيه مقدمات نشره في مشروعه . مشروع معادلات النجاح الهائلة ، بحيث صار الوقت الأكثر أهمية في حياة المدينة ، ما أحدثه زياد الرحباني وحسب. بالأخص في الموسيقى . ذلك أن موسيقاه زادت من حدة وحدتها مع الموسيقات الأخرى ، بحيث سيطرت على الداخل المحلي وعلى موسيقى العواصم العربية على مدى أعوام لم تنته برحيله،لن تنتهي برحيله.ذلك الزمن ” زمن هدوء نسبي ” سي دي أوضح احداث زياد الرحباني الحقة ، بما يفرق بكثير عن ما تصوره الآخرون . لأن في ما فعله زياد الرحباني في الموسيقى لا الدخول في أرض المستحيل ، فتح المجال امام موسيقى أخرى من افضل ما ألفه موسيقي . لأنها تألفت لا على الضروري ولا على الجلبة ، على ثقافة واسعة دورت زوايا اللقاء بين الموسيقى الشرقية والموسيقات العالمية . لم يشعر الرحباني بأهمية ما فعل ، لأنه من طبائعه المكرسة فيه .رجل لا يدخل تحسينات ، رجل لا يدخل سوى إلى الصمامات من اصغاءاتها إلى دوائرها . “الجاز الشرقي” واحد من منجزات زياد الرحباني . عالِمٌ مجنون اخترع آلة عجائبية أخرى اندفعت إلى المزيد من المدفوعات الإبداعية بدوي بلا دمدمة . الجاز والبلوز والروك والباسادوبلي . دام الأمر أعواماً ولا يزال . وحين وجد العالم فيروز على قدر من الصلف والتعالي بوجودها على ما يصح من أقوالها لا من أقوال الآخرين ، وجدها زياد الرحباني غماراً لا يزال بقدرته أن يفضي إلى سلسلة من الإبداعات انطلقت من من رآه البعض هذيان زياد الرحباني إلى تحرير علاقة فيروز من الأخوين ، عاصي ومنصور ، بوضعها في صفاء آخر ، صفاء فريد ، صفاء العلاقة بجيله وجيل آخر تلاه . جيل الإنترنت . وضع الرحباني زياد ، وضع فيروز بغضون دروج جديد استخدمه بتوفير العلاقة بين الوالدة السبعينية وجمهور العشرين . هذه واحدة من اللحظات العظيمة من زياد الرحباني لفيروز ، حين لم يضعها في ضوء عناء التأقلم مع الألفية الجديدة ، إذ حتم عليها أن يضحي نجاحها معادلاً لنجاحه في الأوساط الشبابية . نجاح تحريك عصي الراوفع الجديدة من ما ساوره من انتقالاته المعرفية بين موسيقى الشرق وموسيقى أميركا اللاتينية وأميركا البيضاء وأوروبا . عمر جديد لفيروز بعد تجربة لا يقال أن أصحابها يعتدون بها ، لأنها تجربة أخوين لم يقفا أمام القصائد إلا بتأليف افضل الموسيقات.آخر أعمال زياد الرحباني لفيروز “إيه في أمل”بعد أن غنت” عهدير البوسطة ” و” زعلي طول أنا وياك ” وكيفك إنت “، بعد “سألوني الناس ” و” عصفورة البرد”و” رح نبقى سوا” و”سفينتي بانتظاري “. لم تقع مصادفة قضية حين اصبح من الطبيعي أن يصل زياد الرحباني إلى والده الموسيقى وعمه منصور في ذاتياته الموسيقية وتوافقها مع أعمال الأخوين ، من روحها لا من إدراجها في أنحائها المادية . ابتعد عن شعور المهندس لدى الوالد والعم إلى واقع عدم دوام تلك اللحظات بصوت فيروز ، إلا بما يعتد به على صعيد انتاج موسيقى جديدة سوف تقود الصوت القديم إلى العالم الجديد . 

