60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب

معرض فني كبير يوثق لتاريخ وذاكرة الفن وغناه الجمالي

عرفت العاصمة المغربية الرباط في الفترة الأخيرة حدثا فنيا مهما يتعلق بالمعرض الوطني الكبير الذي حمل شعار “60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب”، والذي عرف مساهمة 154 فنانًا وفنانة من مختلف الأجيال (رواد، وسط، شباب) بلوحات تشكيلية ومنحوتات وأعمال أخرى مركبة، وثقت لستة عقود من الفن التشكيلي بالمغرب، وقدمت للزوار سفرا فنيا عبر الألوان والذاكرة الفنية المغربية.

وقد جاء هذا المعرض الفني الكبير، الذي يعد امتدادا لمعرض الخمسينية الذي شهدته مدينة الدار البيضاء عام 2015، والذي حرصت على تنظيمه النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبشراكة مع متحف بنك المغرب وفيلا الفنون – مؤسسة المدى، ليعطي صورة عن الذاكرة الفنية المغربية بمختلف أجيالها وتجاربها المتنوعة وغناها الجمالي، وتعدد تعبيراتها، وحيوية أجيالها المتعاقبة، ويسلط الضوء على قضايا الهوية والحداثة في المشهد الفني المغربي.

فطيلة شهر)من 6 إلى 29 يناير/كانون الثاني 2026(، عرفت فضاءات أربعة أروقة بالعاصمة المغربية: القاعة الوطنية باب الرواح، فيلا الفنون – مؤسسة المدى بالرباط، متحف بنك المغرب، وقاعة باب الكبير بالأوداية، تقديم مجموعة مختارة من الأعمال الفنية لفنانين مكرسين وأخرى لتجارب فنية للأجيال المعاصرة من للشباب والناشئين، نذكر من ضمنها الفنانين: أحمد بن يسف، عبد الكريم البحتري، لحبيب مسفر، خديجة طنانة، عبد الرحمان رحول، عبد الله الحريري، أحلام لمسفر، ريم اللعبي، ماحي بنبين، عمر بوركبة، مليكة أكزناي، وشفيق الزوكاري، وهو ما أتاح تتبع التحولات الفنية ورصد تطور الأساليب والرؤى عبر الأجيال للفنون التشكيلية بالمغرب.

حوار تفاعلي بين الفنانين

وعن هذا المعرض الوطني الكبير يقول الفنان والباحث سيدي محمد المنصوري الإدريسي، رئيس النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين ورئيس اللجنة الوطنية للجمعية العالمية للفنون التشكيلية التابعة لمنظمة اليونيسكو، لمجلة “الحصاد”، إن الهدف من ورائه هو تشجيع المواهب الفنية عبر إتاحة فضاء لعرض إبداعاتها إلى جانب تجارب راسخة، وإبراز التنوع الفني من خلال تجميع مدارس واتجاهات وأساليب تشكيلية مختلفة، بما يساهم في توسيع الوعي الفني والارتقاء بالذوق العام. هذا ناهيك، كما يضيف، عن “خلق حوار تفاعلي بين الفنانين، وتعزيز تبادل الخبرات وتلاقح التجارب، وتفادي الانغلاق الفردي من خلال تعايش الأعمال وتجاورها، بما يثري التجربة الإبداعية ويطور أدوات التعبير الفني”.

وإلى جانب هذا، فإن هذا المعرض الفني الكبير شكل، كما يوضح الفنان الإدريسي، فرصة مهمة أمام النقاد والباحثين للاطلاع على هذا التطور الفني، ورصد مساراته وتحولاته الجمالية، والمساهمة في توثيق الذاكرة التشكيلية، وساهم في ربط الأجيال الفنية المختلفة، وكسر الحواجز الثقافية، وبناء فضاء مشترك يعزز الانتماء الثقافي من خلال الفن، ويكرس حضور الفن التشكيلي كرافد أساسي في المشهد الثقافي.

ولتحقيق كل هذه الغايات، ولتمكين جمهور أوسع من الاطلاع على مسار ستين سنة من الفن التشكيلي المغربي، يشير الإدريسي إلى أن هذا المعرض سينتقل خلال هذا العام إلى مدن: طنجة، الدار البيضاء، مراكش، والعيون، وذلك في إطار جولة فنية وطنية في فضاءات ثقافية متعددة، لن تقتصر على عرض الأعمال فقط، بل ستكون هناك لقاءات وورشات تفاعلية تجمع الفنانين بالنقاد والجمهور، لتعزيز النقاش حول التجربة الفنية المغربية وتطورها عبر الأجيال. كما ستتيح الجولة الفرصة للفنانين الشباب والمكرسين للتفاعل وتبادل الخبرات، وعرض أعمالهم في بيئات ثقافية مختلفة، بما يثري الحركة التشكيلية ويعزز تأثيرها على الوعي الفني والثقافي داخل المغرب.

