هل تمثّل عمليات شدّ الجسم والحميات العشوائية خياراً آمناً ؟

بين الرغبة بالجسم المثالي والحلول السريعة:

لم تعد معركة خسارة الوزن تدور فقط داخل العيادات الرياضية أو برامج الحمية، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف، حيث تُعرض يومياً أجساد “مثالية” تبدو بلا عيوب، وكأن الجمال بات قالباً واحداً يجب على الجميع دخوله مهما كان الثمن. وبين صورة معدلة بفلتر، وأخرى خضعت لعشرات التعديلات، يجد كثيرون أنفسهم أمام مرآة قاسية تُشعرهم بأنهم أقل جمالاً أو أقل قبولاً.

هذا السعي المحموم وراء “الجسد المثالي” لم يعد مجرد رغبة عابرة، بل تحول لدى البعض إلى ضغط نفسي صامت يدفعهم نحو قرارات متسرعة؛ حميات قاسية، حرمان مرهق، أو عمليات تجميل وتخفيف وزن تُتخذ بدافع المقارنة أكثر من الحاجة الصحية. والأسوأ أن البعض يطارد نتيجة سريعة، متناسياً أن الجسد ليس مشروعاً تجميلياً مؤقتاً، بل منظومة حساسة قد تدفع ثمن التسرع لسنوات.

ورغم أن العناية بالمظهر أمر طبيعي، إلا أن الخطورة تبدأ عندما يصبح شكل الجسم مقياساً للقيمة والثقة بالنفس. فالكثير من الصور المتداولة لا تعكس الواقع الحقيقي، بل تصنع معايير يصعب الوصول إليها، ما يخلق شعوراً دائماً بالنقص وعدم الرضا مهما تغيّر الشكل أو انخفض الوزن.

وسط هذا الضجيج البصري، تذكر أخصائية التغذية والصحة ماريبال حرب بأن الصحة الحقيقية لا تُختصر في مقاس خصر أو رقم على الميزان، بل في التوازن؛ توازن الجسد، والنفس، والعلاقة مع الذات. لأن أخطر ما قد يخسره الإنسان في رحلة البحث عن “الجسم المثالي” ليس وزنه… بل رضاه عن نفسه.

في هذا التقرير سنجيب عن جميع الأسئلة الشائعة حول الحميات العشوائية وعمليات شدّ البطن والجسم وماهيّة العلاقة بين “جسم الموضة” والحاجة الطبية الحقيقية.

___________________ 

من حلم الرشاقة إلى كابوس الجراحة

رغم القفزات الطبية الهائلة التي شهدها عالم جراحات التجميل وتخفيف الوزن خلال السنوات الأخيرة، فإن الواقع لا يشبه دائماً الصور المثالية التي تملأ الإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي. فخلف الوعود بالقوام المثالي والنتائج السريعة، تختبئ قصص لأشخاص دخلوا غرف العمليات بحثاً عن حياة أفضل، لكنهم خرجوا منها بمضاعفات جسدية ونفسية لم تكن في الحسبان.

ففي كثير من الحالات، يتحوّل القرار المتسرّع أو اللجوء إلى مراكز غير متخصصة إلى بداية لمعاناة طويلة، حيث تشير أخصائية التغذية ماريبال حرب إلى أن هذه المخاطر قد تبدأ بالتهابات حادة وصعوبة في التئام الجروح، وقد تصل إلى تشوهات واضحة وترهلات غير متوقعة تغيّر شكل الجسم بصورة صادمة. كما يعاني بعض المرضى من فقدان وزن مفرط وغير صحي ينعكس سلباً على طاقتهم وصحتهم العامة، بينما يدخل آخرون في دوامة من القلق والإحباط بسبب عدم رضاهم عن النتائج التي كانوا يتوقعون أن تغيّر حياتهم بالكامل.

ولا تتوقف تداعيات عمليات شدّ الجسم عند النتائج غير المتوقعة أو المضاعفات الطبية فحسب، بل تمتد أحياناً إلى آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد، خاصة عندما تُجرى من دون وجود حاجة طبية حقيقية، وإنما بدافع الضغط الاجتماعي أو السعي المستمر وراء صورة مثالية يصعب الوصول إليها.

