هل تنهي اسرائيل حلم الفلسطينيين ؟

   تغيير المكانة القانونية للضفة  :

سيذكر التاريخ أن شباط من العام 2026 هو الأكثر قسوة على الضفة الغربية ليس لجهة الإستيطان الذي لم يتوقف عن التهام المكان الذي كان يفترض أن يشكل جغرافيا الدولة الفلسطينية بل لأن الحكومة اليمينية ذهبت بعيداً في اتخاذ قرارات بشكل معلن تلغي فيها الإستاتيكو القانوني  والإداري لوضع الضفة الغربية سواء لجهة السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الضفة منذ عام 67 واستمرار سريان القوانين الإردنية مضاف إليها قوانين اسرائيلية لم تمس جوهر الوجود الفلسطيني وملكيته للمكان أو لجهة وجود سلطة وطنية تدير الضفة الغربية هي نتاج اتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين اسرائيل تمت في البيت الأبيض وأودعت  نسخة منها في الأمم المتحدة التي اعترفت بالوضع القانوني الجديد للضفة بعد الإتفاقيات .

 في جلستها الأكثر خطورة على وضع الضفة منذ ستة عقود أي منذ احتلال ذلك الجزء من فلسطين الذي خضع للإدارة الأردنية بعد النكبة والتي انعقدت في الثامن من شباط والذي استدعى فيه رئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو المستشارة القانونية غاليه بهراف ميارا رغم الصراع الكبير بينهما لأن في الأمر قرارات حملت طابعاً قانونياً أرادد مشاركتها بها فالقانون في اسرايل منذ النكبة وبعد النكسة هو جزء من أدوات الإحتلال ووظيفته هو تبئية القانون لصالح السيطرة الإسرائيلية والدفاع أمام القانون الدولي وقد كان عنوان القرارات هو تغيير الوضع القانوني والإداري للضفة الغربية وتلك مسالة كبيرة .

فللمرة الأولى منذ اتفاقيات أوسلو التي تم توقيعها عام 1993 تقرر اسرائيل سحب صلاحيات من السلطة الفلسطينية بعد أن أقرت حكومتها سلسلة اجراءات لتعزيز سيطرة الإحتلال على الضفة الغربية من قرارات تنقل فيها صلاحيات معينة من المناطق A و B إلى الإدارة المدنية وتشكل تلك سابقة تعيد فيها اسرائيل سيطرتها كما قررت الحكومة المصغرة إلغاء السرية على سجلات الأراضي في الضفة وإلغاء الحظر على بيع الأراضي لليهود هناك وهو قانوناً أردنياً ظل معمولاً به حتى بعد سيطرة اسرائيل على الضفة من الأردن وبعد مجيء السلطة هذا يحدث للمرة الأولى لتصبح كما يقول قادة الإستيطان الضفة مثل تل أبيب بإمكان اليهودي الشراء والتملك بصورة فردية وللسخرية يقول زعماء الإستيطان أنه زال التمييز ضدهم لجهة شراء الأراضي فقد كانت عمليات الشراء تتم بآلية كانوا يعتبرونها معقدة عبر شركات مسجلة وتتطلب تصريح خاص من الإدارة المدنية وطرق التفافية وصفقة خاصة أما الآن فقد مهدت حكومة اليمين المتطرف لليهود بالإستيلاء بشكل فردي بعد أن كان يتم بشكل جماعي .

في الخليل قررت حكومة اسرائيل نقل صلاحيات ترخيص البناء في الحي اليهودي وفي الحرم الإبراهيمي وبقية الأماكن المقدسة في المدينة من البلدية مباشرة إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية وبالتوازي منحت إدارة الخليل المدنية الإسرائيلية صلاحيات بلدية كاملة كما قررت حكومة الإحتلال ضمن قراراتها الإستيلائية على اقامة بلدية خاصة لقبر راحيل في بيت لحم وبالتوازي تقرر توسيع أعمال الرقابة وفرض القانون الإسرائيلي على مناطق A  وB بمسائل تتعلق بقضايا محددة ، تلك التقسيمات  حددها اتفاق أوسلو الذي قسم الضفة لثلاث فئات وهي

الفئة ” A” والتي تبلغ مساحتها بين 17.5% -21% من الضفة الغربية وتلك تخضع لسيطرة السطة الفلسطينية أمنياً وإدارياً .

المنطقة ” B ” وتشكل حوالي 18%- 18.5% من مساحة الضفة وتنقسم فيها السيطرة بين السلطة واسرائيل بحيث تسيطر السلطة مدنياً لكن اسرائيل تحتفظ بالسيطرة الأمنية

المنطقة ” C ” تمثل أكثر من 60 % من مساحة الضفة الغربية وتخضع كلياً من الناحية الامنية والمدنية لسيطرة اسرائيل .

