كيف سيغير مرشح “نخبة الممثلين” وجه الاقتصاد العالمي؟

هندسة “الجمهورية الثالثة” لـ”الفيدرالي”: كيفن وورش وظلّ ترمب الثقيل

بينما تستعد واشنطن لاستقبال ربيع عام 2026، يبدو أن رياح التغيير التي تهب من البيت الأبيض لم تكتفِ بتغيير الوجوه السياسية، بل وصلت إلى عتبة مبنى “إكليس”، المقر الحصين لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. في هذا التوقيت الحرج، وبينما يترقب العالم رحيل جيروم باول في مايو (أيار) المقبل، تبرز تسمية كيفن وورش كأهم حدث اقتصادي في العقد الحالي. فنحن لا نتحدث عن مجرد إجراء إداري لملء منصب شاغر، بل عن “بيان سياسي” يعلن نهاية حقبة “الاستقلال التقني” وبداية عصر “السيادة النقدية الموجهة”. إن اختيار وورش هو محاولة جريئة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين أقوى بنك مركزي في العالم وبين السلطة التنفيذية، في لحظة تتشابك فيها طموحات التكنولوجيا مع صراعات النفوذ السياسي.

ميراث باول

قبل أن نفتح ملف “عهد” وورش المرتقب، لا بد من قراءة المشهد الذي يتركه جيروم باول خلفه. لقد كانت سنوات باول مزيجاً من التحديات الوجودية؛ من شلل جائحة كورونا إلى انفجار التضخم الذي لم تشهده أميركا منذ عهد بول فولكر. لكن معاناته الحقيقية لم تكن في لغة الأرقام فحسب، بل في “حرب الاستنزاف” الأخلافية والمؤسسية.

قبل أن يغادر موقعه، تحول باول إلى رمز للمقاومة المؤسسية، خاصة بعد أن وصلت الضغوط إلى ذروتها بتحقيقات وزارة العدل حول ملفات ترميم مقر الاحتياطي الفيدرالي وتكلفة هذه العملية التي تبلغ حوالي 2.5 مليار دولار، وشهاداته أمام الكونغرس. لقد كان واضحاً أن البيت الأبيض يريد تجريد باول من حصانته المعنوية قبل انتهاء ولايته. يغادر باول وهو يحاول حماية “قدسية القرار المستقل”، لكنه يترك خلفه مؤسسة منهكة ومنقسمة، تترقب رئيساً جديداً لا يرى في هذا الاستقلال “حصانة”، بل يراه أحياناً “عائقاً” أمام رؤية اقتصادية توسعية لا تقبل التأجيل.

أيام “مظلمة”

لكي نفهم من هو كيفن وورش، يجب أن نعود إلى خريف عام 2008، اللحظة التي وصفها هو نفسه بأنها تركت “ندوباً” لا تمحى في مسيرته. في تلك الأيام المظلمة، كان وورش، المحافظ الشاب الذي لم يتجاوز الـ38 من عمره، يقف في الخطوط الأمامية للمواجهة مع أكبر تهديد للنظام الرأسمالي منذ الكساد العظيم. لم يكن دوره أكاديمياً، بل كان قناة حيوية تربط بين البنك المركزي وجدران وول ستريت المتداعية.

في وقت كان فيه زملاؤه يغرقون في المعادلات، كان وورش يتنقل بين مكاتب “غولدمان ساكس” و”مورغان ستانلي”، مستخدماً خبرته السابقة كمصرفي استثماري لفك شفرات الذعر المالي.

يروي النائب السباق لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، دون كوهن، كيف كان وورش يمتلك قدرة فذة على “تمييز الحقيقة من الخداع”؛ كان يعرف متى يدافع عمالقة المال عن محافظهم الاستثمارية ومتى يقدمون معلومات حقيقية تخدم الاستقرار العام، وفق ما ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز”. هذه القدرة على الصمود في وجه “تسونامي” الانهيارات المالية هي التي جعلت شخصيات مثل لويد بلانكفين تصفه بـ “الثابت في لحظات الفوضى”.

