Home / رأي / شباك مفتوح / كيف لأمة العرب إثبات وجودها؟

كيف لأمة العرب إثبات وجودها؟

أستعير هذا العنوان من افتتاحية العدد الماضي من “الحصاد” بقلم رئيسة التحرير. أثارني العنوان لكثرة ما في حياتنا العربية هذه الأيام من الألم وخيبات الأمل. وهناكلحظات في تاريخ الأمم لا يكون فيها الألم وليد الهزيمة، بل وليد المقارنة بين ما كان مأمولًا وما آل إليه الواقع، عندها تصبح خيبة الأمل أشد قسوة من الخسارة نفسها، لأنها تنشأ من إدراكٍ عميق بأن الطريق كان يمكن أن يقود إلى غاية أخرى، ولا يتخذ هذا الوجه المثقل بالانكسارات.

هكذا يبدو المشهد العربي اليوم. ليس لأنه يخلو من مظاهر النجاح، ولا لأن كل شيء فيه قد انهار، بل لأن المسافة بين الإمكانات الهائلة والنتائج المتواضعة أصبحت أكبر من أن تُتجاهل. فمنطقة تمتلك من الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، والطاقات البشرية، والإرث الحضاري ما يؤهلها لأن تكون بين أكثر مناطق العالم تأثيراً تجد نفسها، في كثير من الأحيان، منشغلة بإدارة أزماتها بدل صناعة مستقبلها.

كان الحلم العربي يوماً مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً. كان يقوم على فكرة أن الإنسان العربي يستحق حياةً تليق بكرامته، وأن العلم طريق التحرر، وأن العدالة أساس الاستقرار، وأن التعاون بين الأشقاء ليس ترفاً، بل ضرورة تمليها الجغرافيا والتاريخ والمصير. غير أن هذا الحلم أخذ يتآكل بصمت، حتى أصبح كثيرون يتعاملون معه كما يتعامل الناس مع الحكايات القديمة، يستحضرونها بحنين، لكنهم لا يتوقعون عودتها.

ما أكثر الشعارات التي رفعت، وما أقل ما تحقق منها. امتلأت الساحات بالكلمات الكبيرة، بينما بقيت حياة الإنسان العادي مثقلةً بالهموم الصغيرة؛ يبحث عن وظيفة تحفظ كرامته، وعن مدرسة تمنح أبناءه مستقبلاً أفضل، وعن مستشفى يداوي ألمه، وعن وطن يشعر فيه أن القانون يحميه، وأن جهده لا يضيع سدى. وما أشد مرارة الشعوب حين تكتشف أن أبسط حقوقها قد أصبحت أحلاماً مؤجلة.

ولعل أكثر ما يثير الأسى أن العالم لم ينتظر أحداً بينما كانت أمم كثيرة تراجع أخطاءها، وتستثمر في العلم، وتفتح أبواب المستقبل أمام شبابها، كانت أجزاء من العالم العربي تستنزف أعمارها في نزاعات لا غالب فيها ولا مغلوب، لأن الجميع يخرج منها خاسراً؛ الإنسان أولًا، ثم الأرض، ثم الذاكرة، ثم المستقبل.

أي مفارقة هذه؟ في زمنٍ يتحدث فيه العالم عن الذكاء الاصطناعي، واستيطان الفضاء، والاقتصاد الرقمي، والثورات الطبية، لا يزال العربي في أماكن كثيرة يسأل عن حقه في الأمن، أو في الكهرباء، أو في الماء، أو في التعليم، أو في لقمة العيش. وليس في ذلك انتقاص من شعبٍ أو دولة، بل وصفٌ لواقعٍ مؤلم يستدعي التفكير الجاد في أسبابه وكيفية تجاوزه.