تلغي اسرائيل صلاحيات للسلطة في المناطق المنصوص عليها في الإتفاقيات ما يعني أننا أمام مرحلة جديدة تصبح تلك الإتفاقيات التي أعادت تنظيم العلاقة مع الفلسطينيين من خلال انشاء سلطة فلسطينية تكفلت بالإشراف عليهم وتقديم الخدمات كالتعليم والصحة والأمن الداخلي حيث حوالي 92% من الفلسطينيين يعيشون في منطقة A وهي ما تنازلت فيها اسرائيل لتلقي بالعمل الأسود كما قالت صحافية اسرائيلية ” عميرة هاس ” على الفلسطينيين أنفسهم للقيام به لكن المناطق الأخرى جاء تسليم الصلاحيات الماكر وفقاً للتكتلات أو العبء السكاني فيها وصولاً للمنطقة C  وهي وهي المناطق الزراعية وغور الأردن وشبه الخالية من السكان أبقتها اسرائيل تحت السيطرة الإحتلالية أمنياً وإدارياً وقانونياً وهي المنطقة الاكبر التي كانت تضع نصب أعينها على ضمها ومنعت أي وجود فلسطيني بل عملت على تهجير السكان من تلك المناطق من خلال إجراءات وقوانين طاردة كانت منطقة الغور القريبة من الحدود الاردنية تجسد حالة التفريغ الهاديء والمنظم من ساكنيها تمهيداً للضم هذا على مدى سنوات وعقود بعد الإتفاق لكن القرارات الأخيرة تتجاوز منطقة C   لتعيد السيطرة القانونية على كل الضفة الغربية كأن لا سلطة فيها تدير الفلسطينيين كتطور شديد الأهمية منذ اتفاقيات أوسلو كأنه يسدل الستار على مرحلة السلطة والمفاوضات والإتفاقيات والمسار الذي سلكه الفلسطينيون للوصول لدولة ماتت قبل أن يكتمل الحلم بها مع وصول حكومات اليمين منذ مطلع القرن في اسرائيل وهو اليمين الذي عارض اتفاق أوسلو وتعهد بالإطاحة به وإزالة آثاره وها هو يضع لمساته الأخيرة على ذلك أمام العالم الذي شهد على هذا الإتفاق في احتفال مهيب في حديقة البيت الأبيض في الثالث عشر من أيلول عام 1993 لكنه اليوم الذي كان يقيم فيه اليمين جنازته في اسرائيل متشحاً بالسواد كانت تمثل ذلك غيؤولا كوهين عضوة الكنسيت آنذاك عن حزب الليكود ووالدة تساحي هنغبي المستشار الحالي للأمن القومي الإسرائيلي يوم أن استلقت باكية كبقرة على باب الكنيست وهي تبكي قائلة ” هذا يوم أسود في تاريخ اسرائيل ” .

في اسرائيل حكومة تتشكل من أربع قوائم انتخابية الأولى حزب الليكود الذي يشكل العمود الفقري لها والذي يرأسها زعيمه بنيامين نتنياهو والثانية حزب شاس الذي يمثل المتدينيين الشرقيين وقائمة يهدوت هتوراة التي تتشكل من حزبين يمثلان اليهود الغربيين المهاجرين من أوروبا وهما ديغل هتوراة وأغوداة اسرائيل أما القائمة الأخيرة وهي القائمة الأشد تطرفاً تتشكل من حزبي الصهيونية الدينية التي يرأسها بتسلئيل سموتريتش صاحب هواجس الضم والذي يعلن أنه يستمد برنامجه السياسي من أسطورة يهوشع بن نون الذي قام بمذبحة أريحا واضعاً خيارات أمام الفلسطينيين في مؤتمر حزبه عام 2018 في سيناريوهات ثلاثة أما القبول بالعيش تحت الإحتلال أو الهجرة أو السيف وشريكه في القائمة حزب العظمة اليهودية الذي يرأسه ايتمار بن غفير وريث كاهانا وصاحب نظريات الترانسفير .