لا يدخل وورش الاحتياطي الفيدرالي كمنظّر، بل كـ “جندي مخضرم” نجا من أعنف أزمة مالية في العصر الحديث، وهذا الإرث هو ما يمنحه المصداقية لدى الأسواق اليوم في مواجهة تقلبات عام 2026.

هذه الخبرة الميدانية، الممزوجة بشبكة علاقات أخطبوطية مع النخبة الجمهورية – تعززت بمصاهرته لعائلة لودر الثرية والمقربة من ترمب – جعلت منه المرشح الذي يصفه الرئيس بأنه قادم من “نخبة الممثلين”.

فلسفة “النمو الذكي”

في قلب الرؤية التي يحملها وورش، تكمن فرضية اقتصادية جريئة قد تنسف القواعد التقليدية للسياسة النقدية: وهي إمكانية تحقيق “نمو هائل دون ألم تضخمي”. بالتعاون مع عقول استثمارية فذة مثل ستانلي دروكنميلر، يتبنى وورش وجهة نظر ترى أننا نعيش عصر “ثورة الإنتاجية الثانية”. يعتقد وورش أن “الدوغما” التقليدية للاحتياطي الفيدرالي، التي تخشى من زيادة أجور العمال وتعتبرها وقوداً للتضخم، هي فكرة بائدة تنتمي إلى عصر الصناعات التقليدية.

بالنسبة لوورش، فإن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد صيحة تقنية، بل هو القوة التي ستمكن الاقتصاد من النمو بمعدلات مرتفعة دون أن يؤدي ذلك إلى اشتعال الأسعار. هو يرفض “الدوغما” التقليدية التي تعاقب العمال حين تزيد أجورهم عبر رفع الفائدة، ويرى أن التضخم هو نتاج “سوء إدارة الموازنة” لا “ازدهار المعيشة”. هذا المنطق هو الجسر الذي يربط بينه وبين طموحات ترمب الذي يريد فائدة منخفضة (عند مستوى 1 في المائة أو أقل) لتحفيز “النهضة الصناعية” الأميركية.

معركة الميزانية العمومية

بينما يبدو وورش “حمائمياً” في رغبته بخفض الفائدة لترسيخ النمو، إلا أنه يخفي “صقراً” جارحاً فيما يخص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي. فوورش ليس مجرد منتقد عادي لبرامج شراء السندات (التيسير الكمي)، بل هو الرجل الذي استقال من منصبه في الاحتياطي الفيدرالي في 2011 احتجاجاً على توسع هذه البرامج، واصفاً إياها بأنها “أخطاء منهجية” تشوه آليات السوق الحر وتجعل من الاحتياطي الفيدرالي “مشترياً لكل شيء”.

مشروع وورش الإصلاحي يهدف إلى “تقليص جذري وسريع” لحجم الميزانية العمومية، وإعادة الاحتياطي الفيدرالي إلى دوره التاريخي كـ”مقرض ملاذ أخير” فقط بدلاً من كونه “لاعباً مهيمناً” في سوق السندات.

هذا التوجه يثير قلقاً لدى خبراء الاقتصاد؛ فمن الناحية التقنية، فإن سحب السيولة عبر بيع السندات يؤدي عادة إلى رفع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، وهو ما يتناقض ظاهرياً مع رغبة ترمب في خفض الفائدة.

وهنا تكمن “المخاطرة الكبرى”: فهل يمكن لوورش أن يقلص حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي دون أن يتسبب في جفاف السيولة في الأسواق أو رفع تكلفة ديون الحكومة الأميركية الهائلة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كان عهده سيكون عهد استقرار أم عهد تقلبات عنيفة.

زلزال “اتفاقية 1951”

الأمر الأكثر إثارة للجدل، والذي سيكون محور نقاشات، هو دعوة وورش الصريحة إلى مراجعة “اتفاقية الخزانة والفيدرالي لعام 1951”. ولمن لا يعرف التاريخ، فإن هذه الاتفاقية هي التي منحت البنك المركزي الأميركي “سيادته” واستقلاليته عن رغبات السياسيين في تمويل العجز الحكومي عبر طباعة الأموال.

