يستريح الوقت تحت سماء حانية

داخل أسوار الشجر وحدها السماء تكسر العزلة، وحين يتوزع الناس أملاكهم نفرّ من سجون الريف الى بلاد أبعد.

هل بقي مكان لم يُكتشف؟

نمسك بخيط الماء الى إقامة رجراجة، في مركب يحمله الموج أو يحطمه.

ولكن، مم تشكو العزلة، حين ورق الشجر عالمنا، وثمره يجذب العصافير الجاهلة، تنقره وتنقرنا؟

أنامل الصيف النارية تحرق ستارة الغرفة ويرانا الجيران كما في مسرحية.

هل نحن أم الممثلون بثياب مستأجرة ويقظة تجدد النوم؟

والصيف لهاثنا حين نصعد العقبة العالية،

حيث حجارة الكلس تفحّ أبخرتها في سكون الهواء،

وأشجار الصبار وحدها هناك تجرح صفحة البياض.

وهناك تلك الثمار البرّية هبة أرضنا القديمة حيث ظلال الأجداد تقيم للحكاية حدوداً،

نحكي ثم نصمت عند النهايات المفروضة فليس المطلق لنا، هو للسماء ولا وعد.

هذه الثمار في يومياتك حين زهو الحقول وقبل الثلج.

ولن تكون لك إذ كان عليك الانتظار.

آثرت الطيران الى عالمك القاسي حيث لا هناءة إلّا خلف النافذة، وأنت في الدفء تستعير بديلاً لرحم أمك موعودًا بولادة في عالم أبعد.

فيما نحن نترك الحجر تحت ريح ومطر وشمس ولا نقلق.

سنعود يوماً وينتظرنا، مهما طالت الرحلة.

ويحتاج الحجر جسدًا ليوجد في حواسه، وهو يستحيل عدمًا أمام كائنات نورانية. تلك البدائية التي لا تغيب البدائية البرهان.

هنا، بعد هدوء العاصفة

يستريح الوقت تحت شمس حانية،

وأهل الكوخ يلاقون الفجر وعلى أهدابهم أنسال الضوء الأولى.

هذي بلاد تشبه طقسها، لكن أخلاطًا تعجز الشمس عن تجفيفها تترسب في مناجم الأحقاد.

مطر وشمس ومطر وشمس ولا نتصف بالطهر. ثمة رجس تحمله إلينا الريح لترتجف نهاراتنا والليالي.

نذهب إلى ورق النبات وجذوره بحثًا عن يقين التراب وهربًا من رجفة الطبيعة والوجدان.

نذهب ولا ننجح، حيث يمر الغزاة تاركين الحقد على صخر.

هنا، بعد العاصفة الأشياء نظيفة لامعة وفي الزوايا نذر هلاك سوداء.

تلتفت الى الوراء بلا خوف ولن تحصد الندم. تقف عند أول الشارع حيث المشردون يهددون ولن يدعوك تمرّ.

قد ينتهي عمرك ولا تمر. أنت في الخريطة المرسومة خط لا يتحرك. تلتفت الى الوراء وتخاف.

لن تستعيد الماضي وتلمس أناملك أول العشب وآخر الغبار.

لك المستقبل وحده والسؤال مسكنًا والحلم الذي لا يتجسد.

نقطة الحاضر،

مستديرة الحاضر،

وأنت الدوامة.

تذهب الى حيث جئت وتعرق مثل رياضي يتمرن.

الحياة ملعب، وأنت اللعبة لا أكثر.

الأعمدة العالية وظلالها الطويلة والرؤية مبهجة والأرض فلاة والبحر حتى الأفق، علامات زمن كان.

وكنا إذ نبارز العمود تنقضي ظلالنا وتبقى ظلاله.

من يبني يعترف بزواله ومن يعبث فإنما يلبي نداء الطبيعة:

إن حياة الإنسان لحظة عبور.

– رأيت الأشجار هاربة والهواء الآخر ينغرز في التراب.

– رأيت الحروف تطفر من الكتب الى الفضاء ونحن في العهد الشفوي، لا مستند ولا عهود.

– رأيت الخائن يرسم الحدود والمتسلل يلقننا الأبجدية.

– رأيت آخر الكتّاب مقيمًا خلف المحيط يكتب الى قارئ.

– رأيت الإداري المخلص يفقد ملكة الكلام ويقيم في سريره هاذيًا.

– رأيت أن لا أرى، وأطبقت عينيّ في انتظار سنة جديدة.

والمدينة على الضفة الأخرى ولن نعبر النهر تاركين شاطئنا الغربي، نجفّ ولا نعبر.

نحن الجيل الخائب، عندما نقترب يخيب ظننا فالأمر يتكرر.

لقد رأيناه سابقًا وما من دهشة،

ولا من يطفئ نار الشوق.

أتحرك بلا صوت ولا أحد يسمعني.

أصرخ وأعبث بالأشياء المعدنية ولا أحد يسمعني.

صورتي على غلاف الكتاب والأوراق بيضاء ولا صوت لي.

أعبر الشارع وحيدًا فأرى ما كان وليس كائنًا: دكان الحلاق الواسع عند زاوية “حاووز الساعتية”، وفي الزاوية الثانية المستشفى الألماني بأشجاره الغريبة العالية، يتسلقها تلاميذ “الكوليج دولاسال” الهاربون من دروس الفيزياء.

ونزولًا في شارع جورج بيكو حيث بنات مدرسة “الإليانس” اليهودية، لماذا لا نرى إلا البنات علمًا ان المدرسة مختلطة؟ وإلى اليسار بيت “الكتائب” في الطابق الثالث لأن رواده قلة: من يهتم بمبادئ صلبة في مدينة مفتوحة على رياح الدنيا؟

وصعودًا الى “باب ادريس” حيث محال “سوق الإفرنج” تبيع ليمونًا لا يشبه ليمون الأحياء الأخرى، ومحال ثياب لا ترى زبائنها وتستمر في العمل، لا تدري كيف.

ووصولًا الى “ساحة النجمة” و “شارع المعرض” حيث كل الطبقات يأتي إليهم كل النواب، يدخلون الى البرلمان اللبناني غير آبهين بشعب يفيض عن الأرصفة.

ولكن، ما بين مطر وآخر تولد ألوان الكون الأصلية،

هكذا فجأة، ونعبر تحت قوسها البهيّ الى قصورنا الوهمية، ونهنأ.

الكلمات تطارد الرؤية، أبعد من الجسد ومعناه.

مثل أن طينًا يخفق في يد ثم يسكن في النار، يصير ما نسميه تمثالًا.

تتداخل الكلمات في طبيعة بعيدة ليكتمل المشهد، لأن الطين عجين والتمثال خبز يابس.

الخبز للأكل والتمثال للرؤية، والكلمات لرؤية ما يتجسد فيها.

وتبقى لعبة التكوين الوحيدة: يدنا التي لم تحترق.

لكن التنهدات أبعد من اللعبة، التنهدات التي في آخر الليل: وجهها أم الطين يتشقق في ضوء القمر؟

ولا مجال للحب في ليل يحمل السخونة من موسيقى الرأس وشمس الحديقة. تكونين التمثال الذي عجزتُ عن صنعه وتركت تجاربي الطينية مهملة في المحترف.

ليل للرؤية لا للحب، وتنهدات بلا كلام يلبسها وتلبسه، حتى يقظة الصباح.