أزمة القومية اليهودية أن القومية في اسرائيل هي دين والدين هو قومية وتلك معضلة تعني استدعاء الدين في العمل السياسي أو اعتباره منتج السياسة في دولة تتطابق فيها لدى السكان في بطاقة الهوية الدين والقومية ما يعني أن أمر المفاهيم الدينية لا تقتصر فقط على القوى الدينية التوراتية أو القوى ذات المرجعيات الحاخامية  بل يمتد الأمر ليشمل القوى العلمانية والقومية والوسطية ما يعني أن النظرة السياسية للضفة الغربية يتم استدعائها من الكتب القديمة والنصوص التوراتية والمعضلة أن تلك القوى تعتبر في مخيلتها العامة أن أحداث التوراة جرت في الضفة الغربية فالتصور في المخيال العام بالنسبة للهيكل أنه جرى تشييده في القدس التي جرى احتلالها عام 67 أما ” ما يسمونه في النصوص مغارة المكفيلا” وهي ” الحرم الإبراهيمي ” حيث تقول النصوص أن ابراهيم دفن فيها زوجته سارة في حقل عفرون الحثي حسب النص فهي موجودة في الخليل وثم فيها دفن ابراهيم وأبنائه اسحق ويعقوب وزوجتيهما وكذلك قبر يوسف في مدينة نابلس وقبة راحيل في بيت لحم وهكذا تتحول الضفة الغربية إلى ما يسميه نتنياهو في مقدمة كتابه ” مكان بين الأمم ” يسميها  ” أرض الآباء والأجداد ” وهو ما يفسر هوس بتسلئيل سموتريتش الدائم رئيس الحزب الديني ” الصهيونية الدينية ب ” ضم الضفة الغربية “.

لم يكن اختيار سموتريتش أثناء تشكيل حكومة اسرائيل اثر انتخابات الأول من نوفمبر 2022 لوزارة المالية مسألة اعتباطية وكذلك القتال على الحصول على ثلث وزارة الدفاع الإسرائيلية فيما يتعلق بصلاحياتها على الضفة الغربية مجرد مصادفات بل هما وسائل الرجل الديني للإستحواذ على أدوات السيطرة والضم المسكون بهما ومن هنا كانت القرارات التي تتعلق بتغيير الوضع القانوني والسيطرة على الأراضي في الضفة ومصادرة صلاحيات السلطة سوى نتاج فعل بدأ منذ تسلمه صلاحياته كانت تلك القرارات تتكيء على مقدمات تم العمل عليها لأكثر من ثلاث سنوات لم يتوقف العمل خلالها على الأرض ومن خلال المشاريع أبرزها ما قدمه نهاية عام 2024 من تصور لضم 60% من الضفة وفرض السيادة اليهودية على المستوطنات وإلغاء جهاز الإدارة المدنية العامل في الضفة كذراع مدني للجيش الإسرائيلي وتحويل مسؤوليات الحكم في الضفة إلى الحكومة الإسرائيلية ودوائرها وقد قامت الحكومة بتنفيذ ذلك بتحويل تلك الصلاحيات لموظفين يتبعون سموتريتش عندها اعترف أن مهمة حياته هي ” بناء أرض اسرائيل واحباط قيام دولة فلسطينية ” ولا شك أن القرارات الأشد خطورة التي تم اتخاذها بتغيير وضع الضفة تقطع الطريق على أي حلم فلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية حيث السيطرة الإسرائيلية والسيادة بالقوة وفرض القانون بالقوة .

في ظل أحطر القرارات التي يراد لها إغلاق الملف الفلسطيني في ظروف غاية القسوة على الفلسطينيين سواء لجهة ما فعلته اسرائيل في غزة من إبادة مروراً بوجود رئيس أميركي تابع يفاخر بأنه أكثر خادم لإسرائيل يبدو الأمر ليس بتلك السهولة التي اجتاز الفلسطينيون فيها خلال عقود من كفاحهم الوطني كل الهزات التي تعرضون لها وخرجوا بأقل الخسائر محافظين على وهج استمرارهم لكن هذه المرة يبدو كأن الجحيم الإسرائيلي الأميركي يطبق عليهم من كل الجهات إبادة بشرية وإبادة للأرض وإبادة للجغرافيا والقانون واستهداف كل شيء حتى المؤسسة والهياكل التي تعبر عن وجودهم السياسي على هذه الأرض من سلطة رغم كل الملاحظات عليها تتعرض للتآكل وسحب البساط من تحت أقدامها بعد أن تعرضت منظمة التحرير لعملية تآكل بفعل عوامل الزمن وبفعل التشوه الذي حصل للنظام السياسي الفلسطيني والذي يدير نفسه تحت الإحتلال وفي تصالح معه وهذه ربما أول تجربة من هذا النوع إدت لإصابتة بذلك التشوه ونتائجه المدمرة .

الغريب أن الولايات المتحدة التي كانت قد منعت اسرائيل من ضم الضفة الغربية بعد أن تم تشريع الأمر بالقراءة الأولى في كنسيت اسرائيل في أكتوبر الماضي بسبب ما قال عنه دونالد ترامب وعداً للأصدقاء العرب لم يعد هذا الفيتو الأميركي قائماً أثناء تغيير المكانة القانونية للضفة الغربية ومن المعروف أن واشنطن وحدها من يستطيع التأثير على قرارات اسرائيل ما يضيف إلى تخوفات الفلسطينيين جانباً آخر هو أن تلك القرارات السوداء تتمر دون ضجيج أميركي وعالمي وبكل الظروف اسرائيل تجسد على الأرض ما هو أبعد من ذلك … يا للحظ الفلسطيني العاثر  .