فوائد كأس إفريقيا على المغرب

هل اقتصاد كرة القدم سيكون محركا فاعلا للنمو؟

ساهمت تظاهرة كأس الأمم الإفريقية التي استضافها المغرب من 21 ديسمبر /كانون الأول 2025 إلى 18 يناير/ كانون الثاني 2026، في تسويق صورة إيجابية عن المغرب، والتعريف به في مختلف بقاع العالم، وذلك بفضل التنظيم المحكم لهذه التظاهرة والأجواء الرياضية المهنية والاحترافية التي جرت فيها المباريات، وقبل هذا جودة الملاعب التي لم تتأثر بالأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب طيلة تنظيم التظاهرة، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على السياحة بالبلد التي ارتفعت نسبتها بشكل مهم، وفي خلق الرواج الاقتصادي والتجاري، وتوفير فرص عمل مباشرة لعشرات الآلاف من الشباب، حيث تجاوز عدد المشاركين في التنظيم 25 ألف شاب، وفوق هذا خلق أجواء البهجة والفرح بين المغاربة وبين الجماهير التي حجت إلى  المغرب من أجل مشاهدة المباريات وزيارة هذا البلد الإفريقي، الذي يشهد الكل بتقدمه وتميزه عن غيره من البلدان الأخرى. إلا أن الأثر الأكبر للبطولة قد لا يظهر فورا، بل سيظهر لاحقا من خلال تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في قدرة المغرب على إدارة مشاريع كبرى، وهو ما يشكل عنصرا أساسيا في الاستعداد لاحتضان كأس العالم لعام 2030.

أرباح المغرب

إن تنظيم المغرب لهذه التظاهرة سيعود عليه بفوائد كثيرة مباشرة وملموسة وأخرى غير مباشرة يمكن الوقوف عليها مستقبلا، خاصة أن المغرب مقبل أيضا على تنظيم تظاهرات رياضية أخرى وعلى رأسها كأس العالم التي سيستضيفها المغرب في عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، فحسب معطيات رسمية صادرة عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “الكاف”، يُتوقع أن يبلغ إجمالي إيرادات السنة المالية لهذه الدورة 2025-2026 نحو 3.1 مليارات درهم مغربي (312.8 مليون دولار)، أي بزيادة تقارب 88% مقارنة بدورة 2023-2024، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي على ارتفاع مداخيل حقوق البث والإعلانات والرعاية التي خصصها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، والتي من المرتقب أن تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 112.84 مليون دولار، حيث سيحصل المغرب على حوالي 20 في المئة منها، كما ينتظر أن تتجاوز عائدات النقل التلفزيوني والإعلانات المرتبطة بالمباريات 22.5 مليون دولار، هذا ناهيك عن تدفق إنفاق الجماهير والبعثات الرسمية، والعائدات الضريبية المرتبطة بالنقل والإيواء والمطاعم والخدمات، والتي تقدر بإنفاق يتراوح بين 450 مليون دولار و1.2 مليار دولار، وذلك عن زائرين للمغرب يتراوح عددهم بين 500 ألف ومليون زائر أجنبي خلال فترة البطولة، وهذا ما يعزز الجدوى الاقتصادية للبطولة ويؤكد دورها كرافعة مالية ودعامة أساسية للدبلوماسية الرياضية والاقتصاد الوطني.

