قرأتُ، وراعني ما قرأتُ، ونسيتُ أين قرأتُ، أن البحّارة الآيسلنديين الذين وصلوا إلى غرينلاند مارسوا الخصيّ بحق سكانها الأصليين لمنع تكاثرهم. هذا الادعاء الصادم دفعني إلى البحث، لا في صحته فحسب، بل في تاريخ الجزيرة ذاته، وفي سرّ تسميتها “غرينلاند” أو “الأرض الخضراء” كما يعني اسمها في اللغة الإنكليزية، رغم أنها تبدو بيضاء مكسوّة بالجليد، ولا سيما بعدما عادت إلى الواجهة، بوصفها قضية سياسية، بعد إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن رغبته في ضمّها إلى الولايات المتحدة.
ما تكشّف لي أن قصة الخصي لا تستند إلى أي دليل تاريخي أو أثري، وأنها أقرب إلى أسطورة غذّتها الصورة النمطية عن “الفايكينغز” بوصفهم محاربين متوحشين. فلا المصادر التاريخية، ولا الدراسات الأنثروبولوجية، تشير إلى ممارسة منهجية من هذا النوع في “غرينلاند”. ويبدو أن هذه الحكايات وُلدت من الخلط بين وقائع حدثت في أماكن أخرى، ثم أُلصقت بهذه الجزيرة البعيدة والغامضة.
أما سكان “غرينلاند” الأوائل، فهم شعوب قطبية وفدت من شمال أميركا قبل آلاف السنين، تلتها لاحقاً شعوب الإنويت الذين يشكّلون اليوم الغالبية الساحقة من سكان الجزيرة. وفي القرن العاشر الميلادي، وصل “الفايكينغز” بقيادة بحار آيسلندي يدعى إريك الأحمر Eric the red)). وصلوا لا بوصفهم غزاة، بل كمستوطنين سعوا إلى بناء حياة زراعية في بيئة قاسية. أسّسوا مستوطنتين رئيسيتين، واعتمدوا على تربية الماشية وصيد الفقمات والفظ، ولا سيما أنياب الفظ walrus التي شكّلت سلعة ثمينة في أوروبا.
غير أن هذه المستوطنات اختفت بعد نحو أربعة قرون ونصف القرن، لأسباب متداخلة، من بينها تغيّر المناخ، والعزلة، وتراجع التجارة مع أوروبا، وعدم قدرة “الفايكينغز” على التكيّف مع أساليب العيش القطبية التي أتقنها الإنويت، إذ ظل اقتصادههم مرتبطًا بأوروبا، وعندما انقطع هذا الرابط، انهارت المستوطنات بصمت، تاركة وراءها لغزاً تاريخياً لم يُحسم بالكامل.
“غرينلاند” اليوم إقليم يتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، ويبلغ عدد سكانه نحو 56 ألف نسمة، يعتمد معظمهم على صيد الأسماك والدعم الدنماركي. وفي الوقت نفسه، تمتلك الجزيرة موارد طبيعية كبيرة، جعلتها محطّ أنظار القوى الكبرى، خصوصاً مع تسارع ذوبان الجليد بفعل التغيّر المناخي، وما يرافقه من فتح طرق بحرية جديدة وتحوّلات جيواستراتيجية في القطب الشمالي.
لكن غرينلاند ليست مجرد ورقة سياسية أو خزان موارد، بل مساحة تتقاطع فيها الطبيعة القاسية مع التاريخ الإنساني. وهي ليست خضراء تماماً لأن الجليد يغطى 85 في المئة من مساحتها البالغة 2.6 مليون كيلومتر مربع. لكنها ليست كذبة كاملة أيضاً فإريك الأحمر سمّاها “الأرض الخضراء” في خطوة أقرب إلى التسويق منها إلى الوصف، مستفيداً من مناخ كان آنذاك أقل برودة، ومن مروج جنوبية صالحة للعيش.