جاء زياد الرحباني إلى المدينة من ريف قدم فيه أولى مسرحياته ” سهرية ” . وجد فيها خالد العيتاني( صاحب البيكاديللي والسارولا ، صالتان من أشهر الصالات البيروتية ، قدم فيها فنانون عالميون حفلات لا يزال صداها في فضاء المدينة حتى اليوم ) فصل الرحباني الأول في مغادرة الريف إلى المدينة ، ما سيجعل أموره مختلفة عن ما جاءت عليه . وجد الجمهور الرحباني في “نزل السرور ” كما لو أن افضل ما يقع وقع في مدينة تفرغت لقضايا العالم ، لا لقضاياها . ثم ، دام الأمر ما دام زياد الرحباني يوقع على مسرحية . استخدم أرباح المسرحيات في توفير مجال العمل في الموسيقى . قال ، أنه لا يحب المسرح . قال ، أنه يمول موسيقاه من أعماله المسرحية ( لقاءات شخصية). طرق عدداً من السبل لتمويل أعماله الموسيقية ، حتى قال بأن كل كونسير موسيقى كلف منتجه إصابته بكونسير في واحدة من العابه اللغوية. ذلك أن الرحباني وجد في اللغة مبرر وجود ، تحدث بشيء وهي تسعى وراء شيء . هكذا ، واصل الحفاظ على مسافة بين المنطوق وطمع المنطوق بقتل الخيبات بالسخرية . واحدة من أعياد ميلاده باللغة . بالمشافهة اللغوية . ما لم يسبق لا سماعه ولا فهمه على ما هو عليه . أي ما سيحدث حدث في لغة جزلة جذابة ، لم يُسعد صاحبها يوماً بالحصول على المال . إذ أن المادي الجدلي اكتفى من المقولة العالمية بالجدل دون المال . لم يهمه المال يوماً . لم يصل إلى لحظة لم يتصارع فيها مع رأس المال ، غير أنه استقر على رفض الدوافع الجلية لرأس المال هذا في عدم تحقيق الأرصدة الأيجابية للفنون قدر تحقيق هذه الأرصدة في حسابات أصحابه . جاءت مشافهاته في المسرح والأغنية ، في مواضعها في أعماق الناس ، حتى استعملوها في دفاعاتهم عن أنفسهم ، مواقفهم ، قضاياهم . شيء يستعصي تحديده سوى من صاحبه ، مع ذلك وجد فيه الجمهور أصوله اللغوية الحية المفقودة ، إلى حين جاء زياد الرحباني بطبائعه اللغوية المحشودة بالمشاعر ، بالخفة ، لا بالثقل ، ولو أنها في سخريتها أكثر جدية من جد لن يسعد أحد بالحصول عليه . عالج الشفاهي لدى الرحباني أمور العقود الحياتية وكل شأن تعامل معه الناس بصعوبة أو تردد . بلغته ، انتهت الصعوبة ، انتهى التردد. 

رجل موسيقى لا رجل طماع مسرح . قدم ، على الرغم من جدية الأمر ، مسرحيات كل مسرحية حدث . بالنسبة لبكرة شو ، فيلم أميركي طويل ، شي فاشل ، بخصوص الكرامة والشعب العنيد ، لولا فسحة الأمل . قدمت المسرحيات في فؤاد المدينة ، أشهر لكل مسرحية ، لا مجال فيها للتشكيك في قدرة الرجل على الإبداع . مؤلف ، ملحن ، مخرج ، لازم مسرحياته ، بحيث لم يستطع أحد انتزاعها منه . مسرحيات لا تزال تواصل الإلحاح على الذاكرة . تبقى ، ستبقى . تحضر في اغرب اللحظات بأغرب لحظاتها . 

أضحى صوت فيروز وادائها لدى جيل الشباب كالتنفس مع زياد الرحباني . إنجاز لم يدفع إلى نوم الصوت في الألفية الماضية . غير أن لزياد الرحباني عنانه في الانسياق وراء تجاربه ، حتى أنه لم يدور علاقته بالموسيقى الشرقية بصالح المزواجة بينها وبين الموسيقات الأخرى . لأن عمله تعبير عن إرهاف الموسيقي في التعبير عن الإيغالات بين الموسيقات . كل شيء يلحق بكل شيء . هذه معادلة هذا العبقري في الموسيقى ، أحد أفضل الممثلين الشعبيين على خشبات مسارح بيروت كما لو أنه المسرحي الإيطالي دار يوفو. وضع سعادة الموسيقى في سعادة الموسيقى الأخرى . وضع سعادة موسيقاه بسعادة مستمعي صوت فيروز حين الإستماع اليه . لم يلهه شيء عن فنونه . رجل يلتقط الشوارع كما يلتقطها اعمى ، عراف، اسلم حكمته الشوارع . الرائي ، أشار إلى الصلب القريب للمواطن اللبناني على أسربةإنجازات البنك المركزي، قبل أن يقع الصلب . حاول أن يؤلف حزباً سياسياً أكلته الظروف والنصائح . لم يترشح إلى الإنتخابات النيابية ، لأنه وجد فيها جراثيم الأنسال الفاسدة . غير أنه اكثر من المتاع على وجه الأرض . وجوده من المتع ، كلامه ، حواراته ، تسجيلاته . لولا الأخيرة في ” بعدنا طيبين قول الله ” مع جان شمعون في الإذاعة اللبنانية في الجولة الأولى من الحرب الأهلية في لبنان لقلً صمود اللبناني في ارضه . لولاه لقلت قدرة اللبناني على الصمود في فارغ صحونه في العشريات الأخيرة . إنه مكرمة لا تنفذ . لأن إبداعه لا يموت . لا يموت من لا يموت إبداعه. هو من شرَّق العزف على الغيتار ، من لعب على البيانو وكأنه طبلة تمر بين شقوق الرؤى . الآن، الآن ، يتوجه ألق الحتف، بعد أن انتصر على غصات البلاد الدموية بتحويله الحرب إلى سمفونية . خسارته نار ترمي في فضاء المتاعب، لأنه حفر اسمه كمعتل للصفحات ، كاسبرطي، يساري ، لا يهمه الغياب في باب من أبواب البحر . 

عام على الغياب في وادي النوم ، عام على التحول النفسي والدرامي لجمهور أحيا الذكرى وكأنه يحيي ذكرى من واجه لعنات الآلهة ، من دون ان يكتفي بالمهارات التقنية.