ما وراء “نهر الليطاني” مشاريع أمنيّة، أم سرقة مُمنهجة؟!

يُعاني العالم اليوم، أزمة وجود حقيقيّة مع المياه، تتجلى إشكاليتها في الكثير من العناوين والأبحاث والتقارير المصوّرة، التي ترصد جفاف أنهر وينابيع من هنا، ونزاع بين دُوَلٍ من هناك، حتى إعلان حروب.

 وفي مقابلة شهيرة العام 1995 ” تنبأ الخبير الاقتصادي إسماعيل سراج نائب رئيس البنك الدولي حينذاك بأنّ المياه ستكون محور حروب القرن الـ 21 بديلًا عن النفط الذي كان محور حروب القرن الـ 20، على حد وصفه”.

وإذا قمنا بتضييق الحلقة نحو لبنان، جنوبًا بالتحديد، نشهد الهيجان الإسرائيليّ فيما خصّ جنوب الليطاني وشمال الليطاني، والتاريخ يوثّق جيّدًا النوايا الإسرائيليّة التي يُصرّ الكثيرين على تجاهل حقيقتها، وهي السيطرة على مياه الليطاني بشكل قانونيّ!

نهر الليطاني؛ من المنبع حتى البحر

يعدّ نهر الليطانيّ النهر الأكبر والأطوَل في لبنان، يبلغ طوله 170 كلم، وتبلغ سعته حوالي 750 مليون متر مكعب سنويًا، ويبدأ منبعه من قرية العليق الواقعة على مسافة 10 كلم إلى الغرب من مدينة بعلبك، ويجري جنوبًا حتى يملأ بحيرة القرعون الاصطناعيّة، ثم ينعطف غربًا ليصب في البحر الأبيض المتوسط قرب بلدة القاسمية في الجنوب اللبناني.

 يتم استخدام مياه النهر في مشاريع توليد الطاقة الكهرومائية وريّ الأراضي الزراعيّة في جنوب لبنان وصولًا إلى وادي البقاع.

يقسم الليطاني الجنوب إلى قسمين، يتصلان عبر جسور رئيسيّة وفرعيّة، وتُعرف المنطقة الواقعة قبل الجسور باتجاه العاصمة بيروت باسم منطقة شمال الليطاني، أمّا المنطقة باتّجاه الحدود مع فلسطين المحتلة فهي منطقة جنوب الليطاني.

 أما العمق الذي يفصل مجرى النهر عن الخط الأزرق فيبلغ في حده الأقصى 28 كلم في القطاع الأوسط فيما يبلغ في حده الأدنى 6 كلم في أقصى القطاع الشرقي. والخط الأزرق خط رسمته الأمم المتحدة العام 2000 بعد انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان، ويفصل لبنان عن فلسطين المحتلة وهضبة الجولان التي تحتلها. (ريم الشيخ، بي بي سي عربي، 8 اوكتوبر 2024.، نهر الليطاني الحدّ الفاصل لتطبيق وقف إطلاق النار.)  

جنوب النهر.. شمال النهر.

مع إعلان العدو الإسرائيليّ موافقته على إعلان وقف إطلاق النار في لبنان بتاريخ 26 تشرين الثاني العام 2024، والذي نصّ على آلية اتفّاق تشير إلى انسحاب الجيش الإسرائيليّ من لبنان مقابل انسحاب حزب الله بعتاده ورجاله إلى شمال الليطاني، ونشر الجيش اللبنانيّ وقوات اليونيفيل إلى كامل المنطقة الحدوديّة الفاصلة، وحصر السلاح بيد الدولة.

ومن تاريخه لا يدخر العدو جهدًا في خرق بل وحرق هذه الاتفاقيّة، فيما التزم الجانب اللبناني الصمت والحياد السلبيّ اتجاه الاعتداءات المتكررة والتدمير الممنهج للمناطق الحدوديّة، والاغتيالات العشوائيّة التي طالت مدنيين وعُزّل بحجة القضاء على عناصر قياديّة في الحزب.

تاريخٌ من الطمع

في مبحث بعنوان: ” المياه اللبنانيّة في العقيدة الصهيونيّة وتكتيك إسرائيل القانوني” (نشر في مجلة الدفاع الوطني اللبناني، بتاريخ 2009، العدد 69) يشير الدكتور طارق المجذوب، مستعينًا بعبارة “عقيدة الأرض والماء” وهي نظريّة الحركة الصهيونية، ومؤسسها “تيودور هيرتسل”، الذي وفي المؤتمر الصهيوني الثاني العام 1898 جدّد إيمانه بقيام دولة يهوديّة في “أرض الميعاد”، وأعلن أن اليهود سيحوّلون الصحاري في أرضها إلى مساحات يكسوها الاخضرار. ويشير المقال إلى أنّ الإرتكاز الاقتصادي للمستعمرات الاستيطانيّة في الأراضي المحتلّة قائم على الزراعة.

