أردوغان يعتبر حلب ودمشق وبيروت جزءا من دفاعات بلاده
تدافعت في الآونة الأخيرة المواقف والتصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد إسرائيل، معتبرا أنها ترقى إلى مستوى العداء. وأطلّ أردوغان على مسألة الأمن، مشيرا إلى أهمية دول المنطقة في مفهوم الأمن الاستراتيجي لتركيا. أتت التصريحات أيضا قبل انعقاد قمة الناتو في شهر تموز (يوليو) الماضي في تركيا بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على نحو طرح أسئلة بشأن ما ينتظر المنطقة على ضوء مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، مع احتمال نجاحها أو فشلها في إنتاج اتفاق نهائي.
الأمن العابر للمدن:
في 10 حزيران (يونيو) 2026، ألقى أردوغان كلمة أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، مؤكداً أن “هجمات نتنياهو وشبكته الإجرامية على لبنان وسوريا وصلت إلى نقطة تهدد تركيا أيضاً”. قال حرفياً: “أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ من بيروت. دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول. ولن نسمح بفرض أمر واقع في بلداننا الشقيقة، ولن نتغاضى عن أي هجمات تستهدفهم”.ووصف الهجمات الإسرائيلية بأنها “تهدد البشرية جمعاء” ويجب وقفها فوراً.
وما بين 11-14 من نفس الشهر، كرر أردوغان ومسؤولون أتراك (بما في ذلك وزير الخارجية حقان فيدان) هذا المعنى في لقاءات إعلامية وتصريحات رسمية، مؤكدين ربط الأمن التركي بالاستقرار في سوريا ولبنان، ورفض أي تقسيم أو تغيير ديموغرافي يخدم “أوهام الأرض الموعودة” الإسرائيلية.
قبل ذلك، في 11 كانون الثاني (يناير) 2026، كان أدوغان قد أكد، خلال اجتماع الكتلة النيابية لحزبه، أن “تركيا لن تقبل بأي كيان انفصالي يهدد أمنها على حدودها الجنوبية مع سوريا”، ودعا إلى “حل دائم” للمسألة الكردية من خلال التكامل الكامل مع الدولة السورية المركزية، محذراً من أي تهديد للوحدة الترابية السورية.
وفي تأكيد تعهداته، شدد أردوغان في كانون الأول (ديسمبر) 2025، على أن إسرائيل هي “العقبة الرئيسية أمام استقرار سوريا”.وتعهد بدعم الحكومة الانتقالية في دمشق، مع رفض أي تعاون أميركي مع قوات كردية يُنظر إليها كتهديد.
وقبل ذلك بعام، وبالتحديد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، أعلن أردوغان أن “حماية الوحدة الترابية السورية هي خط أحمر تركي لا يمكن التراجع عنه”، ودعا إلى دعم سوريا “ملكاً للسوريين” مع الحفاظ على وحدتها.
الحوافز والتوقيت
يقول خبراء في الشؤون التركيا أن تصريحات أردوغان تعكس التالي:
1-إظهار مفهوم تركي استراتيجي لـ”الأمن القومي العميق”.
2-يقوم المفهوم على تجاوز الحدود الجغرافية إلى مناطق النفوذ التاريخي (العثماني).
3-التركيز على منع أي قوى خارجية، خاصة إسرائيل، من فرض واقع جديد في سوريا أو لبنان يهدد المصالح التركية.
4-العمل على مكافحة الجماعات الكردية وإجهاض طموحاتها الانفصالية في كل المنطقة.
من جهته، وفي 10 حزيران (يونيو) 2026، ردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة على تصريحات أردوغان واصفا إياه بـ”الديكتاتور المعادي للسامية الذي يرتكب إبادة جماعية ضد الأكراد، ويدعم حماس، ويقمع شعبه”. وأكد أن إسرائيل “ستواصل عملياتها ضد إيران وحلفائها”. واعتبر معلقون أن إسرائيل ترى التصريحات التركية دعماً لـ”محور المقاومة” وتهديداً لمصالحها في الجولان والجنوب السوري، متخوفة من الوجود التركي في شمال سوريا.
بالمقابل، في 10 من نفس الشهر، أشاد ترامب بأردوغان كـ”صديق جيد وقائد قوي”، وقلل من احتمال صدام تركي-إسرائيلي مباشر، قائلاً إنه “لن يحدث طالما أنا رئيس” بفضل العلاقات الشخصية. وأبدى استعداداً للتوسط.
