أليس أصعب الكتابة وأكثرها نزيفاً حين تبدو الشهوة الإستراتيجية الدولية مسكونة بالسيطرة على منابع النفط والغاز في المحيطات ولو اختلطت بالدماء والدموع والخرائب في بقاعٍ عظيمة مطوّقة أمامك بما قد يؤرّق المستقبل؟

في الجواب، يمكنني دفع الأبجدية للصراخ معلناً أنّ جدّي خرج في العام 575 ميلادية نحو الشمال مع قوافل الغساسنة من خلف سدّ مأرب في اليمن بعدما انهار تحت أسنان فأرة قضمته أي منذ 1450 سنة لكأنّها البارحة. نرى اليوم “فئران العصر” خلف نوافذ التواصل العالمية في عصر الذكاء الاصطناعي يشاركون الأجيال الفضائية في الكرة الأرضية المسكونة بمشاهد الرعب والعنف. إننا لكأننا نستعيد معا: “ألف سنةٍ في عينيك يا ربّ كأمسِ الذي عبر”.
عندما استوى أجدادنا فوق مياه الشرق الأوسط راسمين تاريخه وخيراته بقشّةٍ يابسةٍ فوق رمال الصحاري الممتدّة نحو الشمال وقد تركوها لنا أشعاراً ومجلدات من التوصيات والتمنيات تحوّلت مؤتمرات لامتناهية نرددها نحن معظم أبناء العرب طلباً لوحدتنا التي هرب من انتظارها الزمان!
لا تغيير في بقعة العرب ربّما سوى انتظار تدفق الأحفاد فوق البسيطة يترسخون تباعاً في دردشات الشاشات والقرار عبر بقاع العالم. كان لبنان بل بيروت، على سبيل المثال، التي خطّوا خطواتهم الأولى فيها، تصدح قولاً ليس ببعيد لكنه باهت، بكونها عاصمة الفكر العربي ومطبعة العرب وجامعتهم ومدرستهم ومشفاهم ولوحتهم الجميلة الغالية. كانت تصرخ بأعلى صوتها حضناً لتلقّف العرب وسياسييهم وكتّابهم وإعلامهم وشعرائهم اللذين راحوا يراكمون أعجابهم بلبنان بفنادقه ومقاهيه ومطاعمه وشوارعه وحرياته التي لا تنام كلاماً جميلاً في مشاعات الديمقراطية والحريّة والموضة والمعارضة والثورة.
نعم. كانت بيروت بحيرة العرب والاصطياف الأخضر يملّحونه ببقايا ملوحة الصحراء العالقة فوق الشفاه، بعدما يطفئون شموسهم في نعاسها لكنها كانت وما زالت ربّما هي الأولى المتأهبة العرجاء لتجدد الجراح ورحيل الأبناء والأحفاد. كانت بيروت، الجوهرة اليتيمة التي لا اسم لها أو شهرة أو ديناً أو مذهباً أو مهنةً وكانت تدّعي منافسة بل تقليد الجواهر المصفوفة في تيجان العرب، وتعتبر نفسها العاصمة المشرقية الرائدة التي تلتفّ حول معصمها مجمل عواصم المشرق العربي. لم تكن تتردّد بالقول بأنها العاصمة الرائدة في تراكم أساليب التنافس والغيرة الفكرية والثقافية التي قامت وتقوم بين عواصم المشرق العربي ومغربه.
لماذا المغرب العربي؟ لأنّه كان وما زال يعاني ربّما من تداخل بقايا اختلاط الألسنة العروبية والفرنجية. كيف؟ يتكوّم المغرب العربي وبلدان شمالي أفريقيا حالمين ببقاع البحر الأبيض المتوسط الشمالية حيث اللغة والطراز الأوروبي وتحديداً فرنسا وأوروبا، بينما ينزاح المشرق العربي منذ سقوط بغداد إلى تحولات عابقة بطلاسم المستقبل، ذلك بالرغم من الاعتداد بتسليم أموره السياسية والفكرية والثقافية الى مناخٍ تصفرّ عبره الهويات ويصفرّ المستقبل حيث الثورات المشتعلة المستوردة. هكذا ينام بعض الكتّاب ومحتلو الشاشات بين المشرق والمغرب، مهللين لانتظار نهضةٍ أراها هجينة تتبعثر بين بيروت ودمشق وبغداد وعمّان والقاهرة والجزائر وتونس إلخ. ويبدو الخليج العربي الذي لم تستقرّ تسميته التاريخية بعد بين العربي والفارسي منقوشاً بخوف تلحّف به مضيق هرمز الإستراتيجي مؤخراً من الحروب الإستراتيجية الضخمة الماحقة التي دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدفع المكابح.