وفي تغذية تاريخيّة راجعة عن تاريخ الطمع الصهيوني، أفاد المبحث -السالف الذكر- عن أن هيرتسل هذا راسل السلطان العثماني عبد الحميد العام 1903 عارضًا عليه مبلغًا من المال مقابل موافقته على إقامة اليهود في منطقة الجليل أي على مقربة من مياه لبنان الجنوبيّ، أي نهر الليطاني.

ويذكر، كيف رفعت الحركة الصهيونيّة في مؤتمر السلام الذي عقد في فرساي”باريس” العام 1919  رغبتها بالاستيلاء على جنوب لبنان وجبل الشيخ، “جبل الشيخ هو أبو المياه الحقيقي لفلسطين”.

ويشير إلى ما يسمى اتفاقيّة الحدود الفرنسيّة البريطانيّة في العام 23-12-1920 والذي بموجبه جرى تغيير الحدود بين لبنان وفلسطين لصالح توسيع الأراضي الفلسطينيّة وبالتالي سلخ عن دولة لبنان القرى السبع (هونين، إبل القمح، النبي يوشع، قدس، المالكية، صلحة، وتربيخا..) المشهورة بينابيعها الوفيرة وآبارها الغنيّة بالمياه.  وقد سارعت دولة الاحتلال إلى استغلال ثرواتها المائية وإقامة المستعمرات على أنقاضها وتغيير أسمائها إلى أسماء عبريّة.

 ومن مقترحات الحركة الصهيونية تحويل كمية 400 مليون متر مكعب في السنة من مياه الليطاني إلى نهر الحاصباني بغية ضخ المياه إلى بحيرة طبريا وجر مياهها إلى النقب.. بحجة أن مياه الليطاني تذهب هدرًا إلى البحر.

في العام 1978 شنّت قوات الاحتلال حربًا على لبنان بحجة القضاء على المقاومة الفلسطينيّة المسلّحة، تحت عنوان: “عملية الليطاني” في أعقاب العمليّة، أقامت إسرائيل منطقة أمنيّة في جنوب لبنان لتكون حاجزًا ضد الهجمات المستقبلية، وظلت هذه المنطقة تحت السيطرة الإسرائيليّة لسنوات عديدة.

في العام 1982 استولت على نهر الوزاني ووضعت يدها على 12 قرية لبنانية وربطت مياهها بمستعمرة إسرائيلية.

في بحث صادر عن (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ونشر في مجلة الدراسات الفلسطينية المجلد 1 العدد 3 صيف 1990 بعنوان: “أزمة إسرائيل المائية ومياه لبنان”. لمؤلفه رضى سلمان). يتحدث البحث عن أزمة المياه فيما يسمى إسرائيل وكيف وصلت هذه الأزمة إلى حدود مواجهة عسكريّة واسعة في شأن الموارد المائيّة في المنطقة.  ويشير إلى دأب الدولة المزعومة ومنذ الستينيات على تلبية استهلاكها المتزايد من المياه من موارد استولت عليها في حروبها مع العرب: ” فعندما احتلت إسرائيل أراض عربية في مصر وسوريا والأردن سنة 1967 كانت تحقّق توسعًا إقليميًّا وتلبيّ حاجتها المائيّة في آن واحد، فتستولي على ما تبقى من روافد نهر الأردن بما فيها مياه نهر بانياس العذبة في الجولان، وعلى مياه الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحسم نزاعها مع سوريا بشأن بحيرة طبريا، وتسيطر في الهضبة السوريّة على نقطة انطلاق إلى مياه الليطاني..”

ويشير البحث إلى سعي الدولة المزعومة لضمان أمنها المائي إلى التوسع الإقليمي باتجاه مياه لبنان، متسائلًا:” إذا كان صحيحا أنّ لإسرائيل أهدافًا أمنيّة في الجنوب اللبناني فإن هذه الحجج كانت تخفي دائما؛ الحاجة المائيّة الكامنة وراء توسعها فيه… فمنعت المزارعين اللبنانيين من حفر آبار مياه جديدة وإغلاق آبار قديمة بعد غزو 1978.”

إذًا فالحركة الصهيونية في بياناتها كانت ترى أن مستقبل الدولة الصهيونيّة سيعتمد على مدى وفرة الموارد المائيّة المتدفقة من منحدرات جبل الشيخ ومن نهري الليطاني والأردن. وقد أقيمت منذ قيام الكيان المحتلة مؤتمرات لبحث مشاريع وُضعت لبسط سيطرتها على مياه نهر الليطاني.

