Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / موضوع الغلاف / ماذا يحدث في تونس؟

ماذا يحدث في تونس؟

“لا ضوء لا ماء..الحبس والغلاء، الشعب يريد إسقاط النظام”، “ما يجري في تونس، جزء من لوحة سوداء، شكلتها النخب، وهي اليوم تدفع ضريبة صراعاتها الممجوجة، وتقف عاجزة عن بلورة أي سيناريو ممكن، أخطر ما تعيشه تونس اليوم ليس فقط استمرار الأزمة الاقتصادية، وإنما تحولها إلى أزمة أفق”.. هذه مجموعة من الشعارات التي رفعها التونسيون في مظاهرة ضخمة بالعاصمة التونسية، بجانب مقتطفات من آراء تونسيين منشورة في وسائل الإعلام حول الأزمة التي تمر بها بلادهم على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية والحقوقية، والتي أثارت انتقادات واسعة ووصفت ما تشهده تونس، التي كانت مهدا للربيع العربي، بأنه تراجع أدى إلى القضاء على مساحة حرية التعبير والنقاش السياسي الجاد حتى “أنه لم يعد هناك متسع إلا لرواية واحدة هي رواية النظام الحاكم” على حد قول بسام خواجة نائب مدير الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش في تصريحات إعلامية.

وتشهد تونس في الفترة الأخيرة سلسلة من الأحداث الساخنة التي فجرت حالة من الغضب بدت في صورة احتجاجات جماهيرية واسعة امتدت لمختلف فئات الشعب التونسي في ظل الإجراءات الأمنية ضد بعض منها بداية من الشخصيات السياسية والعامة التي تمت محاكمتهم فيما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة والتي أثارت محاكمتهم جدلا واسعا، ومرورا بأزمة الصحفيين والإعلاميين الذين ينتقدون حالة التضيق الأمني والسياسي عليهم والحد من حريتهم في التعبير عن الرأي وانتقاد السلبيات، وصولا لفئات نوعية في الدولة تعاني من أوضاع اقتصادية سيئة منهم الأطباء الذين أعربوا عن احتجاجهم بسبب عدم حصولهم على مستحقاتهم المادية التي وعدوا بها. وحتى الرياضيين المعروفين بحالتهم المادية الميسورة في مختلف أنحاء العالم عبروا عن غضبهم من تدهور أحوالهم المادية بسبب عدم تقاضي رواتب مناسبة، وكانت قضية هروب الرياضيين التونسيين الحاصلين على ميداليات دولية إلى الخارج نموذجا صارخا للمعاناة التي تكشف عن عمق الأزمة وامتدادها. 

وفي خضم ذلك كانت هناك أزمات اقتصادية خانقة تعصف بالتونسيين على رأسها أزمة الكهرباء والمياه والتي اعتبرها المراقبون للأوضاع في تونس بمثابة دليل على فشل الحكومة في القيام بالمهام المنوطة بها إلى جانب أزمة انتشار الحرائق.

احتجاجات في ذكرى الاستقلال

ونتيجة لذلك شهد الشارع التونسي حراكا واسعا في صورة موجات احتجاجية شملت مختلف فئات الشعب وطبقاته من البسطاء وحتى فئة المثقفين، جاءت تعبيرا عن انتقاد الأوضاع التي لايرضون عنها والتراجع الكبير في الحريات-بحسب وصفهم- بخلاف التدهور الاقتصادي وملف الفساد الذي يطارد كبار الشخصيات والذي كشفت بعض ملامحه مؤخرا فيما عرف بقضية إبستين تونس التي تدور حول شبكة سرية تستدرج ضحاياها لابتزازهم بعد تصويرهم في أوضاع مخلة وتحقق فيها السلطات على نطاق واسع بعد شمول دائرة التحقيقات شخصيات معروفة منهم محامون وفنانون بحسب تقارير صحفية.