وتشير إلى أن بعض المرضى يدخلون هذه العمليات مع وهم اذ يتوقعون “تغييراً سحرياً” من دون إدراك أن الجراحة ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي بل خطوة تحتاج إلى التزام ورعاية دقيقة.

حميات تخسيس عشوائية… استنزاف للصحة

من الحلول الخاطئة أيضاً تلك التي يلجأ إليها البعض، هي حميات التخسيس العشوائية أو الرجيم القاسي الذي تكون آثاره مدمّرة على الصحة النفسية والجسدية، اذ في ظلّ الهوس المتزايد بخسارة الوزن السريعة، بات كثيرون يلجأون إلى حميات غذائية قاسية يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الترويج لها من قبل مشاهير ومؤثرين، من دون أي استشارة طبية. وبين الوعود بخسارة عدد كبير من الكيلوغرامات خلال أيام قليلة، يندفع البعض إلى تجارب غذائية غير مدروسة قد تحمل آثاراً صحية ونفسية تتجاوز بكثير مجرد تغيّر الرقم على الميزان.

تقول حرب عن ذلك: الحميات العشوائية التي تقوم على الحرمان الشديد أو حذف عناصر غذائية أساسية من النظام اليومي، تضع الجسم تحت ضغط كبير وتحرمه من احتياجاته الطبيعية، ما يؤدي مع الوقت إلى حالة من الإرهاق المستمر وضعف الطاقة والتركيز. عدا عن المشاكل التي تنعكس على الشعر والبشرة والعضلات، إضافة إلى اضطرابات في الهرمونات وعمل الجهاز الهضمي، خاصة عندما تتم لفترات طويلة أو بطريقة غير متوازنة.

وتضيف: أحذّر بشدّة من أن خسارة الوزن السريعة التي يعتقد البعض أنها “نجاح” قد تكون في الواقع مؤشّراً على فقدان السوائل والكتلة العضلية أكثر من حرق الدهون، وهو ما يفسّر شعور كثير من الأشخاص بالتعب الشديد أو استعادة الوزن بسرعة بعد التوقف عن الحمية. أمّا على الصعيد النفسي، فقد يدخل بعض الأشخاص في علاقة مضطربة مع الطعام بسبب الخوف المستمر من زيادة الوزن أو الشعور بالذنب بعد تناول أي وجبة، بينما تتحوّل فكرة الدايت لدى آخرين إلى ضغط يومي يسيطر على تفاصيل حياتهم وثقتهم بأنفسهم.

وتتابع حرب: إن أخطر ما في الحميات العشوائية هو أنها تتعامل مع جميع الأجسام بالطريقة نفسها، متجاهلة الفروقات الصحية والعمرية والاحتياجات الغذائية لكل شخص. فالوصول إلى وزن صحي لا يجب أن يكون مبنياً على الحرمان أو الحلول المؤقتة، بل على تغيير تدريجي ومستدام في نمط الحياة، لأن الجسم لا يحتاج إلى “صدمة غذائية” بقدر ما يحتاج إلى توازن يحافظ على صحته الجسدية والنفسية في آنٍ واحد.

بين الإغراء والإنذار: الوجه الآخر لأدوية التخسيس

انتشرت أدوية التخسيس بشكل واسع مع تزايد الرغبة في فقدان الوزن السريع، خاصة الأدوية التي تؤثر على الشهية أو الهرمونات المنظمة للجوع مثل     Semaglutide  وLiraglutide ، التي تُستخدم أساساً لعلاج السكري وتحت إشراف طبي.

وعن هذه الأدوية تقول حرب: رغم فعاليتها في بعض الحالات، إلا أن استخدامها دون متابعة طبية قد يؤدي إلى آثار جانبية مثل الغثيان، الاضطرابات الهضمية، التعب العام، ونقص بعض العناصر الغذائية، إضافة إلى احتمال اضطراب مستويات السكر في الدم. كما أن بعض المستحضرات غير الموثوقة قد تحمل مخاطر أكبر على الكبد والقلب والجهاز العصبي.