حربٌ مُمنهجة ومستمرّة

استهدفت الغارات الإسرائيليّة ولأكثر من تاريخ خلال الحرب 2024 الناقل الرئيسيّ لمياه نهر الليطاني، الذي يغذيّ مشروع القاسمية في منطقة إرزي، ويجر يوميًا 260 ألف متر مكعب لريّ ما يقارب ستة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، ما يوضّح بشكل كبير حجم الطمع والحقد الصهيوني اتجاه مياه لبنان.

ويشير تقرير لمنير قبلان بتاريخ7-5- 2025، على موقع الجزيرة، بعنوان “تفاقم أزمة المياه في الجنوب اللبنانيّ” إلى:  شبكات مياه مقتلعة من تحت الأرض في الناقورة، تخريب مضخات المياه، تطاير الخزانات عن أسطح البيوت، وإقدام العدو على قصف خزانات تجميع المياه في عشرات البلدات اللبنانية بشكل ممنهج. ومع دخول عناصره إلى الجنوب عمدت جرّافاته إلى نبش البنية التحتيّة الخاصة بالمياه والصرف الصحيّ، وتدمير مصادر المياه لهدف جعل عودة الأهالي إلى مناطقهم مستحيلة.

وفي تقرير بعنوان: (إسرائيل لا تثق في إعلان لبنان السيطرة على نهر الليطاني، الخميس 22 -1-2026، نشر في موقع الشرق الأوسط) “مع تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الجنوبيّة، يشير الخبير العسكري والاستراتيجي “بهاء حلال” الذي قال: “إن اختيار إسرائيل لمناطق شمال نهر الليطاني ينطوي على أبعاد جغرافية وعسكرية وسياسيّة كونها تعتبر النهر خطًا أمنيا ونفسيا مفترضا”.

الليطاني حلم الاستيطان المنتظر

لم تنسحب إسرائيل مع أي موقع احتلته في لبنان، بل ضاعفت تعدياتها في الجنوب اللبناني بحجج استهداف منشآت تابعة لحزب الله، وذلك في كل مرة يعلن فيها الجيش اللبنانيّ تنفيذ خطط نزع سلاح الحزب من جنوب النهر حتى الحدود مع الكيان المزعوم.

يشير الكاتب فؤاد بزيّ في مقال نُشر في جريدة الأخبار (تاريخ 2 أيلول 2025، “العدو والدولة ضد شبكات مياه الجنوب”) إلى “تدمير العدوّ 60 بالمئة من مصادر المياه السطحيّة والآبار في المنطقة الحدوديّة وحرمان العديد من السكان من خدمات المياه..”

تهدف إسرائيل إلى قطع وتعطيل وتدمير جنوب الليطاني وتحويله إلى منطقة عازلة، واستنزاف العمق اللبنانيّ وكسر الشعور بالأمان وخلق ضغط نفسي واجتماعي واسع، وإضعاف أي مسار سياسيّ أو ميداني بعيدًا عن المواجهة، فتمنع أيّ سبيل لإعادة الإعمار. مواصلةً شن غارات مكثفة شمال نهر الليطاني، أوامر إخلاء وغارات على مبان سكنيّة. فتشير تقارير عديدة أن ما دمّرته إسرائيل بعد اتفاقيّة وقف إطلاق النار يفوق بأضعاف ما دمرته خلال الحرب.

يبدو جليًّا أنّ إسرائيل تعمد إلى تجديد نيّتها بتحقيق حلم الاستيطان في الجنوب اللبناني. ففي خبر حديث وواقعيّ صريح انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بتاريخ 13 شباط فبراير 2026، مقطعًا مصوّرًا لحركة مستوطنين على الحدود مع الجنوب اللبنانيّ، مذيّلًا بتوضيح: (عبَر عشرات الإسرائيليين من حركة “أوري تسافون” الحدود إلى جنوب لبنان، وغرسوا الأشجار مطالبين باستئناف الاستيطان اليهودي في الجنوب. زاعمين أن جنوب لبنان جزء من أرض أجدادهم وأن هذا الاستيطان حق تاريخي وأمني.”

من الذي يحمي حدود لبنان من هذه الوقاحة الإسرائيليّة التي طالت واستطالت؟!

في مقلبٍ آخر، ما الذي فعلته الدولة اللبنانيّة لحماية هذه الثروة البيئيّة؟! إذ تحدثنا في المقال عن أطماع إسرائيل ونواياها التخريبيّة، لا يفوتنا أن نشير إلى عدوّ داخليّ ساهم في تحويل مياه الليطانيّ إلى سمّ قاتل لأناسه بغية تحقيق مصالح آنيّة؟!