Home / رﯾﺎﺿﺔ / ميسي ورونالدو… ما بين وداع اسطوري وإنقسام وطني

ميسي ورونالدو… ما بين وداع اسطوري وإنقسام وطني

أيقونتان حظى أحدهما بتكريم مهيب والآخر قد تكون نهايته حزينة

في ليلة حظي فيها أحد أساطير كرة القدم بوداعٍ مهيب في بلاده، كان هناك أسطورة أخرى – على بُعد حوالي 6000 ميل – يصدر بياناً مطولاً يستعرض فيه كافة أشكال الظلم التي تعرض لها على يد المدير الفني لمنتخب بلاده الوطني.

لقد حظي النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي بحفاوة بالغة من الجماهير في بوينس آيرس، حيث اختتم مسيرته الدولية الاستثنائية بتسجيل هدف وصناعة إثنين في مرمى منتخب بنين في ليلة مشحونة بالمشاعر. وفي الوقت نفسه، أصدر النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي غادر معسكر منتخب بلاده غاضبا، بياناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اتهم فيه المدير الفني خورخي جيسوس، بـ “الكذب وخرق الثقة”، مع إقراره في الوقت ذاته بأنه يتحمل مسؤولية أفعاله الخاصة.

وكان مهاجم مانشستر يونايتد وريال مدريد السابق قد غادر معسكر المنتخب البرتغالي المشارك في دوري الأمم الأوروبية خلال فترة التوقف الدولي (الشهر الماضي)، معترضا على بقائه على مقاعد البدلاء دون مشاركة أمام النرويج، ثم علمه بأنه لن يشارك أساسياً في المباراة التالية ضد الدنمارك، في خطوة يراها معظم خبراء الكرة البرتغالية بداية النهاية!

لقد صرح جيسوس بأن الباب لا يزال مفتوحاً أمام عودة رونالدو للمنتخب الوطني، لكن هل هذا صحيح حقاً؟ أم أن هذه الأزمة ستستمر، مما قد يؤدي إلى إسدال الستار نهائياً على المسيرة الدولية لواحد من أعظم اللاعبين في التاريخ؟

في بوينس أيرس كان كل شيء معد سلفاً للإحتفال بميسي (39 عاما) الذي قرر بإرادته الإعتزال دولياً رغم مطالبة الجماهير والجهاز الفني له بالاستمرار. مع ختام مونديال 2026 في شهر أغسطس (آب) الماضي أعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي، بعد أن حلّت الأرجنتين في المركز الثاني إثر خسارة النهائي أمام إسبانيا، ومتأثراً بوفاة والده خورخي.

وكانت الأرجنتين ترى أن نجمها الإسطوري يستحق أكثر من مباراة تكريم لمشواره الدولي الطويل، فدعته لخوض أخر مباراة بقميص بلاده ضد منتخب بنين في مباراة ودية وداعية نفدت كلها تذاكرها مبكرا، وتمكن خلالها النجم الأيقوني من تحويل اللقاء الاخير إلى عرض استثنائي، بتسجيل هدف وصناعة إثنين أخرين خلال الفوز 3 – صفر.

أمام حشد جماهيري بلغ 85 ألف متفرج، اختتم ميسي مسيرة دولية امتدت لـ21 عاما، شهدت تسجيله 126 هدفاً، وتتويجه بكأس العالم عام 2022 بالإضافة لحصوله على لقبين قارين في بطولة كأس “كوبا أميركا”.

خاض ميسي المباراة رقم 208 له بقميص الأرجنتين، وسط عرض مذهل للألعاب النارية، ومرتديا نسخة خاصة من قميص المنتخب بخطوط عمودية أعرض من التصميم المعتاد، وشمس ضخمة، ورقم 10 ذهبي على الظهر مع عباراة “الأعظم على الإطلاق”.
وبعد 10 دقائق من صافرة البداية، أوقف الحكم المباراة لتكريم القائد الأرجنتيني، حيث اقترب منه المنافسون وزملاؤه في الفريق لتحيته، بينما وقفت الجماهير مصفقة بحرارة، ليرد ميسي التحية ملوحا بيده والدموع تذرف منه وكل من حوله.

ما الذي يحدث مع رونالدو؟

في جانب أخر من العالم كانت هناك قصة أخرى تتواصل مع بدء فصول أزمة رونالدو مع الجهاز الفني لمنتخب البرتغال. خلال كأس العالم الأخيرة كان المدير الفني السابق للبرتغال، الإسباني روبرتو مارتينيز، يواجه الكثير من الإنتقادات لإصراره على إشراك رونالدو أساسياً في كأس العالم التي أقيمت الصيف الماضي.

ومع بلوغه سن الحادية والأربعين، لم يعد رونالدو ذلك اللاعب الذي يتمتع بالحيوية والنشاط كما كان في السابق، ورأى كثيرون أن وجوده في الملعب يعيق أداء الفريق بدلاً من دعمه.