وتتساءل أوساط تركية مراقبة بشأن توقيت مواقف أردوغان. بعضها يرى أنها تعود إلى موقف تركيا من حربي 2025-2026 على إيران التي أدانها أردوغان داعيا للحل الدبلوماسي، مقترحا تركيا وسيطا. وبعضها الآخر تلفت إلى أن توقيت تصريحات أردوغان التصعيدية ضد إسرائيل كحديثة عن أمن قومي مرتبط بدول المنطقة سبق قمة الناتو في أنقرة في 7-8 من شهر تموز (يوليو) الماضي.
وتعتبر المصادر أن القمة والمواقف التي تسبقها تهدف إلى تعزيز موقف أردوغان كلاعب مركزي، وتوجيه رسائل للحلفاء (خاصة الولايات المتحدة) بضرورة مراعاة المصالح التركية في أي ترتيبات سورية-لبنانية.
وترى مصادر دبلوماسية أن تصعيد أردوغان يقوم على:
1-استغلال تراجع قوة إيران لتوسيع النفوذ التركي لا سيما من خلال دعم دمشق وإقامة قواعد عسكرية.
2-رفض أي حراك انفصالي كردي في المنطقة وخصوصا ذلك الذي يحظى بدعم إسرائيل.
3-تعزير قاعدته الانتخابية من خلال رفع أسقف الانتقاد للإسرائيل والتحذير من مخاطرها.
ويستبعد المحللون الصدام المباشر بين تركيا وإسرائيل بسبب عضوية تركيا في حلف الناتو مع ما يعنيه ذلك من تفعيل للمادة الخامسة لدستور الحلف التي تطلق الدفاع الجماعي المشترك. كما أن علاقة البلدين وزعيمي البلدين مع ترامب من شأنها منع ذلك الصدام. ومع ذلك تحذر مصادر مما قد يحمله التصعيد من مخاطر غير مباشرة في سوريا، لجهة تحوّل الصراع إلى الوكلاء من خلال مواجهات في جنوب البلاد أو من خلال وكلاء.
ويكمن التخوّف في تفاقم حالة الانقسام في سوريا بسبب التوتر بين تركيا وإسرائيل، بحيث تسيطر تركيا على شمال البلاد بينما تسعى إسرائيل لإقامة منطقة عازلة في الجنوب. وتضيف المصادر أن أردوغان تقصّد ذكر بيروت كمدينة تشملها العقيدة التركية للامن القومي، من ضمن قراءة تركية تعتبر أن أي توسّع إسرائيلي داخل لبنان يشكل تهديداً للتوازن.
عقيدة العمق الاستراتيجي:
رَسَمَ أردوغان خريطة أمنية جديدة لتركيا. أبلغ مَن يهمّهُ الأمر أن “أمنَ تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ من بيروت، وأن دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لاسطنبول، واعدا: “لن نسمح بفرض أمر واقع في بُلداننا الشقيقة، ولن نتغاضى عن أيِّ هجمات تستهدفها”.
تعود الجذور الفكرية إلى كتاب أحمد داوود أوغلو “العمق الاستراتيجي” (2001)، الذي يرى تركيا وريثة الحضارة العثمانية ولها نفوذ طبيعي في مناطق “العمق”. لكن داوود أوغلو كان يتحدث عن صفر مشاكل مع الجيران. أما أردوغان فيتحدث هذه الأيام بلغة صلبة تُحدّد العدو بالاسم وتؤطّر التوسع كضرورة دفاعية.
وَسَّعَ أردوغان مفهوم الأمن القومي التركي خارج الحدود الجغرافية، وحدّد إسرائيل بوصفها المهدّد الرئيس لهذا الأمن. وصف الهجمات الإسرائيلية بأنها “تُهدّد البشرية جمعاء” ويجب وقفها فورا.
وقد أتت التصريحات في سياق إقليمي متوتر ثلاثي الأضلاع:
1-تحوّلات ما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.
2-تراجع قوة إيران بعد الحرب الأخيرة.
3-مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي تعيد رسم التوازنات.
وبما أنه تسبق التصريحات قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة ، أراد أردوغان أن يدخل القمة وهو يحمل أعلى سقف تفاوضي ممكن. لسان حاله يقول إنَّ أيَّ ترتيبات سورية-لبنانية لن تكون مستدامة إلّا إذا أخذت المصالح التركية في الحسبان.
التموضع والتحالفات:
تشكل سوريا قلب هذه العقيدة. في أعراف أردوغان وعقائده أن الوحدة السورية خط أحمر. والتحدّي الثابت هو الملف الكردي. تنظر أنقرة بقلق شديد إلى أيِّ تحريك للورقة الانفصالية، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بتنسيق إسرائيلي. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة في الجنوب. هكذا تتشكل معادلة نفوذ يصعب التوفيق بين طرفيها. هذا يعني أنَّ توسُّع النفوذ لأحدهما مرادف لتقلّصِّ الطرف الآخر.
