«لست شجرة»: عندما يصبح المجاز سلاحًا طائفيًّا


«If you don’t like where you are, move. You are not a tree»، عبارة للمتحدّث التحفيزي والكاتب الأمريكي «جيم رون-Jim Rohn». تحمل دلالة التحرّر، والانفتاح على الآخر، وعدم التعلّق بمكان واحد. فما دمت إنسانًا قادرًا على التنقّل، لا تجمّد نفسك كشجرة: «إن كان مكانك لا يعجبك، غادره. فأنت لست شجرة».

تبدو العبارة مألوفة بدلالتها لأي قارئ، باستثناء السوري. لأنّ العبارة المروّج لها في سوريا الأمويّة نسخة 2026، تحمل انزياحًا سيميائيًّا مشوّهًا، قلَبَ الدلالة من دعوة للتغيير والانفتاح، إلى دعوة طائفية للتجويع والقتل الصامت.


ففي أواخر أيّار (مايو) 2026، انطلق ناشطون سوريون مجهولون بحملة على السوشال ميديا بعنوان: «لست شجرة». سرعان ما انتشر الهاشتاغ، مرفقًا مع تصميمات فوتوغرافية طائفية متنوعة، تدعو بمجملها إلى مقاطعة العَلويين. من أبرزها: «لا تحب| لا تصاحب| لا تتزوّج| ابتعد عن النساء النصيريات». «لا تصاحب عَلوي أو تبتسم بوجهه». «لا تلقِ على العَلويين التحية ولا تردّها وقاطعهم». «اذهب سياحة إلى مناطق السنّة لا إلى مناطق النصيرية». «لا تأكل لحم مذبوح من باطني نصيري». «لا تشتري خضار بيتك من متجر خضار عَلوي».

تباينت ردود الأفعال بين: ناشطين مروّجين يتبنّون هوية طائفية مفرّقة، لا وطنية جامعة. ومحايدين، من مبدأ «فخّار يكسّر بعضه»، جاهلين حجم الكارثة التي ستبتلع يومًا الجميع. ومستنكرين، رفضوها كليًّا. إضافة إلى ناشطين آخرين، ما زالوا يؤمنون بالهوية السورية الجامعة، فأطلقوا حملة مضادة تحت عنوان: «قاطعوا الطائفية».

 يعكس هذا الانزياح القاتل إعادة برمجة لوعي السوريين، تنذر بمزيد من الخراب والتفكيك، وخاصّة تلك الواقعة على وعي المراهقين والأطفال، على اعتبار أنّ الطفولة والمراهقة هما مرحلتا تشكُّل الهوية الأساسية: سيشعر الطفل/ المراهق العَلوي أنّه ملعون في وطنه، بينما سيؤمن الطفل/المراهق السنّي أنّ تجريم وإقصاء ومقاطعة الآخر هي الشروط التي تحقّق وطنيته. وبالتالي سيفشل الطرفان في تطوير التعاطف، وستنمو في المجتمع عقدة الجذور المشلولة. وبالتالي فإنّ أطفال ومراهقي اليوم، سيديرون مستقبلًا نظامًا من الإقصاء المتبادل، بدلًا من بناء وطن.

ورغم الكارثة، وما تلوّح به من عنف مستمر، ومستقبل مدمِّر، هناك صمت مطبق من الجهات الرسمية وإعلامها. ما يطرح تساؤلات نتشاركها مع مجموعة مثقّفين سوريين: من المسؤول عن هذه الحملات بشعاراتها الطائفية؟ وفي ظل غياب سلطة وطنية جامعة من المسؤول عن التفكيك السيميائي لتلك الشعارات من الوعي الجمعي، أم أصبح الخلاص فرديًّا، ويستحيل تفادي القادم الأسوأ؟

علياء أمينة أحمد (كاتبة وباحثة اجتماعية)

لا تقتصر المسؤولية عن هذه الحملات على من صمّم شعارات أو أطلق وسومًا تحمل خطاب كراهية، بل تمتد إلى المشاركين في إعادة إنتاج الطائفية عبر خطابات الكراهية والثأر وتبنّي القيم المجتمعية التي تنظّم العلاقات وفق أسس تتنكّر للقانون ومفهوم العدالة!

وإنّ الكارثة الوطنية، التي يتواطأ ويشارك بها مثقفون ومثقفات وناشطون وناشطات، هي جعل الطائفة معيارًا للحب أو الكراهية، للصداقة أو القطيعة، للبيع أو الشراء، وغير ذلك… تتمثّل هذه الكارثة بالقضاء على المشترك الوطني بين أفراد المجتمع الذي تتلاشى قيم العيش المشترك فيه من خلال عملية تفكيك ممنهجة، لا تعكس مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في الرأي، بل تمتد لتنتهك الحقوق الإنسانية لأفراده، ولتضعهم أمام خيارات رفض الآخر الضيقة الأفق.