خريطة فنية جمالية

وحول هذه العقود الستة من التشكيل المغربي، والتي ليست هي العمر الإجمالي للفن التشكيلي بالمغرب، يؤكد الفنان التشكيلي سيدي محمد المنصوري الإدريسي رئيس النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين منظمة هذه التظاهرة، أن هذه الفترة لها أهميتها الخاصة لأنها “تؤشر على دخول الفنون التشكيلية بالمغرب طورا متميزا من الوعي البصري، اتسم بتبلور مقومات حداثة جمالية واضحة، وانفصال نسبي عن الممارسات الفنية السابقة ذات الطابع التزييني أو التجاري. فمنذ منتصف ستينيات القرن الماضي، شهد المشهد التشكيلي المغربي تحولات عميقة على مستوى الرؤية والأسلوب والوظيفة الفنية، حيث انفتح الفنانون على أسئلة التعبير والتجريب والبحث الجمالي، في تفاعل واعٍ مع التحولات الثقافية والاجتماعية التي عرفها المغرب آنذاك. وفي هذا السياق، تكتسي سنة 1965 دلالة خاصة، باعتبارها تمثل، في هذا التصور، لحظة مفصلية وبؤرة مضيئة في تشكل هذا الوعي البصري الحديث، وذروة فارقة أسست لمسار فني جديد، قائم على الوعي بالذات الفنية والسعي إلى إنتاج خطاب تشكيلي مستقل”.                         ويخلص الإدريسي إلى أن ستة عقود تكشف عن مسار تراكمي ودينامي، اتسم بتعدد الاتجاهات وتنوع المقاربات الجمالية، وأسهم في بناء منجز بصري غني، يستدعي مزيدًا من البحث النقدي والتأريخ الأكاديمي، قصد فهم تحولات هذا المسار وتثبيت موقعه داخل الحقل الثقافي والفني المعاصر.

ومن جهته يرى الفنان التشكيلي بنيونس عميروش المساهم في هذه التظاهرة الفنية التي توثق لستين سنة من الفن التشكيلي بالمغرب، أنها ترسم ما يشبه خريطة طوبوغرافية تعكس طبيعة المتغيرات والتحولات التي عرفها الفن التشكيلي بالمغرب، وتقدم “مشهدا متكاملا وفق سينوغرافيا رباعية تتكون من أكثر من 150 عمل فني من لوحات وقطع نحتية وتراكيب، يضعها المعرض أمام أنظار المتتبعين والباحثين والنقاد والجماليين والجُمّاع ومُدراء الأروقة والمهتمين عموماً”.

أسئلة الهوية والخصوصية

ويضيف عميروش أنه مع ذلك يظل هناك سؤال جوهري يطرح باستمرار، وهو إلى أي حد يمكن الحديث عن فن مغربي؟ وكيف يمكن تناول واستيعاب أسئلة الهوية والخصوصية والفاعلية التعبيرية بعلاقتها مع الحداثة والمعاصرة والمستجدات البصرية؟ مثمنا المجهودات التي تقوم بها النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين ورئيسها على وجه الخصوص، التي أشركت الأروقة الخاصة التي بادرت باقتراح نماذج فنية من مجموعاتها ومنها أعمال الرواد، كما عملت على توسيع مجال المشاركة ليحيط المعرض الوطني بإنتاجات أكبر عدد ممكن من المشاركين في اتجاه استيعاب مختلف الأنماط والأجيال والحساسيات، من الرواد إلى الأجيال الجديدة.

وحول السؤال المركزي الذي لازم الحركة التشكيلية المغربية المتعلق بالهوية المغربية والحداثة التي من المفروض أن تندرج ضمن الإطار الكوني، والذي برز بشكل كبير في هذه التظاهرة الفنية، يقول الإدريسي إن “الهوية في السياق المغربي ليست مجرد شعار، بل هي مرجعية ثقافية وجمالية تحكم التجربة الإبداعية للفنان التشكيلي منذ بداياتها. فالفنانون المغاربة، حتى وهم يتبنون تقنيات وأساليب حديثة أو معاصرة، لا يستطيعون فصل إنتاجهم الفني عن سياقهم الاجتماعي والتاريخي والثقافي، الذي يشكل جزءا من بصيرتهم وإحساسهم بالمكان والزمان. كما أن الحديث عن الإطار الكوني لا يعني محو الخصوصية المحلية، بل التفاعل الواعي مع المعايير العالمية من منطلق محلي. فالانفتاح على الاتجاهات الحديثة والمعاصرة العالمية يجعل الفنان التشكيلي المغربي يواجه دائما تحديا مزدوجا: كيف يحافظ على خصوصيته وهويته، وفي نفس الوقت يندمج ضمن الحوار الفني الكوني؟ هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح هو ما يجعل السؤال الهوياتي مستمرا وملازما، لأنه يعكس تجربة جمالية متجددة تبحث عن لغة بصرية قادرة على الجمع بين الجذور المحلية والبعد العالمي”.

