معضلة التوافق الصعب والشروط والضغوط الأصعب!

لا حلول في لبنان قبل اتضاح صورة الوضع الاقليمي

  استنزفت التطورات الاقليمية والدولية والضغوط السياسية والعسكرية المترافقة معها قدرات لبنان على معالجة ازمتين كبيرتين تهددان استقراره وسيادته، الاولى استمرار ازمة الاحتلال الاسرائيلي لمناطق واسعة في الجنوب واستمرارالاعتداءات الجوية والاغتيالات، والثانية تلبية مطالب وشروط الولايات المتحدة الاميركية والكيان الاسرائيلي بالذهاب الى مفاوضات سياسية واقتصادية مباشرة، بالتوازي مع جمع سلاح حزب الله في كل لبنان لا سيما الصواريخ الثقيلة، ولو تحت صيغة لاحقة بعنوان “إحتواء الدولة للسلاح”، اي وضعه بتصرفها وبإشراف الجيش اللبناني.

  وبات من الثابت ان لا حلول لمشاكل لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية قبل حل المشكلة الأساس، وهي الصراعات الإقليمية الدائرة وجوهرها الاحتلال الإسرائيلي وشهيته المفتوحة للعدوان على لبنان وفلسطين وسوريا وغيرها، لتحقيق مشروع السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة بالقوة أو بالتفاوض تحت النار. والرغبة الاميركية – الاسرائيلية في إنهاء الملف النووي والصاروخي الباليستي الايراني سواء بالتفاوض او بالحديد والنار.

    انجلت صورة الوضع في المنطقة وانجلى معها مسار الوضع اللبناني للمرحلة المقبلة، التي قد تطول اوتقصر حسب إتجاهات السياسة الاميركية والاسرائيلية، ليس نحو لبنان فقط وقد باتت واضحة، بل نحو دول المنطقة من سوريا الى ايران وغيرهما. فلا زال الاحتلال الاسرائيلي يتصرّف في لبنان وسوريا على هواه وحسب برنامجه السياسي والامني والاقتصادي في ظل صمت دولي صارخ، ودعم اميركي واضح، وكل ما يقال عن تدخلات واتصالات لثني الاحتلال عن وقف التصعيد مجرّد كلام لا يُصرف على الارض. كما لا زال التهديد الاميركي والاسرائيلي بتوجيه ضربة عسكرية لإيران قائماً ولو تراجع جزئياً بسبب تدخل بعض الدول العربية لا سيما مصر والسعودية وقطر وسلطنة عمان والامارات العربية، لمنع الضربة والتحذير من مخاطرها على المنطقة لا سيما على دول الخليج. ولذلك تم وضع الوضع اللبناني في الثلاجة بإستثناء حراك خجول موسمي للجنة الخماسية العربية – الدولية لا يُقدّم حلولاً. لذلك لا حلول قريبة مرتقبة في لبنان قبل اتضاح صورة الوضع الاقليمي، لا سيما وان لبنان واقع تحت معضلة التوافق الداخلي الصعب حول الملفات الكبرى، وتحت الشروط والضغوط الاميركية الأصعب!

  لهذه الاسباب لم تحقق المساعي العربية والدولية القائمة منذ وقف الحرب في لبنان قبل سنة وثلاثة أشهر أي تقدم في معالجة المشكلات التي تعطّل عمل اللجان العربية والدولية والعسكرية – الميكانيزم، وتؤخّر إن لم تكن تعرقل تقديم الدعم المطلوب للبنان الذي يتأجّل مرة بعد مرة، على أمل أن يثبت هذه المرة موعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر مبدئياً في 5 آذار/مارس في باريس، بعد ان اقتنع المجتمع الدولي والدول المانحة بالوثائق والمستندات المصورة خلال زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن، وبشهادة دولية لا تقبل الالتباس نقلها سفراء الدول العربية والأجنبية المعتمدين في لبنان خلال جولتهم في مناطق الحدود الجنوبية، بأن الجيش انجز ما عليه من المرحلة الاولى من حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، ويتحضر للمرحلة الثانية شمالي النهر وباقي المناطق، ما دفع الكونغرس الاميركي الى البحث في إقرار مساعدات للجيش تتراوح قيمتها بين 200 و300 مليون دولار حسبما أفادت بعض المصادر من العاصمة الأميركية، لكن لم تتضح متى وكيف ستصرف هذه المساعدات سوى معلومة غير رسمية بأن هناك دفعة من المروحيات العسكرية وآليات نقل الجنود ستصل الى لبنان بعد انتهاء زيارة العماد هيكل.