يجد أردوغان نفسه داخل معادلة ملتبسة. تركيا حليف للولايات المتحدة داخل “الناتو”. والولايات المتحدة حليف تاريخي لإسرائيل.
ومع ذلك بإمكان أردوغان التعويل على صداقة شخصية تجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. فحين سُئل الأخير عن تصريحات أردوغان التصعيدية فقال إنه “الصديق الجيد والقائد القوي”.وإذا ما كانت تركيا تعتبر إسرائيل عدوًّا، فإسرائيل التي انتشت بسقوط محتمل لإيران تمنّي النفس بأن تكون تركيا الهدف التالي، أو هكذا يخيّل للمتخيلين.
المنطقة في طور التشكّل. والمنطقة برمتها تدافع عن نفسها وتدفع عن نفسها خبث التشكّل. قبل أشهر ظهر تكتل رباعي ضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان لإعادة التموضع اتقاء من نذير التحوّلات المرتجلة. تستنتج تركيا فراغًا إيرانيًا محتملًا وربما حتميًا لا سيما إذا ما فشل اتفاق واشنطن-طهران الملفّق. فيرسم أردوغان عشية قمة “الناتو” حدودا جديدة لبلاده ويسيج تركيا بحدائق خلفية.
يتحضّر التكتُّل الرباعي لرفعِ جدارٍ عال على طموحات نتنياهو في جعل الشرق الأوسط جديدًا وفق النسخة التي يبشّر بها. لا شيء نافرًا حتى الآن، غير أنَّ أردوغان يتبرّع بإعطاء أولى واجهات صدّ ضد ما يُرسَم من خرائط.
يدشّن أردوغان عقيدةً أمنية تُعلن تجاوز الحدود الجغرافية إلى مناطق النفوذ التاريخي (العثماني)، وتحدد إسرائيل كتهديد مركزي. لا يعني ذلك أن في الأمر صداما مقبلًا، بل تحذير بلهجة الإنذار، بأن تركيا مُتنبِّهة واعية لما قد يُخطط حزب له.
ولئن يكرر ترامب دعوة سوريا، حديقة تركيا الخلفية، للتدخُّل في لبنان ضد حزب الله، فإن أردوغان يرى في ذلك العبث الأبجدي ما يستدعي أبجدية مضادة تطلق وابلا من النقاط لوضعها على الحروف. فتغادر تركيا عقيدة “صفر مشاكل” وتعلن الانخراط في علم الحساب، بحيث تصير مدن المنطقة أرقاما تركية يُحسَب لها حساب.
لبنان يتحرك صوب أنقرة.
في أعقاب تصريحات أردوغان التي اعتبر فيها بيروت (ومدنًا عربية أخرى) جزءًا من أمن تركيا الاستراتيجية، بعثت بيروت بنائب رئيس الحكومة نحو أنقرة في زيارة تطرح أسئلة بشأن طبيعة علاقات لبنان وتركيا لا سيما في ملفات خلافية مسكوت عنها، إضافة إلى موقف أنقرة من تحديات أمام حكومة لبنان مرتبطة بحرب إيران، وتحولات سوريا، والحرب الإسرائيلية ضد حزب الله. تطرح المسألة وجوه سياسة تركيا صوب لبنان في ظل حساسية قد تكبح ذهاب أنقرة بعيدًا في مدّ نفوذها صوب لبنان.
ففي 17 حزيران (يونيو) 2026، زار نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري العاصمة التركية أنقرة، حيث استقبله نائب الرئيس التركي جودت يلماز في المجمع الرئاسي. ناقش الجانبان تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد والطاقة والدفاع، بالإضافة إلى التضامن الإقليمي ضد السياسات التوسعية الإسرائيلية. أكد يلماز أن “تعزيز التضامن الإقليمي ضد سياسات إسرائيل التوسعية يحمل أهمية كبيرة”، وشدّد على أن أي اعتداء على سيادة لبنان أو وحدة أراضيه يشكل انتهاكا واضحًا للقانون الدولي. كما أعرب عن التزام تركيا بدعم أمن لبنان واستقراره وتنميته الاقتصادية، مع الإشارة إلى استمرار المساعدات الإنسانية عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) وإدارة الكوارث والطوارئ (آفاد) والهلال الأحمر التركي.
