غالبًا ما تضعنا الحياة في وعاء يليق بأفكارنا، تلك التي تلتصق بالقشرة المجعدة من دماغنا، فتمكث فيها وتحتل حيزًا لا بأس به من العقل الذي نظن أنه يتحكم بنا، لنكتشف أنه ليس إلا موظف محكوم عليه بالأشغال الشاقة تحت شعار الحرية، بينما هو خاضع للذبذبات التي يلتقطها من هنا وهناك. ربما لأن وعينا، وهو أسير تلك الذبذبات الخفية، يعلّقنا بوهم السيطرة والخلود، نصطدم عند التفكير في الموت بحقيقة هشاشتنا المشتركة فوق هذا الكوكب، حيث لا نملك سوى أن نتقاسم الوجود ذاته الذي نظن أننا نهيمن عليه.
لا شكّ أنه من الصعب أن نتقبل فكرة الموت لأننا بطبيعة الحال، نعيش شراكة عظيمة مع الآخر، نتقاسم الهواء والماء ونعمًا أخرى وهبها الله لنا. لكن هذا الأمر، لا يغيّر حقيقة تنازعنا على كوكب يكاد يكون صغيرًا في من ينظر إليه من الفضاء الرحب، كبيرًا وواسعًا بالنسبة إلى العين المجردة.
فكرة الموت؟ يتساءل البعض: كيف يمكن للموت أن يكون مجرد فكرة؟ أظن أنه يلازمنا ولا يغيب عن بالنا أبدًا. وكيف يغيب عن بالنا ما نسمع به بشكل يوميّ على الرغم من تعدّد أسبابه؟
نلتقي بأشخاص، نمرّ في حياتهم ويمرّون كمحطّة انتظار في حياتنا. يكون مرورهم كعصفور رفّ بجناح واحد أمام عينينا ومضى . وأحيانًا، ننام ونفيق على غياب أشخاص مضوا ومضت معهم أعمارنا…
في هذا الإطار، تستحضرني أفكار أستاذي متري بولس الحاضر الغائب، الأكاديميّ والمبدع الّذي أيقظ الإيقاعات الجبرانيّة في ذهني، خلال مرحلة تخصّصي في الدراسات العليا في جامعة الروح القدس، الكسليك. وقد كان أستاذي مثقفًا وجوديًّا، يمتلك فلسفة حياتيّة لانشغاله بأسئلة تدور حول الوجود وأسئلته.
مرّت السنوات وجمعنا فكر متري بولس في الجامعة اليسوعية مرّة أخرى، وتحديدًا في معهد الآداب الشرقية خلال جلسة حوارية بإدارة الدكتورة ندى معوض، وقد كانت لحظة فرح فريدة ومناسبة لتقديم مجموعة أخرى من مؤلفات متري بولس، وذلك بحضور عائلته وأصدقائه المقرّبين. وسبق للجامعة أن خصّصت قاعة باسم متري بولس. في هذه المناسبة، تمت دعوتنا كباحثين في مرحلة الدكتوراه لتقديم دراسة حول إبداعه، تضمّ ما قدّمه إلى الثقافة اللّبنانيّة والعربيّة، ولإلقاء كلمة تليق بذكرى الأستاذ الّذي انتمى إلى هذه الجامعة، وقضى سنوات طويلة فيها.
اشتركنا في تحليل قصّة “آدم يأكل التفاحّة ويتركني”. كان أكثر ما لفتني لقاء الشعر بالفلسفة، عندما تناولت الباحثة في الفلسفة آية معالقجي عكاوي، البعد الفلسفي والقرار في القصّة. هناك فكرة وردت في القصّة ما زالت تتردّد في ذهني: “ولكننا جميعًا سنموت”، تقول آية: هذه العبارة هي الأكثر صدقًا في القصّة، العبارة التي تُفصح عن الحقيقة الكبرى للوجود: أنّ الإنسان ليس مجرد كائن حيّ، بل كائن من أجل الموت، يسير نحوه لا بوصفه حدثًا بيولوجيًّا، بل كمصير وجوديّ يسكنه منذ البداية، كونه محايثًا للحياة. بذلكيسخر الكاتب من هشاشة الإنسان وضعفه أمام أقداره المحتومة، حيث لا يملك سوى الاستسلام.
بعد هذا التأمل في الحياة والموت، ننتقل إلى رؤية أعمق في تجربة أدبية محددة، حيث يلتقي الفكر الفلسفي بالخيال السردي في أعمال الكاتب متري بولس، لنكشف كيف يعالج الأدب مفاهيم الوجود والرحيل بطريقة تجمع بين الرمز والتحليل النفسي.
إنّ من يتعمّق فيالمنجز الأدبي لمتري بولس، ينتبه إلى التفرّد الملحوظ في تعامله مع تقنيات السرد، حيث تتجلّى في نصوصه براعة في رسم تعقيدات الذات الإنسانية، وانفتاح النص على تعددية التأويل. في هذا السياق، تتخذ قصة “آدم يأكل التفاحة ويتركني” من ثنائية الحب والموت محورًا بنيويًا يؤسّس لتأملات وجودية عميقة، تتجاوز البعد الحكائي نحو فضاء رمزي مكثّف.
يرتفع النص إلى ذروة تأملية حين يضع الحب والموت عند نقطة التقاء، فيما يشبه المفارقة الكبرى: الحب، بوصفه فعل اندماج في الحياة، والموت، بوصفه انفصالًا عنها. كلاهما يعبّران عن نهاية، لكنهما يختلفان في المعنى والتجربة. فالحب حرارة الوجود، والموت برودة العدم، وقد يكون الموت أحيانًا اكتمال الحب، حين تبلغ المشاعر ذروتها، وتصبح عاجزة عن الاستمرار في ظل قسوة الواقع.
تعدّدت الأسباب والموت واحد. الموت هو المصير النّهائيّ للإنسان، انطلاقًا من ذلك، يقارب الدكتور متري بولس هذه الإشكاليّة في نهاية القصّة أيضًا إذ يوضح سبب الموت وكأنّه قرار. فانتحار الشخصيّة الرّئيسة “سهام” ليس سوى لحظة نابعة من انفجار داخلي، وكأنّ الكاتب حاول المحافظة على صورتها المثالية، بعد كلّ ما طرأ على حياتها من تحولات وضغوطات. فإذا كان اكتئابها هو ما دفعها إلى الموت، نكتشف أنها رأت فيه خلاصًا لحبيبها من انعكاسات ألمها. وإذا كان شعورها بالخذلان هو السبب، فإن موتها يصبح فعل كرامة، وصرخة أخيرة في وجه حبّ لم يكن مكافئًا لما منحته من ذاتها.
ينتهي النص عند نقطة الصفر، حيث يتقاطع الحب والموت في لحظة مكثفة، تمثل أقصى درجات التناقض والتكامل. في هذه اللحظة، يتحوّل الموت إلى فعل حبّ، والانسحاب إلى تعلّق، والغياب إلى خلود رمزي. هذا التلاقي المربك بين نهايتين يطرح تساؤلات جذرية حول جدوى الحياة، ومعنى الحب، ومصير الذات في عالم لا يمنحها مكانًا آمنًا.