وأخطر ما في هذه الحملات، هو عملية التطبيع مع التهميش والتمييز والإقصاء التي تتحوّل إلى أفعال طبيعية ومقبولة اجتماعيًا. فالعنف لا يبدأ دائمًا بالقتل، وإنّما بخطاب يجرّد الإنسان من إنسانيته، ويحوّله إلى هوية مغلقة يُحاكم على أساسها. لا يهدّد هذا الخطاب المستهدفين به فقط، وإنّما كل من يتبنّاه. أمر أشبه بالنيران التي تمتد لتحرق بيوت الجميع إن لم تخمد في مهدها!

إنّ الأكثر مأساوية في الحالة السورية، التي لا يلوح أيّ أمل فيها للأسف، هو سقوط قيم الثورة مع سقوط نظام الأسد. وكل ما حدث ويحدث يؤسِّس لوعي مشوّه للأجيال القادمة، قائم على الاعتقاد بأن الانتماء أهم من الأخلاق، والهوية أهم من الإنسان، وإقصاء الآخر المختلف فضيلة وطنية. ما سينتج عنه مجتمع مفكّك، إذ لا يمكن بناء وطن على أساس الخوف من الآخر، ولا يمكن إنتاج سلام مستدام عبر المقاطعة والنبذ والكراهية. فالأوطان تُبنى بقوانين تكون فوق الانتماءات الضيقة، يُحاسب بها الفرد على أفعاله لا على هويته. ولذلك من الواجب مواجهة هذه الحملات ليس دفاعًا عن طائفة بعينها، بل دفاع عن فكرة المجتمع نفسه، وعن حق السوريين جميعًا في العيش ضمن دولة تحمي مواطنيها بالتساوي، لا ضمن جماعات متقابلة تتوارث الخوف والكراهية جيلًا بعد جيل.

د. نهى عسكر (أكاديمية وباحثة في النقد الأدبي)


تذكرنا هذه الحملة بقوانين جيم كرو للفصل العنصري في أمريكا، التي أُبطلت في ستينيات القرن الماضي. حيث كانت توضع لافتات في الأماكن العامة تحدّد مكان تواجد الملونين، يقابلها لافتات تعطي للبيض مشروعية وامتيازات واضحة. إلّا أن هذه اللافتات كانت نصية فقط!

يكمن الخطر في لافتات حملة «لست شجرة»، أنّها تميز بين المكون العَلوي والسنّي، وتعطي تراتبية وفوقية للسنّي على حساب العَلوي، وتساهم في ترسيخ صور نمطية يتبنّاها مُطلقي الحملة الشعبويين. ما يجعل التأثير السلبي مضاعفًا وخاصة على الأطفال والمراهقين ممن يحملون ذاكرة صوَرية. إضافة لأنّها تغذي مظلومية قديمة جديدة، باتت منذ المجازر بحق العَلويين، ومن ثمّ المجازر بحق الدروز ككرة الثلج، تتعاظم وتكبر ولا يبدو أنها آيلة للذوبان.

إزاء حملات الكراهية وصمت السلطة وإعلامها وتغييب القانون، لا بدّ من إجراءات مضادة على مستوى الأفراد والمنظمات واللجان المحلية وبكل الوسائل المتاحة: تقديم محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي يربك السلطة الغافلة أو المُتغافلة عن التأثير السلبي للحملات الطائفية، ويصدّر سردية تستخدم الأدوات ذاتها: (نص وصورة بمحتوى عكسي لإعطاء تأثير مماثل، وهو ما قام به الكثير من الناشطين والناشطات على السوشال ميديا). تقديم ورشات توعية تنطلق من أساس المجتمع (الأسرة والمدرسة)، تهدف إلى تعليم التنوع والاختلاف الديني والإثني في بنية المجتمع السوري، وتشجّع جعل الأدب والمسرح وكافة الفنون رديفة للمناهج الدراسية، وتعلّم حقوق الطفل والمرأة والحقوق والواجبات الناظمة للمجتمع وطرق المطالبة بتلك الحقوق… من شأن هذه المفاصل الرئيسية -وغيرها طبعًا- إبطال خطاب المثنويات، ومحاربة وَهْم الخير المطلق مقابل الشّر المطلق، ومكافحة الشعبوية والتطرف الديني لدى كل المكونات.

أن تعرف الآخر، يعني أن تعلم أن جذوركما، كما الأشجار الباسقة، متشابكة وضاربة في هذه الأرض وأنّ قطع الوريد لأحدكما يعني فناء الآخر.

د. علي محمد سليمان (أكاديمي وباحث)

للوهلة الأولى، لا يبدو من الحكمة التعامل مع حملة كهذه بجدية، لفرط عبثيتها وانحطاطها وشذوذها. إذ كيف يمكن للشجرة، بكل ما في الكلمة من حمولات رمزية ودلالية في الوعي الجمعي، أن تتحوّل في سوريا إلى مفردة في شعار يمثل أسوأ ما وصل إليه الواقع السوري من تردٍّ في السياسة والأخلاق! وكيف للشجرة، بما لها من قدسية لدى مختلف الأديان والطوائف، أن تكون يافطة لخطاب العنف والإقصاء، وحاملًا لفعل عدواني يستهدف مكونًا أصيلًا في المجتمع السوري! التين والزيتون في القرآن، والنخلة التي هزّت مريم العذراء جذعها لتأكل وتقرّ عينًا. شجرة المعرفة، أو شجرة الخلد، المفهوم الذي تطوّر في الوجدان الإنساني من رمز ديني أخلاقي في النصوص الإبراهيمية إلى استعارة فلسفية لمنظومات المعرفة والأخلاق ولأشكال الوجود في الفلسفة والآداب والفنون. كيف يمكن لتلك الحمولة الرمزية المتجذّرة في الثقافة وذاكرة الناس أن تتعرّض للتحقير في فعل عدواني فاضح بعنصريته، وعلى الملأ دون حسيب أو رقيب!