تتواكب هذه الأحداث مع ذكرى الاستقلال السبعين، ومرور خمس سنوات على إجراءات قيس سعيد التي تغير بموجبها نظام الحكم، و15 سنة على ثورة التونسيين الشهيرة بثورة الياسمين التي أشعل شرارتها الأولى حادث البو عزيزي الشاب الذي أحرق نفسه استياءً وتعبيرا عن الظلم فهب الشعب غاضبا وثار ثورته التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي على أمل التحول لنظام أكثر ديمقراطية، حتى حدثت تحولات معاكسة للديمقراطية التي كان ينشدها الشعب على حد توصيف المراقبين.

حينما قام التونسيون بثورة يناير 2011 كانوا يحلمون بالديمقراطية وبالعدالة والحياة الكريمة، حتى استيقظوا على أن الحلم كان وهما كبيرا. لم يكونوا يعتقدون أنه بعد 15 سنة على إسقاطهم لنظام بورقيبة أن يعودوا يطالبون من جديد بإسقاط النظام وينددون بعجزه عن تلبية متطلبات التونسيين وتطلعاتهم “الحالمة” التي قاموا بالثورة من أجلها. وبعد أن ضربت تونس وقتها المثل كنموذج تنموي تطلع إليه كثير من دول الجوار، فشل هذا النموذج بعد التحولات التي أصابته عبر السنوات وارتدت مرة أخرى به سنوات للوراء.

بالتزامن مع الاحتفالات الرسمية بعيد الجمهورية والذكرى السبعين على استقلال تونس شهدت العاصمة التونسية مؤخرا أكبر مظاهرة منذ 25 يوليو 2021، قوامها 3 آلاف شخصا من أطياف سياسية مختلفة ومتباينة التوجهات برفعون شعار يطالب بإسقاط النظام والتنديد بالغلاء والإجراءات الأمنية القمعية.

فماذا حدث على مدار تلك السنوات وكيف تبدلت الأوضاع بعد الثورة التونسية؟

تحولات وأزمات ما بعد الثورة

لقد شهدت تونس عدة محطات سياسية مفصلية خلال تلك الفترة التي امتدت إلى خمس عشرة سنة بدأت بمرحلة مابعد ثورة 2011 بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وفيها دخلت تونس مرحلة صياغة الدستور وتأسيس نظام ديمقراطي تمهيدا للمضي في الخطط التنموية المستقبلية. لكن تغيير الحكومات المتكرر أدى إلى حالة من عدم الاستقرار حيث تغيرت 9 حكومات خلال سنوات قليلة مما تسبب في تعطل خطط التنمية. وكان عام 2015 من السنوات الصعبة لدى التونسيين حيث شهد نشاطا إرهابيا خطيرا استهدف قطاع السياحة منها هجوم متحف باردو وفندق سوسة، الأمر الذي أدى إلى أزمات أمنية انعكست سلبيا على الوضع الاقتصادي حيث ارتفعت معدلات البطالة والتضخم.

عام 2019 وصل أستاذ القانون المستقل قيس سعيد إلى رأس السلطة وأصبح رئيسا للبلاد بعد اكتساحه الانتخابات بأغلبية ساحقة نتيجة استياء الناخبين من النخبة السياسية الموجودة على الساحة لعجزها عن تحسين أوضاع التونسيين. لم يمر عامان على توليه السلطة حتى قام قيس سعيد في يوليو 2021 بإجراءات استثنائية “صادمة” بدأت بتجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة وإدخال تونس في نظام سياسي جديد تم إقراره عبر دستور 2022 والذي تحولت بمقتضاه من النظام البرلماني إلى الرئاسي مع إعطاء صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية وتركيزها بيد الرئيس، الذي اعتبر مؤيدوه هذا الإجراء تصحيحا للمسار بينما اعتبره المعارضون انقلابا على الديمقراطية. وقد أقدم قيس سعيد على هذه الإجراءات مستندا إلى الفصل 80 من دستور عام 2014، واصفا إياها بأنها تهدف إلى إنقاذ الدولة من حالة الشلل والصراع السياسي والفساد.