دليل الفنانين التشكيليين المحترفين

وبالموازاة مع هذه التظاهرة الفنية الكبيرة، وحرصا منها على التوثيق الفني، أصدرت النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين كتابا مهما باللغة الفرنسية يتعلق بـ “دليل الفنانين التشكيليين المحترفين المغاربة”، وهو دليل جديد محين ومواكب للحركة التشكيلية بالمغرب، يتميز عن غيره من الكتب الفنية السابقة بالغنى والدقة، كما يقول الفنان بنيونس عميروش، حيث يضم أعدادا كبيرة من الفنانين المحترفين ومن مختلف الأساليب والأجيال، اشتغلت عليه لجنة متخصصة بنفس طويل مهني وحيادي، فخرج بتصميم رحيب، يعطي المساحة اللائقة لكل الفنانين على حد سواء.

وقد صدر هذا الدليل بدعم من وزارة الثقافة المغربية باللغة الفرنسية إجبارا، لأن معظم قاعات العرض الخاصة وهيئات الرعاية ومختلف المؤسسات التي تعنى بالفن في المغرب وخارجه تعتمد اللغتين الفرنسية والإنجليزية بالأساس، وذلك في انتظار صدور نسخته العربية قريبا، كما يقول الإدريسي. وإلى جانب التعريف بالفنانين وأعمالهم، فقد خصصت النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين عددا لا يستهان به من الصفحات للأروقة الخاصة لتنال حظها في الدليل، باعتبارها من الشركاء الأساسيين للفعل الفني وديناميته.

وتجدر الإشارة إلى أن الفن التشكيلي المغربي قد بدأ فطريا قبل استقلال المغرب من الاستعمار الفرنسي، حيث يعد محمد بن علي الرباطي (1861-1939) من أوائل الرسامين المغاربة الذين مارسوا الرسم بالألوان المائية، ليظهر بعده في أواخر أربعينيات القرن الماضي وفي الاتجاه الفطري نفسه فنانون من مثل محمد بن علال، والحمري، والراضي، وفنانين آخرين تكونوا في مدرسة تطوان (1945) التي تأسست بتأثير إسباني، من مثل الفنان المكي مغارة.

وبعد مرحلة البدايات الفطرية والتي برز فيها التأثر بالاستشراق، تأتي المرحلة الثانية مرحلة الاستقلال وتأسيس الحداثة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث بدأ الفنانون المغاربة يعرضون أعمالهم مثل فريد بلكاهية وحسن الكلاوي بمراكش عام 1952، كما ظهرت أسماء بارزة في التجريد والرمزية مثل الجيلالي الغرباوي (رائد التجريدية)، وأحمد الشرقاوي، ومحمد المليحي، ومجموعة 65 مع مدرسة الدار البيضاء التي كسرت الارتباط بالاستشراق، داعية لفن متحرر يدمج التراث المغربي (الزليج، الخط) بالحداثة.

أما المرحلة الثالثة، والتي تمتد من تسعينيات القرن الماضي وإلى الآن، فهي تتميز بالتنوع والحداثة وما بعد الحداثة، عرفت ظهور ممارسات فنية جديدة، وتنوعت الاتجاهات بين التشكيلية، البصرية، والرقمية، كما تعززت مكانة الفن التشكيلي المغربي من خلال الحضور المتميز للأعمال الفنية المغربية في المتاحف والمعارض الدولية، ومن خلال فضاءات العرض ومتاحف الفن المعاصر بالمغرب التي تزايدت، حيث أسهم متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط وغيره من الفضاءات الرسمية والخاصة في التعريف بالفن التشكيلي المغربي واتجاهاته، ما منحه إشعاعا بالداخل والخارج وأن ينخرط في حوار فني عابر للحدود.

لكن رغم الأهمية والحظوة التي عرفتها الفنون التشكيلية بالمغرب، فإنها لم تساهم إلا بدرجات متفاوتة في تحقيق جزء مهم من التنمية الثقافية المنشودة بالبلد، خاصة على مستوى بناء وعي جمالي متراكم، وإغناء المشهد الثقافي الوطني بإنتاجات بصرية عكست تحولات المجتمع وأسئلته الجمالية، كما يقول الفنان والنقيب سيدي محمد المنصوري الإدريسي. كما أن الإشعاع الذي حققه الفن التشكيلي المغربي ظل في معظمه مرتبطا بمبادرات فردية أو مجهودات معزولة، أكثر من كونه ثمرة سياسة ثقافية متكاملة ومستدامة، مادام تحقيق التنمية الثقافية الفعلية، يظل، وفق الإدريسي “رهينا بإرساء سياسة ثقافية واضحة، تقوم على دعم الإنتاج الفني، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع البحث والنقد والتوثيق، وضمان دمقرطة الولوج إلى الفن”.