تستيقظ عربياً غادر بقعته الأولى نحو باريس أو كندا أو لندن وغيرها، فلا تجد سوى شكر الحكومات التي تُساعد العائلات التي تبنّت 120 قطّة شريدة فآوتها مثلاً كما نقرأ أو تحذيراً من بعض النباتات والأعشاب التي قد تنبت في الحدائق الأليفة بكونها تؤذي بإفرازاتها الصباحيّة لكأنّه أذىً يفوق ما حصل ويحصل وسيحصل في غزة ولبنان والعراق وغيرها من الحروب المستوردة تقفيّاً لمنابع النفط والغاز. قد تقرأ في الغرب عن الاحتفالات الرسمية والأشجار الجميلة المصفوفة على امتداد الشوارع تحيي المارّة بدلاً من تماثيل الزعماء الأبديين المذهبة وصورهم المنصوبة في أعلى الشوارع والساحات، وحيث نقرأ يومياً في صدور صحفنا وعبر شاشاتنا هنا المآسي والمجازر وتوصيف الفشل والهزائم والشكاوى وتحديداُ بقايا القضية الفلسطينية التي يستمرّ تهديم بقاياها حتى الانقراض الحس الدولي لتعميمها تجربة مرّة مقيمة خوفاً في قلوب الأوطان الأخرى.
لا تسمع في لبنان سوى المزيد من تكديس الأسلحة المرعبة التي قد يتمّ امتشقاها لقتالٍ وكوارث وطنية ومذهبية، في زمنٍ تتأبّط فيه إيران ورقة فلسطين والقدس تحثّ بها العديد من أنظمة العرب الأداء والإستراتيجيات في مسائل شديدة الخطورة موصومة بالإرهاب وتحديد ملامح الخرائط في المستقبل النووي العالمي ، بعدما بات خاتم بنصرها الأيمن الفضّي في المعاجن العراقية واللبنانية والسورية لتنخرط في الحروب والمعارك التي قد يسهل عليها إيجاد من يقتنيها ويتبنّاها فيحييها حروباً ونزاعات تجتاح أخباره وسائل الإعلام التي أدمنت بمعظمها صب الزيوت فوق نيران الكلام المقال المرتجل.
مشقّة هي الكتابة في خرائط الهزّات العربيّة وفيالقها الشرق أوسطية ومستقبلها بين الغرب والشرق، بحثاً عن تقفّي قيادات تُراكم الحلول التي نراها تقارب المستحيلات في الشرق الأوسط، في أعقد مرحلة جديدة يعيشها العرب والمسلمون. ما يلفتك قاعداً حيال النوافذ الاتصالية التي تغمر الجميع مسؤولين وشعوباً وقبائل لا يتعارفون بانتظار اللمحة وتواقيع الرئيس ترامب بالخط الأسود العريض أو عبر تعليقات رسمية من قبله لا إلى مسؤولي العالم بل إلى قاطني المسكونة وكلّها تشبه نطف “التويتر” الملغومة بأقسى أنواع التهديد والترغيب أو أشبه بما يعشقه طلابنا وأحفادنا من تعليقات وكتابات قد لا تطمح سوى بلوغ العناوين والبرقيات السريعة. ماذا يقدم توضيب الحبر في الشرق الأوسط وحوله سوى الحيرة التي تدفعك قبل أن تسمّية نصوصك حرصك القومي على تعرية تراكم الرعب بين الدول العظمى المسكونة بهواجس الأحادية المستحيلة.