وبعد تولي جيسوس المهمة بدلا من مارتينيز كان على الأخير مصارحة النجم الذي كان لا يمس بأن دوره سيتقلص، لكن الأمور وصلت الى مرحلة الصدام خلال مباريات دوري الأمم الأوروبية عندما جلس رونالدو على مقاعد البدلاء أمام النرويج ، ثم مغادرة المعسكر قبل المباراة المقررة ضد الدنمارك.

كان بيان رونالدو التالي الذي تكون من نحو 2000 كلمة، بمثابة إشعال للموقف بدلاً من تهدئته واتهم فيه المدير الفني بـ “نقض عهده” مرتين وارتكاب “خيانة تامة للثقة”.

وجّه رونالدو الإعتذار للجماهير ولزملائه في الفريق عن مغادرته المعسكر، ونفى أي تلميح بأنه خاض مباراته الأخيرة مع المنتخب البرتغالي.

ورغم فتح جيسوس الباب لرونالدو للعودة للمنتخب الا أن خبراء اللعبة بالبرتغال يرون أن النجم الإسطوري قد صنع جداراً لن يستطيع إختراقه للعودة بعدما وصف مدربه بالكاذب ثلاث مرات.

عند الحديث عن الجماهير، تبدو الآراء منقسمة، فقد عُلّقت في لشبونة لافتات تشيد برونالدو وتنتقد المدير الفني جيسوس. وتقول اللافتات باللغة البرتغالية: “شكراً كريستيانو رونالدو على كل ما قدمته للبرتغال. ستظل دائماً قائدنا”. وتقول لافتة أخرى: “لم يكن خورجي جيسوس على قدر المسؤولية؛ افتقر إلى الحساسية، وأساء معاملة القائد، واتسم بتضخم الأنانية”.

لكن في استطلاعات الرأي التي أُجريت في البرتغال حول هذه القضية، وقف 15 في المائة فقط في صف رونالدو؛ ومع إعتراف غالبية الناس بان الكرة البرتغالية مدينه لرونالدو بالكثير، الا أن وقته قد انتهى بالفعل وعليه أن يدرك ذلك.

المدرب والمقربون في إدارة الإتحاد يدركون أن المشكلة تكمن في أن رونالدو لا يدرك إنه بلغ ال41 من العمر؛ ويريد الاستمرار في اللعب وكأنه في الرابعة والعشرين.

لكن بالطبع أن ما قدمه رونالدو لكرة القدم البرتغالية أمر فريد ومذهل، ويستحق مباراة تكريم لا تقل عن التي صنعت لميسي.

لقد ظهر رونالدو، لأول مرة بقميص منتخب بلاده بعمر  18 عاما و6 أشهر و15 يوما، خلال فوز البرتغال 1 – صفر على كازاخستان في 2003.
وخلال مسيرته الدولية الممتدة لأكثر من 23 عاما، خاض 234 مباراة أحرز خلالها 146 هدفا منها هاتريك في 10 مرات، وصنع 191 مساهمة تهديفية لزملائه.

شارك رونالدو في ست نسخ من كأس العالم في أعوام (2006، 2010، 2014، 2018، 2022، 2026)، وسجل 11 هدفا خلال 27 مباراة، لكنه لم يحظ بالتتويج باللقب، وكانت أبرز إنجازاته الدولية الفوز  ببطولة أمم أوروبا “يورو 2016” في فرنسا، وبطولة دوري الأمم الأوروبية مرتين في عامي (2019 و2025).

ما هي الخطوة التالية لميسي؟

مازال ميسي ملترما بتعاقده مع فريق إنتر ميامي الأميركي المستمر حتى نهاية موسم 2028، ولا يتوقع المقربون منه أن يرحل عن النادي قبل حلول الموعد المحدد، بل من المرجح جداً أن يجدد عقده إذا شعر بأنه قادر ذهنيا وبدنيا على مواصلة اللعب.

يبدو أن النجم الفائز بالكرة الذهبية ثماني مرات يرغب في دخول عالم ملكية أندية كرة القدم، وقد بدأ بالفعل في اتخاذ خطوات لتحقيق ذلك. فهو يمتلك حالياً ناديين – وهما “يو إي كورنيلا” الذي يلعب في دوري الدرجة الخامسة الإسباني، و”سي دي إلدنسي” في دوري الدرجة الثانية – فضلاً عن كونه شريكاً في سلسلة مطاعم “إل كلوب دي لا ميلانيسا”، التي تخطط لافتتاح خمسة فروع لها في إقليم كتالونيا.

كما يرتبط ميسي بعقد مدى الحياة مع شركة “أديداس”، ولديه مجموعة منتجات بالتعاون مع العلامة التجارية “ستانلي” المتخصصة في أوعية المشروبات، بالإضافة إلى استثماراته في قطاعي العقارات والفنادق.