وتوضح أن هذه الأدوية لا يمكن اعتبارها حلاً سريعاً أو بديلاً عن نمط الحياة الصحي، بل هي أدوات مساعدة تُستخدم فقط عند الضرورة الطبية، بينما يبقى الأساس في تحقيق توازن غذائي ونشاط بدني منتظم لتجنب تذبذب الوزن والمضاعفات الصحية.

وعن سؤالها ما إن كانت تصادف حالات لجأت لأدوية التخسيس، قالت: نعم، مؤخراً بات اللجوء لأدوية التخسيس أمر شائع وخطير، يُعرّض حياة الأشخاص للخطر. فمنذ مدة تعرضت مريضة لدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، بعد أن أقدمت على تناول دواء للتخسيس كانت قد اشترته عن الإنترنت، حال إلى دخولها للمستشفى بسبب الجفاف القوي الذي تعرّض له جسدها. ومن هنا أشدّد على أهمية الرقابة على الأسواق عبر الإنترنت خصوصاً التي تبيع الأدوية دون أي إجراءات لازمة تحمي الأفراد.

صحتك أولاً… والنتائج تتبعك

تقوم خسارة الوزن بشكل صحي وفعّال على أسس علمية تعتمد على تغيير نمط الحياة بشكل متدرج ومستمر والذي تكون فيه الصحة بالدرجة الأولى، وليس عبر الحلول السريعة أو الحميات القاسية، فنحن كأخصائيين تشير حرب، نضع خطة على حسب كلّ فرد، ونضع في حسباننا صحته أولاً، عبر التعرّف ما إن كان يعاني من أمراض مزمنة، ضغط أو سكر أو مشاكل هضمية وغيرها، ووفق لحالته نضع خطة تتماشى مع نمط جياته الصحية واليومية ومدى حركته خلال النهار.

وتقول: إجمالاً، الجسم يستجيب بشكل أفضل عندما يكون هناك عجز حراري معتدل ومدروس يتيح فقدان الدهون تدريجياً دون التأثير على الطاقة أو الوظائف الحيوية، بدل اللجوء إلى تقليل مفرط في الطعام يؤدي إلى نتائج مؤقتة غير مستقرة. كما أن اعتماد نظام غذائي متوازن يُعدّ من أهم العوامل، حيث يساهم إدخال البروتينات والألياف والخضروات والحبوب الكاملة في تعزيز الشعور بالشبع وتحسين عملية الأيض، في حين يساعد تقليل السكريات والدهون المصنّعة على الحدّ من تخزين الدهون. ومع هذا التوازن الغذائي، يلعب النشاط البدني المنتظم دوراً أساسياً، فالجمع بين تمارين المقاومة وتمارين المشي أو الكارديو يساهم في حرق الدهون وتحسين شكل الجسم وزيادة الكتلة العضلية التي ترفع معدل الحرق حتى في حالات الراحة.

وعن سؤالها عن العادات التي تساعد في تحسين ذلك، تشير: عوامل النوم الجيد وإدارة التوتر لا تقل أهمية عن الغذاء والرياضة، فاضطراب النوم وارتفاع مستويات الضغط النفسي يؤثران بشكل مباشر على الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع، ما قد يؤدي إلى زيادة الوزن أو صعوبة فقدانه. لذلك فإن تحسين جودة النوم وتنظيم الحالة النفسية يعدّ جزءاً أساسياً من أي خطة ناجحة. 

وتوضح أن نجاح خسارة الوزن لا يعتمد على السرعة، بل على الاستمرارية والتدرّج، فكلما كان التغيير في نمط الحياة واقعياً وقابلاً للاستمرار، كانت النتائج أكثر ثباتاً وصحة، بينما الطرق السريعة قد تعطي نتائج مؤقتة لكنها غالباً لا تدوم وتؤثر سلباً على توازن الجسم.