من الأساطير عن “الفايكينغز”، إلى الجليد الذي يذوب اليوم، تظل غرينلاند جزيرة صامتة، لكنها تقول الكثير لمن يُحسن الإصغاء، وهي مثال حي عن قدرة الإنسان على التكيّف، وعن هشاشة هذا التكيّف حين تتغيّر الطبيعة، وحين تتحوّل الجغرافيا إلى سياسة. ولطالما كانت “غرينلاند “، الجزيرة الشاسعة بين المحيط الأطلسي والشمال القطبي، منطقة تثير الاهتمام الدولي، ليس فقط لجمالها الجليدي، بل لموقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الوفيرة. ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب عن رغبته في ضمها للولايات المتحدة، أصبحت هذه الجزيرة الصغيرة محور جدل سياسي واسع بين واشنطن وكوبنهاغن، وأثارت توتراً بين الولايات المتحدة وأوروبا.
من الناحية الأميركية، يمكن فهم طموح ترامب، على الأقل من منظور استراتيجي، إذ تقع “غرينلاند” في موقع حساس عسكرياً، وهي بوابة للنفوذ الأميركي في القطب الشمالي، في مواجهة روسيا والصين. علاوة على ذلك، تزخر الجزيرة بالمعادن النادرة والموارد الطبيعية التي تزداد أهميتها عالمياً مع التحولات التكنولوجية. ترامب، كما هو معروف عن سياسته، يحب “الصفقات الكبرى” التي تعزز من صورته، وصورة الولايات المتحدة قوة لا تقهر، سواء داخلياً وخارجياً، ولهذا جاءت فكرة شراء “غرينلاند” وكأنها إعادة لتاريخ الولايات المتحدة في شراء الأراضي الكبرى، مثل لويزيانا وألاسكا.
لكن المشكلة الحقيقية ليست مجرد حسابات استراتيجية أو اقتصادية. الحقيقة هي أن “غرينلاند” ليست ملكاً لأي شخص يمكنه “شراؤها”، وتمتعها بحكم ذاتي يعني أن وسكانها لديهم إرادة قوية في تقرير مستقبلهم بأنفسهم. معظم الغرينلانديين لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة، ويرون أن هويتهم وسيادتهم لا تُقاس بأي ثمن. ومن هنا يأتي الرفض الدنماركي القاطع لأي حديث عن البيع أو الضم، مع تأكيد أن “غرينلاند” ليست للبيع.
أما على المستوى الأوروبي والدولي، فقد أحدثت تصريحات ترامب صدمة حقيقية، ليس فقط للدنمارك، ولكن للحلفاء الأوروبيين جميعاً. فهي تهدد مبادئ التعاون والتحالف التقليدية، وتفتح الباب لتوترات مستقبلية حول السيادة وحق تقرير المصير. ولم يكن رد الفعل الأوروبي غائباً، فقد سعت فرنسا وكندا لتعزيز تواجدها في المنطقة، في خطوة واضحة لدعم كوبنهاغن والحفاظ على استقرار الجزيرة.
في النهاية، ما نراه هو تصادم بين استراتيجية القوة من جهة وحق تقرير المصير من جهة أخرى. ترامب يرى “غرينلاند: فرصة لتوسيع النفوذ الأميركي وتحقيق إنجاز تاريخي، بينما الدنمارك والغرينلانديون يصرون على أن السيادة لا تُشترى ولا تُباع. وهنا يكمن الدرس السياسي الأهم: القوة العسكرية أو الاقتصادية لا يمكن أن تتجاوز إرادة الشعوب، ولا يمكن لأي دولة أن تتجاهل القانون الدولي والسيادة إذا أرادت الحفاظ على علاقات متوازنة ومستقرة.
من زاوية رأي شخصية، أرى أن تصرفات ترامب حول “غرينلاند” كشفت مرة أخرى محدودية التفكير الأحادي في السياسة الدولية، لأن “غرينلاند” ليست مجرد قطعة أرض على الخريطة، بل رمز للسيادة، للهوية، ولحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن يريد أن يسيطر عليها بالقوة أو الشراء، لن يواجه فقط إرادة شعبها، بل سيجد نفسه في مواجهة حلفاء لا يقبلون تجاوز القوانين أو الأعراف الدبلوماسية، وهذا ما يجعل قضية “غرينلاند” مثالاً صارخاً على أن السياسة الدولية اليوم لا تُبنى على أحلام فردية، مهما كانت قوة صاحبها، بل على الاحترام المتبادل للقانون، والشراكة، والاعتراف بحقوق الآخرين.