رهان على فرنسا  

وكان لبنان يعوّل مجدّداً على زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو مطلع شهر شباط/ فبراير لدفع التحضيرات لإنعقاد مؤتمر دعم الجيش، وفعلت فرنسا ما عليها وأكثر تجاه لبنان وحققت قفزة كبيرة في مسار دعم الجيش عبر إقناع الدول المعنية العربية والغربية بضرورة إنعقاده لتقديم الدعم الكافي للجيش ولو بالحد الأدنى، ليتمكن من مواصلة إجراءاته في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. عدا حشد العديد من الدول الأوروبية للمشاركة في القوة المزمع تشكيلها للحلول مكان قوات اليونيفيل عند انتهاء مهامها أواخر هذا العام وربما قبل ذلك بأشهر. وقد ابلغت مصادر السفارة الفرنسية في بيروت “الحصاد” بأن تأخير لبنان في عملية حصر السلاح شمال الليطاني قي يؤثر على حجم الدعم للجيش ونوعيته لكن لن يؤثر على مبدأ عقد المؤتمر وتوفير الدعم.

وهنا طُرِحَ السؤال في اوساط رسمية متابعة للحراك الفرنسي: هل تستطيع فرنسا إقناع دول العالم لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وبالمحصلة إسرائيل، بأن المرحلة الثانية من حصر السلاح وبسط السيادة، تحتاج الى توافق على بديهيات الأمور، مثل تأكيد وقف الاعتداءات، ومثل ضمان الأمن الوطني عبر وضع استراتيجية وطنية للدفاع والاستفادة من عوامل القوة في لبنان؟

عون والحزب والميكانيزم

  ولعلّ تراكم المشكلات التي يسببها الاحتلال الإسرائيلي في موضوع الأمن وحصر السلاح واستكمال انتشار الجيش، فرض عودة الحوار المباشر بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله ممثلا برئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد، بهدف التوافق على مسار العلاقات في المرحلة المقبلة، وأساسها تحرير الجنوب واستعادة السيادة كاملة غير منقوصة، وذلك بعد انقطاع الحوار إثر خلاف حول بعض مواقف الرئيس عون الحادة من الحزب ومن حصر السلاح وردّ الحزب وجمهوره عليه. لكن إستكمال الحوار بين الطرفين والتوصل الى توافقات نهائية لا زال يحتاج الى مقاربات مشتركة بين الطرفين غير متوافرة حتى الآن بسبب تجاوب الحكم مع الشروط الاميركية، وهو ما عبر عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب الوزير الاسبق محمود قماطي بقوله” ان الرئيسين عون ونواف سلام استجابا للإملاءات الاميركية لكنهما الآن يحاولان تصحيح المسار”. وفرض التباين بين عون وسلام من جهة وبين حزب الله وحركة امل من جهة اخرى حول ملف التعاطي مع الاحتلال الاسرائيلي ونوع التفاوض عبر لجنة الميكانيزم تأثيره على عمل الحكومة التي يشارك فيها الاطراف الاربعة.

وهذا الوضع ينعكس حكماً كما ظهر خلال سنة من عمر لجنة الميكانيزم على آلية عملها وفعاليتها وضعفاً إن لم يكن قراراً بعدم الضغط على احتلال الإسرائيلي لوقف اعتداءاته وخروقاته لإتفاق وقف الأعمال العدائية، وهو أمر يبدو انه سيبقى مستمراً حتى إشعار آخر يتعلق بمدى التجاوب الأميركي مع مطالب لبنان وتفهّمه لواقعه السياسي “الذي يتم فيه البتّ بكل الأمور بالتوافق السياسي لا بالإكراه مهما تغيرت ظروف الوضع الاقليمي” كما قال الرئيس نبيه بري، ولا سيما حول كل ما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الإسرائيلي سواء بالتفاوض المباشر العسكري أو السياسي لاحقاً. وما لم يتغيّر الأداء الأميركي ومعه أداء لجنة الميكانيزم وأداء الدولة اللبنانية بالتعامل مع العدوان ومع لجنة الإشراف الخماسية، لن يتغيّر شيء في المشهد اللبناني العام والجنوبي بشكل خاص.