تأتي زيارة موفد بيروت رغم أن هناك ملف خلافات مع أنقرة لا سيما ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص. ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، وقّع لبنان وقبرص اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي خطوة طال انتظارها وفتحت الباب أمام استكشاف حقول الغاز البحرية وتعزيز التعاون الطاقي. لكن هذه الاتفاقية أثارت غضب تركيا بشكل واضح، حيث اعتبرت أنقرة أن الاتفاق ينتهك حقوق القبارصة الأتراك ويتجاهل وجودهم كشريك أساسي في الجزيرة.
ويقوم موقف تركيا على واقع أنها لا تعترف باتفاقيات المنطقة الاقتصادية الخالصة التي وقّعتها جمهورية قبرص مع دول أخرى (مصر وإسرائيل ولبنان)، معتبرة أن الجمهورية القبرصية لا تمثل الجزيرة ككل في ظل الانقسام القائم. وقد حاولت تركيا في الماضي استخدام نفوذها لعرقلة مثل هذه الاتفاقيات، وردّت على توقيع 2025 بإدانة صريحة.
ويضع هذا الملف لبنان في موقف دقيق بين الضغوط القبرصية-الأوروبية من جهة، والموقف التركي من جهة أخرى، التي ترفض اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بشكل كامل وتفضل مبدأ “الإنصاف” في ترسيم الحدود. ووفقًا لذلك قد ترى تركيا في الاتفاق اللبناني-القبرصي تعزيزًا للموقف اليوناني في شرق المتوسط، مما يؤثر سلبًا على مطالبها الخاصة بالتنقيب عن الغاز. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الخلاف إلى تجميد العلاقات الثنائية مع بيروت، إذ تستمر أنقرة في السعي لتعاون اقتصادي وأمني مع لبنان، ربما كوسيلة لموازنة النفوذ الأوروبي أو لفتح قنوات بديلة في مجال الطاقة.
بيروت بين دمشق وحزب الله:
تكتسب تركيا أهمية استثنائية كداعم رئيسي للحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. وتستطيع أنقرة تسهيل الحوار بين بيروت ودمشق حول ملفات الحدود، الأمن المشترك، التجارة، وإعادة اللاجئين. وكان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام زار دمشق في أيار (مايو) 2026 لبحث هذه الملفات، فيما لعبت تركيا دورًا في تشجيع مثل هذا التنسيق لمنع أي فراغ أمني قد يستغل من قبل جهات معادية. كما تسعى تركيا والسعودية معًا إلى تنسيق لبناني-سوري يعزز الاستقرار ويقلل من النفوذ الإيراني في المنطقة.
من جهة أخرى ترى تركيا في حزب الله فاعلًا سياسيًا يمكن أن يشارك في الحياة اللبنانية ضمن إطار الدولة، لكنها تنتقد بشدة دوره العسكري خارج سيطرة المؤسسات الشرعية وتورطه السابق في الحرب السورية ضد المعارضة التي كانت تدعمها أنقرة. وتدعم تركيا حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتعزيز دور الجيش كمؤسسة وطنية وحيدة. ومع ذلك، تحافظ أنقرة على سياسة براغماتية تتمثل في إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك محاولات الوساطة في أبريل 2026 لترتيب تفاهم أميركي-لبناني بشأن الحزب.
تركيا والموقف من تهديد حكومة سلام
ويعتقد مراقبون أتراك أن الموقف الرسمي التركي داعم للشرعية الدستورية، وترفض أنقرة أي محاولة من قبل ميليشيا مسلحة لإسقاط حكومة منتخبة دستورياً، معتبرة ذلك تدخلاً غير مقبول في الشؤون الداخلية وتقويضًا لسيادة الدولة. كما يؤكدون أن تركيا تدعم تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية ومسار الإصلاح الذي يتبناه نواف سلام. ويضيف المراقبون أن أنقرة تفضل الحلول السياسية والدبلوماسية على أي تصعيد داخلي قد يؤدي إلى فوضى أو حرب أهلية جديدة.
ويرى خبراء في الشؤون التركية أن موقف حكومة أردوغان تجاه لبنان وحكومته ومؤسساته ينسجم مع سياستها العامة في المنطقة، حيث تفضل الاستقرار والحكومات القوية القادرة على فرض سيادتها على الأراضي كلها، بدلاً من استمرار “دولة داخل الدولة”.
تركيا ولبنان: الحسابات والحساسيات
تقيس أنقرة حساباتها في لبنان وفق واقع جيوسياسي تسعى أن تداري بسبب حساسيات اندفاعاتها صوب لبنان وفق الخريطة التالية:
1- تتبنى تركيا موقفًا معارضًا قويًا لسياسات بنيامين نتنياهو التوسعية، وتدين الاعتداءات على لبنان كـ”سياسات إبادة جماعية وعقاب جماعي”.