أي مخيلة تلك التي تحوِّل الشجرة، مصدر الخير والغذاء الأوّل، في بلد يكدح سكانه على حافة الجوع، إلى دعوة لحصار مجتمعات كاملة وقطع أرزاقها؟ كيف يمكن لذلك أن يحدث في سوريا التي تعيش كارثة بيئية حقيقية، بسبب تغيرات المناخ والتصحّر من جهة، وبسبب حرائق الغابات التي أصبحت مواسم لا تنتهي بعد حرب طويلة أكلت الأخضر واليابس، وتركت ثروة البلاد المتواضعة من الأشجار نهبًا للفساد، وانهيار المؤسسات، وانفلات الوضع الأمني.

إن تسييس الشجرة، بهذا الشكل المبتذل، في واقع الانقسام المجتمعي وصعود التحريض الطائفي يكشف عن أزمة وجودية يعيشها المجتمع السوري. وفي المستوى السياسي، يبدو الاعتداء على مكونات ومجموعات سكانية كاملة، والدعوة إلى تهميشها بالمقاطعة الاقتصادية، ثورة مضادة تستهدف كل ما تمثله الشجرة في حياة السوريين من الخير والخلق والتجدد. ومما يثير الذهول حقًّا هو غياب دور السلطات المعنية في مواجهة ومنع حملات لا تخفي استهدافها المباشر لحياة الناس، وللسلم الأهلي في بلد مزّقته الحرب.


عمر قدور (كاتب وروائي)

لم تأتِ الحملة المذكورة من فراغ، فالاستباحة الواقعة على العَلويين في مناطق تواجدهم لم تنقطع، ومن ضمنها الاستباحة اللفظية من خلال خطابات طائفية. في مثال ذي دلالة صريحة، عُرف صاحب تسجيل مفبرك، استُغلّ لاستخدام العنف ضد الدروز، إلا أنّ صاحب التسجيل رغم انكشافه ظهر إلى جانب مسؤولين سوريين. هذا مثال فاقع على أنّ الخطابات الطائفية محمية، رغم وجود مادة في الإعلان الدستوري تجرّم الطائفية، لكنّها لم تمنع ارتكاب جرائم طائفية في الساحل والسويداء، ولم تمنع «مؤثّري» السلطة من التغنّي بطائفيتهم.

نحتاج إلى وعي مشترك لكون الخطابات الطائفية هي بطبعها خطابات سلطة، وتدفع ثمنها دائمًا الفئات المهمّشة، ولا يندر أن تتبناها الأخيرة. أمر أشبه بتجارة المخدرات، فمن المعتاد ألّا يتعاطى التجّار بضاعتهم التي تزدهر على حساب المستهلكين المدمنين. إيصال هذه الفكرة البسيطة ليس سهلًا، مثلما ليس من السهل إقناع مدمني المخدرات بالإقلاع عنها من دون توفر مشروع معالجة متكامل. المشروع المتكامل في حالة الطائفية يكون بنظام تكافؤ فرص اقتصادية وبعدالة انتقالية مرافقة لمشروع انتقال سياسي حقيقي؛ ذلك مما لا يستطيع أحد المجازفة بالقول إنّه متوفر، أو إنّه سيُتاح بعد حين.

ما لم تحدث معجزة، فالمستقبل القريب يُنذر بالمزيد من التفكك، والبقاء على حواف المجزرة، لأنّ حدوث الأخيرة لا يقتصر على الجهوزية المحلية فحسب. الطائفية حتّى الآن طريق سهل مريح للهروب من الاستحقاقات السياسية والاقتصادية والخدمية… ومثلما تستهدف العَلويين أو الدروز فهي في شقّها المقابل تستهدف كسب شعبية لدى الأكثرية العددية السنّية، ولعل هذا الكسب هو ما يشير إلى بيت القصيد في الاستخدام الحالي للطائفية، وهو استخدام يُنذر بالاستمرار طالما أراد أصحابه التملّص من انتقال سياسي حقيقي إلى دولة المواطنة.

لا بأس بتمرين ذهني بسيط نسأل به عن المشروع الذي قدّمته السلطة منذ سنة ونصف حتّى الآن؟ نسأل عن مشروع سياسي واقتصادي ورؤية لما بعد الثورة والحرب، وإذ تغيب الإجابة عن ذلك كلّه، تحضر الطائفية كـإنجاز أوحد يغنينا عن البحث لمعرفة مَن وراء حملة من قبيل «لست شجرة».