منذ اتخاذ هذه الإجراءات وعلى مدار خمس سنوات وحتى اللحظة تشهد تونس أزمات متشابكة ومعقدة لها عدة أوجه:

أولا الوجه السياسي

 وهو يتمثل في توابع إعادة تشكيل النظام السياسي، والذي فجر اعتراضات من المعارضة السياسية بمختلف أطيافها حتى انتهى الوضع بملاحقة أمنية للمعارضة وإصدار أحكام بالسجن المشدد لفترات طويلة لبعض رموزها كما حدث مؤخرا في قضية التآمر ضد أمن الدولة والتي أصدرت فيها محكمة الاستئناف والتعقيب أحكاما نهائية ضد عشرات المعارضين من رجال الأعمال والشخصيات العامة بالسجن لفترات تتجاوز 40 سنة. كما زادت حدة التضييق الأمني مع الإعلان عن امتداد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2026. وقد انعكس ذلك سلبا على الحريات الإعلامية حتى أن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أعلنت عن تنفيذ إضراب عام إثر تدهور أوضاع حرية التعبير في تونس واستمرار الملاحقات القضائية التي تطال عددا من الصحفيين. وقد صب زياد الدبار نقيب الصحفيين التونسيين جام غضبه على هذه الأوضاع وقال في تصريحات إعلامية أن التضييق لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح سياسة ممنهجة طالت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على اختلاف أنواعها.

ثانيا الوجه الاقتصادي

أدى عدم الاستقرار السياسي المصحوب بحالة الشلل السياسي واستحكام القبضة الأمنية في البلاد إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وزيادة معاناة الشعب التونسي من توابع الضغوط التراكمية للتضخم خاصة في قطاع السكن والغذاء والنقل وهي قطاعات حيوية لا يمكن الاستغناء عنها. وتزداد حدة الأزمة مع ارتفاع معدلات البطالة بشكل خطير.

كما يواجه الاتحاد العام التونسي للشغل أزمة مالية حادة أدت إلى إغلاق بعض المقار بسبب عجزه عن سداد الإيجارات. ويعاني الاقتصاد التونسي من ثقل الديون وهو ما عكسته موازنة العام الجاري (2026)، من أرقام خطيرة في مجال التداين، وارتفاع مستوى العجز من حوالي 3.3 مليارات دولار سنة 2025 إلى مستوى 3.8 مليارات دولار تقريبا عام 2026. ويحذر خبراء الاقتصاد من مغبة هذه الديون والمخاطرة التي يمكن أن ترتكبها الحكومة لو فرطت في الأصول الاستراتيجية بالاتجاه إلى تحويل الديون مقابل خصخصة قطاعات سيادية مثل الطاقة أو مؤسسات عامة حساسة دون تفاوض متكافئ مع الدول الدائنة.

ثالثا: الوجه الاجتماعي

أدت هذه الأوضاع المتردية على المستويين السياسي والاقتصادي إلى تفجير حالة من الغضب الشعبي الكامن لسنوات على أمل التحسن قبل أن يتحول إلى احتجاجات صاخبة وغاضبة في مختلف الأنحاء ومسيرات منددة بسوء الأوضاع في العاصمة التونسية. وساهم في رفع مستويات الغضب ظهور مشكلات خانقة زادت من حدة الشعور بالمعاناة منها الانقطاع المتكرر للكهرباء وتدهور خدمة توفير مياه الشرب نتيجة لانقطاعها المتكرر، مع ظروف مناخية سيئة بسبب موجات الحر الشديد والتي أدت إلى ارتفاع حالات الحرائق في تونس لمستويات قياسية. كل ذلك أدى إلى تعميق معاناة التونسيين ودفعهم إلى النزول للشارع تعبيرا عن غضبهم. وعن هذا الوضع قال هشام العجبوني القيادي في التيار الديمقراطي أن الرئيس الحالي لا يعترف بالأجسام الوسيطة، وغاب الحوار وأصبح الاحتجاج في الشارع الطريق الوحيد للتعبير والمطالبة بالحقوق. 

وقد امتدت المعاناة إلى مختلف الجهات الفئوية في المجتمع التونسي وفي مقدمتهم الأطباء الذين أعربوا عن غضبهم من عدم حصولهم على حقوقهم القانونية ما دفع وجيه ذكار رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان للتصريح قائلا: “الأطباء الشبان يتصدرون اليوم الحراك الاجتماعي بسبب تنكر السلطة لالتزاماتها التي ضربت بها عرض الحائط”.