وليس أشد وجعاً من أن تتحول الهجرة، في وجدان الشباب، من خيار إلى خلاص. حين يصبح الوطن محطةً للمغادرة لا للمستقبل، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد المسافرين، بل بعدد الأحلام التي غادرت معهم. إن العقول لا تهاجر لأنها فقدت حب أوطانها، وإنما لأنها تبحث عن بيئة تؤمن بأن المعرفة قيمة، وأن الكفاءة تستحق الفرصة، وأن الإبداع يجد من يحتضنه. ثم جاءت الثورة الرقمية لتكشف الفارق أكثر فأكثر. صار الشاب العربي يرى العالم كله على شاشة صغيرة، يقارن بين ما يعيشه وما يعيشه غيره، بين مجتمعات تبني المستقبل بثقة، وأخرى لا تزال أسيرة خلافات الأمس. ومن هنا تضاعفت خيبة الأمل، لأن المعرفة لم تعد حكراً على أحد، ولأن المقارنة أصبحت يومية، وصريحة، ولا تعرف المجاملة.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الظلام ليس كاملًا. ففي العالم العربي مدن تنهض، وجامعات تتقدم، وشباب يبتكرون، وعلماء يحققون إنجازات، ومؤسسات تعمل بصمت لتصنع فارقاً حقيقياً هذه النماذج تؤكد أن المشكلة ليست في الإنسان العربي، ولا في قدراته، بل في البيئة التي تفتح له الأبواب أو تغلقها، وفي الإدارة التي تبني أو تهدم، وفي الرؤية التي تستشرف المستقبل، أو تبقى رهينة الماضي.

لقد علمتنا الحضارة أن الأمم لا تموت لأنها فقيرة، وإنما تموت حين تفقد الإيمان بقدرتها على النهوض. والخيبة، مهما بلغت، لا ينبغي أن تتحول إلى عقيدة. فالذين بنوا الحضارات لم يكونوا أكثر ذكاءً من غيرهم، وإنما كانوا أكثر إصراراً على التعلم، وأكثر قدرةً على الاعتراف بالأخطاء، وأكثر استعداداً لتغيير ما يجب تغييره.

العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى خطبٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى ضميرٍ جديد. ضمير يؤمن بأن قيمة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن التعليم ليس بندًاً في الموازنة بل مشروع وطن، وأن البحث العلمي ليس ترفاً بل شرطاً للبقاء، وأن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية يشعر بها المواطن قبل أن يقرأها في الدساتير.

وما أحوجنا إلى أن نتصالح مع الحقيقة، فالأمم التي تُخفي جراحها لا تشفى، والتي تكتفي بتجميل واقعها لا تتقدم. إن النقد الصادق ليس خيانة، كما أن الاعتراف بالتقصير ليس هزيمة، بل هو بداية الطريق نحو الإصلاح. وما من أمة استطاعت أن تنهض إلا بعد أن واجهت نفسها بشجاعة، واعترفت بأخطائها، ثم شرعت في إصلاحها دون مكابرة.

وربما يكون أجمل ما في التاريخ أنه لا يمنح أحداً حكمًا نهائيًاً، فالأمم التي نراها اليوم في مقدمة العالم مرت بعصور ضعف وانقسام، لكنها امتلكت الإرادة لتغيّر مسارها. وكذلك فإن الشعب العربية، مهما أثقلتها الجراح، لا تزال تملك أسباب النهوض إذا جعلت الإنسان محور التنمية، والعلم بوابة المستقبل، والعمل قيمةً لا شعاراً، والتعاون سبيلًا لا استثناءً.

ويبقى السؤال الذي يطرق ضمير كل عربي: هل نبقى نبكي على أطلال الحلم، أم نبدأ في إعادة بنائه حجراً فوق حجر؟ إن الأوطان لا يصنعها الحنين وحده، ولا تنهض بالدعاء وحده، ولا تحفظها الأمنيات وحدها، وإنما يبنيها الإنسان حين يؤمن بأن مستقبله يستحق الكفاح، وأن التاريخ لا يكتبه المتفرجون، بل أولئك الذين يمتلكون الشجاعة ليحولوا الألم إلى عمل، والخيبة إلى وعي، والوعي إلى نهضة.

لعل أكبر خيانة يمكن أن نرتكبها في حق الأجيال القادمة أن نورثها اليأس، وأعظم هدية يمكن أن نقدمها لها أن نورثها الإرادة. فالأمل ليس ترفاً عاطفياً بل قراراً حضارياً، والنهضة ليست معجزة، بل ثمرة سنوات طويلة من الصدق والعمل والإخلاص. وما دام في هذه الأمة عقل يفكر، وقلب يحب، وإنسان يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أجمل من الأمس، فإن الحلم العربي، مهما طال غيابه، لن يموت