Home / دراسات / إضاءات / من الدرعية إلى بيت عيسى…

من الدرعية إلى بيت عيسى…

في 22 سبتمبر، لا نحتفل بتاريخٍ المملكة العربية السعودية الذي مضى فحسب، بل بوطن تتجدد حكايته كل يوم. وفي الرياض، يمكن قراءة هذه الحكاية في تفاصيل المدينة؛ في طين الدرعية، وألوان الفنّ المعاصر، وصوت الموسيقى، ورفوف الكتب، وفنجان القهوة، وحتى في منحوتة تستلهم ملامح المكان. وبينما تُستعاد هذه الذاكرة عادةً عبر المواقع التاريخية والمتاحف، اخترنا أن نبحث عنها في أماكن أخرى؛ وجهات قد لا تحمل صفة «ثقافية» بالمعنى التقليدي، لكنها تختزن في تفاصيلها شيئاً من روح السعودية وتاريخها وتحولاتها.

ولهذا، رسمنا لهذه المناسبة مساراً من  محطات، لا كقائمة من الأماكن المنفصلة، بل كرحلة تتقدم بنا خطوةً بعد أخرى عبر طبقات مختلفة من الحضارة السعودية. نبدأ من الجذور وما تركته من ملامح راسخة، ثم ننتقل إلى الحرف والفنون والموسيقى والطعام، لنصل في محطتنا الأخيرة إلى الطريقة التي يُعاد بها تقديم هذا الإرث اليوم بروح معاصرة.

محطات تتصل حكاياتها ببعضها، لتروي في النهاية قصة واحدة: كيف انتقلت ملامح الحضارة السعودية من الذاكرة إلى الحياة اليومية، وكيف أصبح الماضي حاضراً في أماكن جديدة، وتجارب جديدة، ومدينة تتغير من حولها من دون أن تفقد صلتها بجذورها. رحلة نحتفي بها في اليوم الوطني، لا بالنظر إلى ما كان فقط، بل باكتشاف كيف يستمر ما كان في تشكيل ما نحن عليه اليوم.

وبهذه الجولة، تأخذكم إلى وجه الرياض كما نراه ونعيشه؛ وجه يجمع التراث بالفن، والأدب بالموسيقى، والحرفة بالإبداع. نبدأ من الدرعية، حيث تستحضر الأزقة والعمارة النجدية جذور الهوية، ثم ننتقل إلى حي جاكس، حيث تحولت المساحات الصناعية إلى منصة نابضة للفنانين والموسيقيين والمبدعين.

ومن هناك، نقترب من تفاصيل الحياة الثقافية اليومية؛ مقهى يتحول إلى ملتقى للقراءة والحوار، ومساحة تحتفي بالحرف والفنون، وأخرى تمنح الموسيقى حضورها، وصولًا إلى المتحف الوطني الذي يعيد ترتيب فصول الحكاية السعودية من جذورها الحضارية إلى حاضرها المتجدد.

 محطات،  تجارب مختلفة، وحكاية واحدة: السعودية كما تُعاش اليوم؛ بجذور راسخة وروح تتطلع إلى المستقبل.

في الرياض، يكفي أن تمشي قليلاً لتكتشف أن الحكاية السعودية حاضرة من حولك. في مبنى، في تفاصيل شارع، في مقهى، أو على مائدة تقدم وصفة يعرفها أهل المكان منذ أجيال. ومع اتساع المدينة وتغيّر ملامحها، أصبحت أماكن كثيرة تستعيد شيئاً من تاريخ السعودية وحضارتها، وتقدّمه بطريقة تنتمي إلى الحاضر من دون أن تنفصل عن جذورها.

وهذا ما يجعل التجول في الرياض اليوم أشبه بقراءة تفاصيل صغيرة من حكاية أكبر؛ فالثقافة لم تعد مرتبطة فقط بمكان تذهب إليه لتراها، وإنما أصبحت جزءاً مما نراه ونعيشه كل يوم. 

الدرعية: تاريخ يُعاش

نبدأ جولتنا بالدرعية، المحطة الأولى، هنا لا يبدو التراث منفصلاً عن الحياة اليومية؛ فبين الطريف، وممرات سمحان، ومطل البجيري، والفنادق والمطاعم، تتكرر مفردات العمارة النجدية والضيافة والطعام والحرف، لكن كل مرة بطريقة تناسب المكان والزمن. حي الطريف، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 2010، يمثل النواة التاريخية للدرعية والدولة السعودية الأولى، فيما تستعيد الوجهة اليوم هذه الذاكرة ضمن تجربة معاصرة أوسع. 