بشكل عام، إن العائد المتوقع للمغرب من تنظيم هذه التظاهرة، حسب مجموعة من المصادر الدولية والعربية، سيكون في حدود 1.2 مليار دولار أي 12 مليار درهم مغربي، وذلك عما هو مباشر من بيع الأرباح وحقوق النقل التلفزيوني والتذاكر، وعما هو غير مباشر مثل السياحة والنقل والخدمات والرواج التجاري، وهو مبلغ لا يغطي حجم الإنفاق الذي خصصه المغرب لتهيئة المنشئات الاقتصادية والطرق والفضاءات وباقي المرافق ليكون جاهزا لاستضافة كأس إفريقيا، والتي تقدر بـ 5 مليار دولار، وهو ما يرى فيه المحللون الاقتصاديون خسارة للمغرب وليس ربحا، لأنه لجأ إلى الاقتراض بشكل كبير ما جعل ديون المغرب الخارجية تصل إلى 690 مليار درهم، وهو ما سيثقل كاهل المغرب وسيجعله يخضع لمخططات المؤسسات التي قدمت له تلك القروض. وبحكم عامل السرعة في الإنجاز لجأ المغرب إلى طلب جودة الخدمات من الخارج على حساب المقاولات بالداخل، وهو ما ساهم في إفلاس مجموعة من المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة، ورفع من نسبة البطالة، التي بلغت 13.1% خلال الربع الثالث من العام الماضي، والتي تعد الأكبر والأخطر في تاريخ المغرب، وهي النسبة الني كانت دون 10% قبل عام 2019، وذلك وفقا لبيانات رسمية حديثة للمندوبية السامية للتخطيط. وهو ما سيدفع إلى التساؤل عن حقيقة الرهان على اقتصاد الرياضة وتحديدا كرة القدم في المغرب، التي يقول عنها فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المنتدب المسؤول عن الميزانية المغربية في الحكومة الحالية، إنها “تجاوزت كونها مجرد مباريات أو بطولات قصيرة، لتصبح رافعة تنموية واجتماعية حقيقية، خاصة للشباب، وأن العمل الجاري في هذا المجال يُسهم في بناء منظومة متكاملة ترتبط بكافة أوجه التطوير الرياضي والاقتصادي والاجتماعي”.

فهل اقتصاد كرة القدم بالمغرب سيكون محركا للنمو؟ وهل استفادت كل المجالات، ومن ضمنها الثقافة والفنون، من هذه التظاهرات الرياضية؟ وهل تم الاهتمام بكل الأبعاد الثقافية والفنية لتسويق صورة المغرب، أم تم التركيز فقط على الجوانب السياحية والخدماتية، وظلت الثقافة والفن في ذيل الترتيب؟ 

عبء الديون والبطالة

فإذا كانت تظاهرة كأس الأمم الإفريقية والتنظيم المحكم لها والظروف الجيدة التي مرت بها رغم الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب، والتي لم تؤثر على الملاعب وجودتها ولم تعمل على تأجيل أي مباراة، لها الكثير من الفوائد والإيجابيات التي تعود على المغرب بالنفع، وعلى رأسها صورة البلد بالخارج، والتي تحسنت بكثير، وجعلت المغرب قبلة للعديد من السياح، حيث ارتفع عدد السياح الذين زاروا المغرب لمشاهدة المباريات والاستمتاع في المغرب، فإن لها وجها آخر سلبيا سبق أن نبه إليه شباب “جيل زيد” الذين سبق لهم التحرك عبر مظاهرات ومسيرات احتجاجية في مختلف المدن المغربية، منددين بالفساد ومطالبين بتحسين الخدمات في قطاعات أساسية على رأسها الصحة والتعليم، كما رفعوا شعارات تطالب بالمستشفيات قبل الملاعب، في إشارة إلى الأموال التي أنفقها المغرب في بناء الملاعب وتجهيز الفضاءات الرياضية لاستضافة كأس إفريقيا وكأس العالم، حيث توقع المغاربة أن كأس إفريقيا ستخلق مناصب جديدة للشغل، في حين نجد أن الحكومة تقترض نصف مليار دولار لإنعاش فرص التشغيل بالمغرب، وهي مفارقة كبيرة يقول بشأنها أيوب الرضواني، الباحث المغربي في السياسات العمومية وفي الاقتصاد السياسي لمجلة “الحصاد”، بأنها ستخنق المغرب بكثرة المديونية، وستؤدي إلى الاحتقان السياسي والاجتماعي، حيث يقول بأن الاقتصاد الرياضي لديه منافع كثيرة مباشرة وغير مباشرة تعود على البلد بشكل إيجابي وتحرك عجلة الاقتصاد في السياحة والخدمات والنقل والرواج داخل البلد، خاصة في المدن الستة التي احتضنت مباريات هذه التظاهرة: الرباط والدارالبيضاء وطنجة ومراكش وأكادير وفاس، إلى جانب الصورة الإيجابية للمغرب في الخارج والسمعة والقيمة التي تحصل عليها من تنظيمه المحكم لهذه التظاهرة، ومن جودة الملاعب وانبهار الكل بها، وهو ما ساهم وسيساهم في التخفيف من الشعور بالأزمة، بسبب الكوارث والفيضانات التي عاشها المغرب بالموازاة مع تنظيمه لكأس إفريقيا.