وورش، الذي ينسجم في تفكيره مع وزير الخزانة سكوت بيسنت ويتناغم مع إيلون ماسك، يرى أن “الاستقلالية” تحوّلت إلى “عزلة برجية” جعلت الفيدرالي يخطئ في تقدير التضخم وينشغل بقضايا اجتماعية وبيئية خارج نطاق تفويضه.

هو يريد “تنسيقاً أوثق”، أو ما يسميه البعض “تسييساً ناعماً” بين الطرفين المالي والنقدي، لضمان أن السياسة النقدية تخدم الأهداف الاستراتيجية الكبرى للدولة، سواء في مواجهة الصين تكنولوجياً أو في تعزيز القاعدة الصناعية المحلية.

هذا التحول يعني عملياً أن الاحتياطي الفيدرالي قد يصبح في عهد وورش أقرب إلى “وزارة فنية” تنفذ الرؤية الاقتصادية للبيت الأبيض، وهو ما يراه التقليديون تهديداً مباشراً لمكانة الدولار كعملة احتياط عالمية تعتمد قيمتها على استقلالية مُصدرها.

ممر مجلس الشيوخ الضيق

رغم أن الحزب الجمهوري يسيطر على مجلس الشيوخ، إلا أن طريق وورش نحو الكرسي في مايو (أيار) المقبل لن يكون نزهة. ففي شهر مارس، تشتعل جلسات الاستماع، حيث يواجه وورش جبهة عريضة من المتشككين. الديمقراطيون، بقيادة إليزابيث وارن، يرون فيه “حصان طروادة” الذي سيسلم مفاتيح الاقتصاد لترمب، بينما يخشى بعض الجمهوريين “المؤسسيين” من أن تؤدي أفكاره الراديكالية حول الميزانية العمومية إلى زعزعة استقرار سوق السندات السيادية.

وورش، بذكائه المعهود، لا يدافع عن نفسه كأداة سياسية، بل كـ “مصلح مؤسسي” جاء لإنقاذ الاحتياطي الفيدرالي من “أخطاء الخمسين عاماً الماضية”. هو يعلم أن مهمته ليست فقط إدارة الفائدة، بل “إعادة تسويق” الفيدرالي للشعب الأميركي كمؤسسة تخدم “نمو الأجور الحقيقي” لا “أرباح القطاع المالي” فحسب. إن قدرته على المناورة في هذه الجلسات ستكون الاختبار الأول لـ “الغرافيتاس” أو الرزانة القيادية التي يتباهى بها أنصاره.

فجر “الجمهورية النقدية الثالثة

نقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز حدود الولايات المتحدة ليصل إلى كل مصرف مركزي في العالم مرتبطة عملته بالدولار. إذا نجح كيفن وورش في الوصول إلى الكرسي وتنفيذ رؤيته، فإننا بصدد ولادة “النسخة الثالثة” من الاحتياطي الفيدرالي؛ نسخة أكثر ديناميكية، أقل انعزالاً، وأكثر جرأة في ملاحقة النمو.

التحدي الحقيقي الذي سيواجهه وورش ليس في إقناع ترمب، بل في إقناع “الأسواق” بأن التخلي عن الاستقلال التقليدي لن يؤدي إلى كارثة تضخمية مستقبلاً. إن الرهان على الذكاء الاصطناعي لإنقاذ الاقتصاد من التضخم هو مقامرة كبرى؛ فإذا صدقت توقعات وورش، سيُذكر كأعظم رئيس للاحتياطي الفيدرالي منذ عقود، وإذا أخطأت، فسيكون الرجل الذي شهد في عهده اهتزاز أركان النظام المالي العالمي.

بحلول مايو المقبل، سيبدأ هذا الفصل الجديد رسمياً، ولكن السطور الأولى لهذا التحول ستكتب في ردهات الكابيتول هيل، حيث يتقرر مصير “الاستقلال النقدي” في مهب رياح التغيير الترامبية. العالم لا يراقب فقط أسعار الفائدة، بل يراقب “جوهر السيادة” في عصر الاقتصاد الرقمي والسياسة العنيفة.