أجمل ما في الدرعية أن الهوية السعودية فيها لا تأتي كعنصر إضافي، بل تبدو جزءاً من تصميم التجربة نفسها. في فندق باب سمحان، مثلاً، تحضر العمارة النجدية والضيافة كجزء أساسي من الإقامة، بينما تمتد التجربة إلى المطاعم والمقاهي التي تجمع بين النكهات السعودية التقليدية والمطابخ العالمية. وفي سمحان، تتجاور المساحات الإبداعية والحرف والأسواق مع البيئة التاريخية، ليصبح الحي نموذجاً لكيف يمكن للتراث أن يظل حاضراً من دون أن يتحول إلى مشهد ثابت. 

الدرعية لا تشبه سواها لأنها لا تقدم التاريخ كصورة من الماضي؛ بل تضعه في قلب مدينة تنبض اليوم. وهذا تحديداً ما يجعلها محطة مناسبة في جولتنا بمناسبة اليوم الوطني: مكان يمكن أن ترى فيه كيف تنتقل الهوية السعودية من العمارة إلى المائدة، ومن الحرفة إلى الضيافة، ومن الحكاية القديمة إلى تجربة يعيشها الزائر الآن. وهذه الأشهر القادمة إلى أفضل الأوقات لزيارتها.

حي جاكس: الفنّ المعاصر بروح شبابية 

حي جاكس هو أحد الأماكن التي تعكس التحول الذي يعيشه المشهد الفني في السعودية. ما إن تدخل الحي حتى يلفت انتباهك طابعه الصناعي؛ مبانٍ واسعة، جدران إسمنتية، ممرات مفتوحة ومساحات كانت تحمل وظيفة مختلفة، قبل أن تتحول اليوم إلى خلفية للفنّ والإبداع. وبين هذه الجدران، تظهر الجداريات والأعمال الفنية والاستوديوهات، بينما تضيف أصوات الفعاليات وحركة الزوار والفنانين إحساساً بأن المكان في حالة عمل مستمرة.

في مساحاته، تتجاور الاستوديوهات والمعارض مع ورش العمل والبرامج الإبداعية، فيما يستضيف فعاليات كبرى مثل بينالي الدرعية للفن المعاصر، ونور الرياض، وXP Music Futures، وHia Hub، وأسبوع الفنّ في الرياض. كما شهد ورشاً للرسم والفنون البصرية والخط العربي، وبرامج تفاعلية مثل JAX Arts Festival، إلى جانب فعاليات مخصصة للأطفال والشباب تجمع الفن بالتجربة وصناعة الأشياء.

لكن حكاية جاكس لا تُروى من خلال فعالياته فقط؛ فالمكان نفسه جزء منها. ملمس الجدران الصناعية، اتساع المساحات، رائحة الورش، وتداخل أصوات النقاش والموسيقى والحركة مع الأعمال الفنية، كلها تمنح الزيارة طابعاً مختلفاً عن صالات العرض التقليدية. هنا يبدو الماضي حاضراً في شكل المكان، بينما يملأه جيل جديد بأفكاره وألوانه وتجربته.

وهذه تحديداً هي الحكاية السعودية التي ينقلها جاكس: ذاكرة المكان لا تختفي عندما تتغير وظيفته، بل يمكن أن تبدأ منها قصة جديدة. ففي هذا الحي، يلتقي إرث الرياض الصناعي مع الفنانين والموسيقيين والمصممين الشباب، ليقدّموا صورة معاصرة لهوية سعودية تتطور، من دون أن تفقد صلتها بالمكان الذي بدأت منه.

سوق الزلّ: عبق الماضي

في سوق الزل، لا تكتفي برؤية التراث السعودي، بل تجده حاضراً في الأشياء التي تُباع وتُصنع وتُستخدم حتى اليوم. بين البشوت والمشالح والأشمغة، والسجاد والتحف والمقتنيات القديمة، إلى جانب العود والبخور والعطور الشرقية، تتشكل صورة قريبة من تفاصيل الحياة السعودية وتقاليدها. ويضيف الحراج والمزاد على القطع القديمة بعداً آخر للمكان، فيبقى التراث جزءاً من حركة السوق اليومية، لا مجرد قطع محفوظة للعرض. وبين دكاكينه وروائحه وأصوات الباعة، تصبح زيارة سوق الزل فرصة للاقتراب من جانب أصيل من الثقافة السعودية، واكتشاف كيف بقيت بعض تفاصيلها حاضرة في الرياض حتى اليوم.

