في تظاهرة ثقافية وفنية كبرى تجسّد عراقة المشهد الإبداعي العربي وتؤصل حضوره، أسدلت مدينة جرش التاريخية في الأردن الستارة على فعاليات استثنائية لدورتها الأربعينية الكبرى التي جاءت تحت شعار «إرث يمتد.. أجيال تلتقي»، وسط حضور جماهيري غفير تجاوز عشرات الآلاف، وتغطية إعلامية عربية وعالمية واسعة.
وقد شكّل المهرجان، على مدار أيامه التي انطلقت أواخر تموز وامتدت حتى مطلع شهر آب، منصة حضورية وفكرية متكاملة احتفت بمسيرة أربعة عقود من العطاء الثقافي والفني. وصدحت الأروقة الأثرية للمدينة الرومانية بأهم الأسماء الشعرية، والأدبية، والموسيقية من مختلف أنحاء الوطن العربي، لتعيد تأكيد مكانة جرش كجسر حقيقي للتواصل الإنساني وحصن من حصون الوعي المجتمعي والذاكرة المشتركة.
وشهد البرنامج الثقافي المصاحب، الذي نظّم بالتنسيق مع الهيئات الثقافية ورابطة الكتّاب الأردنيين، ندوات فكرية عميقة وملتقيات للسرد ناقشت تحولات الرواية العربية في الألفية الثالثة، وقضايا الهوية والذاكرة وتحديات المشهد الثقافي المعاصر، إلى جانب أمسيات شعرية كبرى أحياها نخبة من الشعراء العرب والمحليين. وعلى المدرجات التاريخية، تقاطعت الفنون الجماهيرية الكبرى مع التراث الأصيل، حيث تألقت العروض الموسيقية الاستثنائية واللوحات الفلكلورية التي قدمتها فرقة أبناء الجبال وغيرها من الفرق العربية والعالمية، لتخلق حالة من التلاحم الفني الفريد بين أصالة الماضي وروح الحداثة.
وأكدت اللجان المنظمة وإدارة المهرجان أن الإقبال الجماهيري الهائل والتنوع الديموغرافي للزوار يعكسان تعطش الجمهور العربي للفعاليات الفنية الرصينة التي تعلي من شأن الكلمة الهادفة والإبداع الأصيل. ولم تقتصر الفعاليات على العاصمة أو المدينة التاريخية، بل امتدت لتشمل محافظات أردنية عدة عبر شراكات استراتيجية، مما ضمن وصول الرسالة الثقافية إلى كل المناطق.
بهذا النجاح التنظيمي والجماهيري غير المسبوق، يثبت مهرجان جرش مجدداً أنه ذاكرة حيّة ومؤسسة وطنية وعربية كبرى ترسخ دور الثقافة كدرع حصين في وجه التحديات، وتؤكد قدرة الإبداع العربي على تجديد عطائه واستمرار نبضه من عمق التاريخ إلى رحاب المستقبل.