 ولكن ما سيخسره المغرب، كما يقول فهو أن “القروض الخارجية التي لجأ إليها والبناء بسرعة، سيحمل الاقتصاد المغربي ما فوق طاقته، وستكون له الكثير من الآثار الجانبية، من بينها ارتفاع البطالة، وتنحية الفاعلين الاقتصاديين المحليين، وبالتالي فبعد 2030  لن يكون هناك فقط العبء المادي المباشر لهذه القروض وتكبيلها للاقتصاد، ولكن العبء غير المباشر، وهو أن المنظمات الاقتصادية التي أعطته تلك القروض، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ستضاعف من فرض سياساتها على البلد، وهي سياسات غير اجتماعية، مثل رفع اليد عن الصحة والتعليم وتقليل التوظيف، وهذا ما بتنا نشاهده، وهذا بالطبع ستكون له انعكاسات وخيمة على الجانب الاجتماعي، وسيفاقم من هشاشة المواطن، ولن يكون لديه ادخار، وسيزيد من قتامة وضعية  صناديق التقاعد”.

أعلى معدل للبطالة

ويضيف الرضواني، المتابع الدقيق للسياسات العمومية بالمغرب ولمختلف المشاريع الاقتصادية، بأنه حينما تقوم الدولة بفرض إيقاع مرتفع من الاستثمارات وتفتح مجموعة من الأوراش التي لا تتعلق مباشرة بالمونديال، من مثل القطار الفائق السرعة الرابط بين مراكش والرباط لتسهيل تنقل المشجعين بسلاسة بين هذه المدن خلال كأس العالم، والذي بلغت تكلفته 96 مليار درهم، فإنها لا تفكر في الاستفادة البعدية لكل هذا، خاصة أن هذا القطار مثلا سيكون مجديا فقط خلال تنظيم المباريات، لأن الطريق الرابط بين مراكش والرباط ليس بها الرواج الاقتصادي مثل طنجة الرباط والدارالبيضاء، المعروفة بالصناعة المتحركة. فمراكش معروفة برواجها السياحي بالأساس، وهي تحقق اكتفاءها من دون حاجة إلى ذلك القطار. هذا إلى جانب أن هذه المشاريع، كما يوضح “تذر الربح على فاعلين اقتصاديين محدودين في مجال البناء والتأمين والأبناك، وعلى شركات أجنبية يلجأ إليها المغرب لتوفير المشاريع الاقتصادية بالسرعة والجودة المطلوبة، وهو ما يقصي عشرات الآلاف من المقاولات الصغيرة والمتوسطة بالمغرب من العمل في المشاريع الاقتصادية الوطنية، وما سيسرع بإفلاسها وتسريح أعداد كبيرة من الأجراء، وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة”.

ويضيف الرضواني أنه في الخمس السنوات الأخيرة والمغرب في قمة إنجاز هذه المشاريع، تم تسجيل أعلى معدل للبطالة في تاريخه، وهذه مفارقة عجيبة ولكنها بمنظور التحليل العميق فهي “نتيجة منطقية لهذا الاقتصاد القائم على صناعة ما بالداخل باستيراد ما بالخارج، وهذا فيه إقصاء للمقاولين الصغار المغاربة. ما يبدو هو أن الأوراش الكبرى على مستوى النمو الاقتصادي بالمغرب تظهر على أنها متحركة، ولكن على مستوى التنمية ستنقص لأن الاستفادة مما يصرف عليها ستكون على نطاق ضيق، وليس على نطاق واسع”. وهذا ما عبر عنه عبد الله الفركي رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، الذي أشار إلى المنافسة الشرسة التي ستعرفها المقاولات الصغرى من الشركات الكبرى، التي ستستحوذ على أغلب الطلبيات، وهو ما جعل الحلم بكون هذه التظاهرات ستكون “طوق نجاة” للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب، بعد سلسلة من الأزمات المرتبطة والمتلاحقة بـأزمة “كوفيد-19” والتضخم والجفاف، مجرد سراب.