وثبة: من القهوة إلى الكتاب

في الرياض، لم تعد الثقافة تنتظرنا في المتاحف أو قاعات المعارض؛ أحياناً نجدها ببساطة على طاولة مقهى. في مقهى وثبة، تجلس بين رفوف الكتب، تختار قهوتك، وتجد نفسك تتصفح عنواناً لم تكن تبحث عنه أصلاً. للمكان هدوء محبب، وتفاصيل تمنحه طابعاً أقرب إلى مكتبة خاصة منها إلى مقهى تقليدي، فيما تضيف الكتب والفنّ المحيطان بالجلسات إلى التجربة شيئاً من الألفة. لكن ما يجعل وثبة لافت في سياق هذه الجولة هو أنه يمثل اتجاهاً أكبر تشهده الرياض؛ مساحات جديدة تخلط القراءة بالقهوة والفن واللقاء، وتجعل الثقافة أقرب إلى الحياة اليومية وأقل ارتباطاً بالمكان التقليدي الذي نتوقع أن نجدها فيه. وهي ليست وحدها في هذا المشهد، بل واحدة من أماكن كثيرة بدأت تظهر في المدينة وتمنح الثقافة وجهاً أكثر عفوية؛ يمكن أن نلتقي بها ونحن نشرب قهوتنا، نتحدث مع الأصدقاء، أو نقلب صفحات كتاب في ظهيرة عادية.

Beast House: إيقاعات وأكثر

في رحلتنا بين الأماكن التي تكشف وجوهاً مختلفة من الثقافة السعودية، تأتي Beast House لتأخذنا إلى الموسيقى، لكن من زاوية مختلفة. في قلب حي جاكس، تتحول الموسيقى هنا من مجرد استماع إلى تجربة يعيشها مجتمع من الموسيقيين والمنتجين والمصممين والمبدعين، من خلال جلسات الاستماع والعروض الحية والورش واللقاءات. وهذا ما يجعلها امتداداً لفكرة رحلتنا؛ فكما وجدنا التراث في السوق، والتاريخ في المكان، والفن في جدران جاكس، نجد في Beast House ثقافة أخرى حاضرة في تفاصيل الحياة نفسها: في صوت الموسيقى، وفي اللقاءات، وفي جيل جديد يصنع تجربته الخاصة. إنها محطة تذكّرنا بأن الحكاية السعودية لا تتوقف عند ما ورثناه من الماضي، بل تستمر في الأصوات التي نسمعها اليوم، وفي المساحات التي تمنحها الرياض للأفكار الجديدة كي تنمو وتصبح جزءاً من ثقافتها. 

بيت عيسى: ذاكرة حيّة

بعد أن بدأنا رحلتنا من الدرعية، حيث تقودنا العمارة إلى جذور الحكاية السعودية، ومررنا في سوق الزل لنرى التراث حاضراً في الحرف والتجارة، ثم وصلنا إلى جاكس وBeast House حيث يعيد جيل جديد صياغة الثقافة من خلال الفن والموسيقى، نتوقف في بيت عيسى عند ما يجمع كل هذه التفاصيل معاً: الإنسان. 

في عرقة، يستعيد البيت أجواء المنزل النجدي بمجلسه وأفنيته وممراته وتفاصيله البسيطة، ويمنحنا فرصة لنتعرف إلى الضيافة بوصفها جزءاً أساسياً من الثقافة السعودية. هنا تصبح القهوة، والجلسة، وطريقة استقبال الضيف امتداداً للحكاية التي بدأناها من المكان والتراث ووصلنا بها إلى الثقافة المعاصرة. 

هكذا تغيّر المشهد الثقافي في السعودية، اذ لم تعد الثقافة مكاناً نزوره، بل جزءاً من الحياة التي نعيشها. من التراث إلى الفن والموسيقى والكتب والضيافة، انتقلت الثقافة من حفظ الماضي إلى صناعة الحاضر. وهذه ليست مجرد مرحلة جديدة، بل مشهد سعودي جديد يعرف جذوره، ويكتب مستقبله بثقة.