مازال المدير الفني لمنتخب الأرجنتين ليونيل سكالوني يحلم بعودة ميسي عن قرار إعتزاله ومؤكدا أن الباب سيظل مفتوحاً أمامه إذا ما  أراد العودة.

وكان قد سبق لميسي الاعتزال الدولي في عام 2016، بعد تجرّع مرارة الخسارة في نهائي بطولة دولية كبرى للمرة الثالثة على التوالي. وقال ميسي حينها عقب الهزيمة أمام تشيلي في نهائي بطولة كأس أمم أميركا الجنوبية (كوبا أميركا): “إنها لحظة صعبة وقاسية. لقد حانت النهاية بالنسبة لي وللفريق. خضنا أربع مباريات نهائية، لكن الحظ لم يحالفني للأسف. لقد سعيت لذلك وأردته بشدة، لكنه لم يتحقق. هذا هو الخيار الأفضل للجميع؛ لي وللكثيرين ممن تمنوا ذلك. لقد انتهت رحلتي مع المنتخب، إنه قرار حاسم. حاولت مراراً وتكراراً، لكنني أغادر دون أن أتمكن من تحقيق اللقب”.

وعقب حملة وطنية حثته على تغيير رأيه عاد ميسي وتلا ذلك عشر سنوات أخرى زاخرة مع المنتخب، وكانت فترة استثنائية بكل المقاييس؛ فبعد أن فاز أخيراً بكأس العالم – إلى جانب تسجيله رقماً قياسياً في عدد المباريات الدولية (208 مباريات بعد مباراة الثلاثاء) والأهداف (125 هدفاً) مع الأرجنتين متفوقاً على الجميع – لم يعد النجم الملقب ب”البرغوث” بحاجة لإثبات أي شيء لأي أحد.

وبالطبع لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه المدرب ليونيل سكالوني الذي تولى المهمة بعد مونديال روسيا  2018 إثر أقالة المدير الفني خورخي سامباولي وأحدث طفرة لم يتوقعها أحد. وكان النجم الاسطوري دييغو مارادونا متعجباً من إختيار المغمور سكالوني ووصفه بأنه “رجل لا يستطيع حتى تنظيم حركة المرور. كيف يمكننا أن نسلمه قيادة المنتخب الأرجنتيني؟ هل فقدنا عقولنا جميعاً؟”

سكالوني الذي نجح في إقناع ميسي بالاستمرار مع منتخب الأرجنتين أصبح خلال فترته الممتدة لنحو 8 سنوات المدير الفني الوحيد بالبلاد الذي فاز بكأس العالم وألقاب متعددة في كوبا أميركا، يدرك أن لميسي الدور الجوهري في كل تلك النجاحات.

كما يُعد سكالوني المدير الفني الذي خاض ميسي أكبر عدد من المباريات تحت قيادته (79 مباراة دولية)، وهو أمر يحمل دلالة رمزية؛ صاحب فضل في بناء فريق يُعظم تأثير النجم الإسطوري الذي منحه اللعب بحرية فأخرج منه كل الابداعات السحرية.

يتقاسم ميسي ورونالدو رقما قياسيا في المشاركة بكأس العالم بست نسخ، لكن الاردنتيني يتفوق في عدد المباريات المونديالية (34 مباراة)، وإرثه الكبير يرتبط بآخر نسختين. فمن بين 33 مساهمة تهديفية له في كأس العالم – وهو رقم قياسي في البطولة – جاءت 22 مساهمة خلال نسختي 2022 و2026. وقد كانت مساهماته العشر في الأهداف خلال مونديال قطر 2022 الأعلى في تلك البطولة، بينما لم يتفوق عليه في رصيده البالغ 12 مساهمة تهديفية في مونديال أميركا الشمالية سوى الفرنسي كيليان مبابي (14 مساهمة).

وفي سياق متصل، نجح ميسي لفترة وجيزة في تحطيم الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف في تاريخ كأس العالم، عندما وصل رصيده إلى 18 هدفاً بفضل الثنائية التي سجلها في شباك النمسا هذا العام متجاوزاً الألماني ميروسلاف كلوزه، رغم أن إجمالي أهدافه النهائي البالغ 21 هدفاً يقل بهدف واحد عن رصيد مبابي البالغ 22 هدفاً.

أما رونالدو الذي لم يحظ بالتتويج بكأس العالم فقد خاض 27 مباراة مونديالية خلال النسخ الست التي شارك فيها وسجل 11 هدفا . لكن النجم البرتغالي يتفوق في عدد الأهداف الدولية بشكل عام عن ميسي حيث يحمل سجلة 146 بقميص البرتغال خلال 234 مباراة، مقابل 126 هدفا للأرجنتيني في 206 مباريات دولية.