الجانب الثقافي المغيب

في الوقت الذي تم فيه الاهتمام بالسياحة والجانب الخدماتي من نقل وفندقة ومطعمة، وبعض المنتوجات المغربية التقليدية من خلال تعاونيات وجمعيات تعرض منتوجاتها في أهم الشوارع لمختلف المدن المحتضنة لمباريات كأس إفريقيا، فإن الجانب الثقافي والفني ظل مغيبا، باستثناء الأغاني المخصصة لكأس إفريقيا، والتي كلف بها المنتج العالمي ريودان (RedOne)، والذي أشرك في ألبومه الذي ضم 12 أغنية، فنانين مغاربة وأجانب، وبعض الحفلات تجمع بين نجوم الموسيقى الإفريقية والعالمية في الفضاءات المخصصة للمشجعين المعروفة بـ “فان زون”، وذلك في أوقات الراحة التي لا تكون فيها مباريات، وظلت بالتالي مختلف البنايات الثقافية الكبيرة التي استثمر فيها المغرب من مثل المسرحين الكبيرين بكل من الدارالبيضاء والرباط، فارغين، ولم يحتضنا أي نشاط بهذه المناسبة ولا بغيرها، وهو ما يطرح سؤال جدوى هذه الفضاءات إذا لم تستخدم في مثل هذه التظاهرات الكبرى.

وبهذا الشكل فإن الوجه الثقافي والفني للمغرب، الذي كان يمكن أن يشكل إضافة مهمة لهذه التظاهرة، ويعزز صورة المغرب ويساهم في الكشف عما يزخر به البلد في مختلف المجالات، قد ظل غائبا رغم أهميته ورغم سؤال مجموعة من المشجعين عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل عل عدم إشراك وزارة الثقافة ولا المؤسسات الثقافية والفنية بالمغرب في الإسهام في هذه التظاهرة الكروية. وهو ما يؤكده الفاعل المسرحي المغربي الحسن النفالي، الرئيس الأسبق للنقابة المغربية لمحترفي المسرح، لمجلة “الحصاد”، ويقول بأنه “خلال هذه للتظاهرة تم التركيز على السياحة والفندقة والمطعمة والصناعات التقليدية وغيرها من الأمور المتعلقة بالخدمات والرواد التجاري والاقتصادي، وتم إغفال الجانبين الثقافي والفني على الرغم من أهميتهما في إعطاء صورة مكتملة عن المغرب، وهي الصورة التي يطلبها السياح العرب والأفارقة من زوار المغرب في هذه القترة، حيث كان من الأجدى أن تكون هناك برمجة ثقافية وفنية موازية لهذه التظاهرة الرياضية، وذلك من مثل برنامج “نوستالجيا” المتعلق بمسرحة المواقع الأثرية، الذي كان يمكن أن تقدم عروضه الفنية في المدن الستة التي نظمت بها المباريات، خاصة وأنها تعرف بجوانب تاريخية وفنية عن المغرب. هذا ناهيك عن مسارحنا الكبيرة التي كان يجب ألا تظل فارغة، وأن يتم التنسيق بين الجامعة الملكية لكرة القدم ووزارة الثقافة من أجل تنظيم أنشطة مرتبطة بتظاهرة كأس إفريقيا، لتعريف الأجانب بجوانب مهمة من تاريخنا وثقافتنا وموسيقانا وعروضنا المسرحية، وتقديم على الأقل عشرة عروض، إلى جانب التعريف بالفكاهة المغربية”.

ويضيف النفالي بأن الجمهور الذي يحضر لمشاهدة المباريات يبحث في الوقت نفسه عن أشياء موازية للمشاهدة بالليل، من مثل معارض الفنون التشكيلية والعروض السينمائية والمسرحية، والتي كان من الممكن أن تركز على البعد الإفريقي لهذه التظاهرة القارية، ولكن للأسف لم يتم الاهتمام بهذا الجانب الفني والثقافي، ولم يتم التفكير على هذا البعد رغم أهميته ودوره في التعريف بالخصوصية المغربية شأنه شأن الطبخ المغربي واللباس المغربي لتقليدي، الذي يذهب جمهور الكرة الأجنبي للبحث عنه في الأسواق الشعبية المغربية، كساحة جامع الفنا بمراكش وباب الأحد بالرباط والمدينة القديمة بفاس، وسوق الأحد بأكادير وغيرها من المناطق.