وحتى بالنسبة لفئة الرياضيين المعروفين بوضعهم المادي المتميز نسبيا عن فئات الشعب الأخرى، لم يفلتوا من هذه الأزمة ولعل حادث هروب رياضيين كبار من النخبة ممن جلبوا لتونس ميداليات دولية يكشف المزيد من ملامح المعاناة التي اجتاحت مختلف الأوساط بما فيها الرياضية. لقد كشفت شهادات لاعبين أوليمبيين حاصلين على ميداليات أوليمبية رفعوا بها علم تونس مرات عديدة في المحافل الدولية الرياضية عن كونها لم تكفل لهم حياة إنسانية كريمة الأمر الذي يشي بحجم المعاناة الشديدة التي يعانونها فما بال الأمر بالفئات الدنيا التي ليس لها مورد دخل ثابت. 

كانت أشهر حالات الهروب للمصارعة التونسية شهد الجلجلي بطلة تونس لسبع مرات وصاحبة ميداليات في البطولات الإفريقية، والتي قررت الهروب أثناء وجودها في دورة ألعاب البحر المتوسط في إيطاليا وكتبت على صفحتها على الإنستغرام أنها لم تتعرض للاختطاف وإنما قررت عدم العودة لتونس لأنها كبطلة ورغم الإنجازات الكبرى التي حققتها لا تحصل على راتبها إلا كل 6 شهور إن حصلت عليه- على حد قولها- رغم أنه لا يتجاوز 250 دينارا تونسيا.

سيناريوهات مستقبلية

في ظل معطيات الواقع الحالي يثور التساؤل حول ملامح سيناريو المستقبل في تونس، خاصة في ظل تزامن ذلك مع أحداث خطيرة يمر بها العالم العربي في ظل حالة التصعيد بمنطقة الشرق الأوسط وانشغال العالم بها، ومن ثم يخشى أن تستغل بعض الأطراف الخارجية هذا الأمر وتتدخل للعبث بأمن تونس واستقرارها بحجة دعم الاحتجاجات الشعبية وتحقيق مطلبها في إسقلط النظام. فهل يمكن أن يصل الوضع إلى هذا الأمر؟

بالنسبة لاحتمالات الفوضى والانهيار الأمني في ظل موجات الاحتجاجات الشعبية فهو احتمال ضعيف مع طبيعة السيطرة الأمنية للدولة التونسية سيما مع عدم وجود قيادة موحدة للمعارضة في الشارع.

أما فيما يتعلق باحتمالية التدخل الخارجي فهو أمر وارد نظرا لوجود ملفات داخلية تهم أطراف خارجية أولها قضية الديون وارتباطها بفرض الطرف الخارجي لقيود وشروط قد تتضمن تدخلا لإدارة الأمور وضمان أداء تونس للدين. كما يوجد ملف الهجرة غير النظامية الذي يشكل صداعا مزمنا في رأس الاتحاد الأوروبي ويدفعه للضغط المستمر على تونس لضبط السواحل والعمل في نفس الوقت على منع الانهيار الأمني وحدوث الفوضى حتى لاتزداد المشكلة.

 ومن ثم فإن سيناريو المستقبل لا يخرج عن مسارين؛ الأول العمل على الإصلاح الهيكلي وتخفيف القيود على القطاع الخاص ومحاولة احتواء الغضب ببعض إصلاحات للمشكلات الأساسية. والثاني مسار الجمود المستقر الذي يعتمد على استمرار الاقتصاد في الصمود بحده الأدنى إعتمادا على السياحة وتحويلات المغتربين والحيلولة دون حدوث انهيار مالي ولكن في نفس الوقت دون تحقيق رفاهية اجتماعية ملموسة أو حلول جذرية للأزمات. 

ويبقى الواقع العملي للأداء الحكومي ومدى القدرة على احتواء غضب الشعب في الفترة القادمة هو الفيصل في تحديد ملامح المستقبل في تونس.