       وقد كثرت المعلومات والتسريبات السياسية والاعلامية مؤخراً حول الشروط الجديدة الاميركية والاسرائيلية لمواصلة التفاوض مع لبنان، سواء عبر لجنة الاشراف الخماسية على تنفيذ اتفاق وقف الاعمال العدائية – ميكانيزم او غيرها، عبر ما يُطرح من افكار واحيانا حاسمة عن استبدالها بلجنة تفاوض سياسية ثلاثية لبنانية – اميركية – اسرائيلية، بينما تبقى الميكانيزم معطلة او تجتمع كل فترة حسب رغبة الاميركي والاسرائيلي لمناقشة بعض القضايا الامنية فقط.

لبنان غير سوريا

 وتستند المعلومات عن اسلوب وشكل التفاوض الجديد المطلوب من لبنان، على ما جرى ويجري بين سوريا وكيان الاحتلال من مفاوضات سياسية مباشرة برعاية اميركية، ادت الى توافق امني وسياسي يمهّد لتطبيع العلاقات لاحقاً و”في وقت قريب” كما قال الاعلام العبري نقلا عن مصدر مقرّب من الرئيس السوري أحمد الشرع، وعن تحضيرات لعقد اجتماع قريب بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بوساطة الولايات المتحدة، لوضع “اللمسات الأخيرة على اتفاق أمني بين الجانبين إلى جانب بحث مشاريع استراتيجية واقتصادية مشتركة محتملة في المناطق العازلة بين سوريا وإسرائيل، في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى خفض التوتر وتحويل مناطق النزاع إلى مساحات تعاون اقتصادي، وصولاً الى ما وصفه المصدر بأجواء تفاؤل كبيرة، قد تفضي إلى فتح سفارة إسرائيلية في دمشق قبل نهاية العام”.

 هذه المعطيات التي تنطبق على سوريا الجديدة نتيجة وجود سلطة واحدة قوية ونتيجة وجود مكونات سورية تتعاون منذ فترة مع كيان الاحتلال (بعض الاكراد والدروز)، لكنها لا تنطبق على لبنان الجديد برغم تشكيل سلطة جديدة بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، نتيجة اختلاف طبيعة تركيبته السياسية المتعددة الاراء وظروفه الامنية والسياسية، ولو وجدت بعض القوى التي لم تعد تمانع تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال او على الاقل التوصل الى اتفاق امني – سياسي ما معه.

  ولعل القوى المعنية بتطبيع العلاقات بين لبنان وكيان الاحتلال تُدرك طبيعة لبنان السياسية التي لا تتقبل اي امر يُفرض على جماعة او مُكوّن لبناني اساسي، فكيف اذا كان طائفة كبيرة لها حضور سياسي واجتماعي وشعبي وازن؟ وتدرك هذه الدول ايضاً وبخاصة فرنسا، ان ما ينطبق على سوريا او غيرها من الصعب ان ينطبق على لبنان إلّا تحت الضغط الاقصى السياسي والعسكري والذي لم يصل الى نتيجة حتى الان برغم استمرار الاعتداءات الاسرائيلية منذ توقيع اتفاق وقف الاعمال العدائية، واذا زاد الضغط السياسي والعسكري قد يؤدي الى توترات سياسية وامنية داخلية لبنان بغنى عنها وكذلك الدول الراعية للوضع اللبناني. لذلك تتعاطى هذه الدول بحذر شديد في فرض ما تريد على لبنان، ولا زالت تسعى الى توافق داخلي على الحد الادنى من المسائل التي يمكن القبول بها في موضوع التفاوض مع كيان الاحتلال، ولذلك تكثر حركة الدول العربية والغربية نحو لبنان لإستطلاع الممكن تنفيذه من غير الممكن.

  بهذا المعنى، فإن كل الكلام عن توجهات جديدة للتفاوض  ما زال ضمن اطار المقترحات والتوجهات الاميركية – الاسرائيلية، التي تسعى ولو تحت ضغط النار والعدوان للإستفراد بالوضع اللبناني بعيداً من تدخل الدول الاخرى لا سيما فرنسا، لكن “حسابات الحقل لم تطابق حتى الان حسابات البيدر”، ولن يحصل اي تقدم في موضوع التفاوض قبل حصول لبنان على مطالبه بوقف العدوان وانسحاب الاحتلال من النقاط المحتلة وتحرير الاسرى واطلاق عملية العودة الشاملة الآمنة لاهالي قرى الجنوب وبدء عملية إعادة الاعمار، وبعد ذلك للحديث صلة حول اشكال التفاوض واهدافه.