2- تدرك تركيا واقع التنافس التاريخي الإقليمي على قيادة المنطقة لا سيما في واجهاته السنية.
3- تتقاطع تركيا والسعودية في معارضة النفوذ الإيراني وتتشاطران في رباعية تجمعهما مع مصر وباكستان والتي بدأت تظهر أعراضها منذ آذار (مارس) 2026 في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
4- تأخذ بالاعتبار نفوذ ومصالح الولايات المتحدة مدركة لأهمية موقع أنقرة داخل حلف الناتو.
5- تسعى أنقرة إلى تعزيز نفوذ اقتصادي وسياسي في المشرق، لا سيما في سوريا من دون الاصطدام المباشر مع واشنطن، مع الحفاظ على قنوات مع مختلف الأطراف.
وفق هذه السمات فإن تركيا تتوخى الحيطة والحذر والإقدام والانكفاء في سياساتها اللبنانية وفق المتاح والمتعثر بالنظر إلى مصالح أطراف أخرى في لبنان.
وقد اهتم المراقبون بما سيكون عليه موقف سوريا حين كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حزيران (يونيو) 2026، أنه اقترح على إسرائيل ترك مهمة التعامل مع حزب الله لسوريا بقيادة أحمد الشرع. وفيما أبدت دمشق تحفظًا واضحًا، بينما رفضت أوساط لبنانية الفكرة، فإن المراقبين يعتبرون أن تركيا، كحليف وثيق للشرع، ترى التدخل السوري المباشر محفوفًا بالمخاطر الكبيرة على استقرار سوريا الجديدة، وتفضل الحلول اللبنانية الداخلية عبر تعزيز الدولة والجيش، مع التنسيق الإقليمي الدبلوماسي.
وتعتبر مصادر لبنانية أن بيروت تعمل على تعزيز روابطها مع تركيا في مجال الأمن والدفاع، لا سيما بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” مع إسرائيل وما يثيره الأمر من جدل داخلي كما جدل في المنطقة. ويشمل تعزيز الروابط تعاونا على مستوى تدريب عناصر الجيش اللبناني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم مساعدات في مكافحة الإرهاب. وتضيف المصادر تعويل بيروت على أنقرة في قطاعات الاستثمار والاقتصاد لا سيما في مشاريع إعادة إعمار البنى التحتية، وزيادة التبادل التجاري، وضخ استثمارات في السياحة والصناعة والطاقة. وتعوّل بيروت على ما تملكه تركيا من خبرة كبيرة في إعادة الإعمار بعد الكوارث لرفد لبنان بالدعم الإنساني والتنموي.
يعوّل لبنان على اهتمام تركيا بموقع لبنان داخل الخارطة الأمنية التركية لتعزيز العلاقات والارتقاء بها إلى المستوى المناسب لما رأى أردوغان في أهمية بيروت ومدن أخرى لأمن بلاده. وتعتبر تركيا أن لبنان جزء من أمن تركيا الاستراتيجي ومن مصلحة أنقرة أن يكون لها نفوذ في لبنان يكون امتدادًا لنفوذها في سوريا صوب البحر المتوسط. ويهم لبنان الاستقواء بتركيا الدولة العضو في الناتو في سياق رد أخطار إسرائيل عن لبنان (وسوريا) وأن تدعم موقف بيروت في مفاوضاتها مع إسرائيل. ورغم خلاف تركيا ولبنان في ملف ترسيم حدود لبنان البحرية مع قبرص، فإن الأسباب التركية المتعلقة بالنزاع التاريخي التركي مع اليونان وقبرص ليست عائقًا لتطوير علاقات بيروت وأنقرة.
بالمقابل، يهم أنقرة تشجيع الوصل بين بيروت ودمشق وتطوير التنسيق بينهما، فيما يهم بيروت أن يكون لأنقرة موقف من دعوات ترامب للشرع بالتدخل في لبنان ضد حزب الله. وتأخذ تركيا في سياساتها في لبنان مصالح دول أخرى في مقدمها السعودية على النحو الذي لا يكون سببًا في إفساد علاقات أنقرة والرياض. ويجد لبنان في أنقرة شريكًا قادرًا على تقديم دعم عملي في مرحلة حرجة ويعتمد النجاح على قدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية بحكمة وبراغماتية، وتحويل التحديات إلى فرص للتعاون في الاقتصاد والأمن والطاقة. ويرجح أن حكومة أردوغان ستدعم حكومة نواف سلام ضد الدعوات الصادرة عن حزب الله لإجراء تغيير حكومي يتناسب مع موازين قوى ما بعد مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية قد يشمل الإطاحة بالحكومة نفسها.




