Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / إنهاء العداء بين لبنان والكيان الاسرائيلي له شروط

إنهاء العداء بين لبنان والكيان الاسرائيلي له شروط

لا شك ان “اتفاق الاطار” الامني – السياسي الذي جرى توقيعه اواخر شهر حزيران الماضي بين لبنان وكيان الاحتلال الاسرائيلي برعاية اميركية مباشرة، سيواجه عقبات ومطبات كثيرة، تبدأ اولاً  من رفض كيان الاحتلال الالتزام التام بمضامين الاتفاق، ورفض حزب الله وحركة “امل” والعديد من القوى والاحزاب الحليفة لهما للإتفاق، ولا تنتهي بغموض حول آلية وكيفية تنفيذ العديد من بنوده، سواء العسكرية المتعلقة بمدى التزام قوات الاحتلال بالانسحاب التدريجي، او السياسية اللاحقة المتعلقة بما تناولته بنود الاتفاق من إنهاء حالة العداء بين لبنان وكيان الاحتلال والسعي لإقامة سلام بينهما.

وقد عبّر الاعلام العبري (معاريف ويسرائيل هيوم وغيرهما)عن تقديرات بفشل تنفيذ الاتفاق لأسباب ردها الى الوضع اللبناني الداخلي نتيجة الاتقسامات والخلافات حول اتفاق الاطار..ومن العراقيل ايضا ما ذكره جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه “لا قيود في استخدام القوة عند التهديدات الموجهة ضد بلدات الشمال أو قواتنا..ولا يسمح بعودة السكان أو مسلحي حزب الله إلى المناطق التي باتت تحت سيطرته”. كما نقل إعلام عبري عن مسؤول إسرائيلي: “وتيرة الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها الجيش بجنوب لبنان ستعتمد على النتائج الميدانية وإذا لم ينجح لبنان بمنطقتي الاختبار فلن نواصل الانتقال إلى مناطق أخرى”.

 وبإنتظار تحقيق ما تم التوصل اليه في مفاوضات روما من اجراءات تنفيذية، ففي الشق العسكري بدا واضحاً من نصوص الاتفاق انه يفتقر الى تحديد آلية واضحة وجدول زمني والضوابط التي يفترض ان يلتزم بها جيش الاحتلال، والضمانات الفعلية لا الكلامية للبنان بعد اعلان قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين ان لا انسحاب من المنطقة المسماة امنية ضمن ما يسمى “الخط الاصفر”، وجاء تسريب الاعلام الاسرائيلي بان المنطقتين التجريبيتين للإنسحاب تشملا بلدات زوطر الغربية وفرون والغندورية ليضفي تساؤلات حول طبيعة الانسحاب وكيفية اختيار القرى التي تلائم توجه الاحتلال العسكري والامني، ولا تلبي طلبات لبنان. بحيث ان زوطر الغربية تقع في قضاء النبطية ويسيطر عليها الاحتلال بالنار، وبلدة فرون تقع في قضاء بنت جبيل وهي محررة، والبلدتان متباعدتان عن بعضهما، ولم يُعرف سبب اختيار فرون بدلاً من كفر تبنيت او يحمر الشقيف او جوارهما كما طلب لبنان، علماً ان بلدية فرون اصدرت بياناً اعتبرت فيه انها غير معنية بالكلام عن منطقة تجريبية.

  عدا ذلك، لم يقدّم الاحتلال الاسرائيلي اي ضمانة  بالتنفيذ الحرفي للإتفاق وابقى الامور معلقة في اي بلدة ينسحب منها، ويتذرع جيش الاحتلال بالبند في الاتفاق الذي يعطيه حق مراقبة التنفيذ، والتدخل في حال لمس اي ثغرة أو تهديد حسب وصفه ووفق حساباته، وحق الاعتراض – “الفيتو” على حجم قوة الجيش وطريقة انتشاره والتدابير التي يمكن ان يتخذها في اي بلدة ينسحب منها الاحتلال.  كما ان غياب الجدول الزمني للإنسحاب وعدم التحديد المسبق للمناطق التجريبية الاخرى، وتركه لهيئة الاشراف الثلاثية اللبنانية – الاميركي – الاسرائيلية، يعطي الاحتلال فرصة للمناورة والمماطلة والتأخير وفرض الشروط  للتنفيذ، وهو امر اكدته مصادر رئاسة الجمهورية لـ “الحصاد” نتيجة مواقف قادة كيان الاحتلال وممارسته على الارض ومواصلة عدوانه على القرى وخرق الاتفاق. ولكن هذه الامور التقنية متروكة لهيئة التنسيق والمتابعة التي نص الاتفاق على تشكيلها لمتابعة ومراقبة التنفيذ. غير ان مماطلة الاحتلال يمكن ان تُصعّب عمل الهيئة وتُطيل امد الانسحاب النهائي، لأسباب وصفت بانها تقنية وعسكرية.

 اما على الارض فلا احد يعرف العراقيل التي يمكن ان تبرز، ومنها وضع عراقيل اسرائيلية امام انتشار الجيش اللبناني بعد ما ذكر الاعلام العبري ان الاحتلال رفض مشاركة ضباط معينين في اي انتشار داخل المنطقة الحدودية. وموضوع عودة اهالي القرى اليها، ووجود عناصر المقاومة في قرى المواجهة ومحيطها، او اعتراض الاهالي في اي بلدة محررة يتم تحديدها ولم تحصل فيها مواجهات عسكرية. كل هذه الامور تطرح اسئلة على المفاوض اللبناني عليه الاجابة عليها او توضيح الملتبس منها خلال إجتماعات هيئة التنسيق.

    يبقى انه في الموضوع السياسي برزت انقسامات متوقعة بين موافق على الاتفاق ومعارض له، لا سيما وإنه نصّ على توجهات حولها خلافات عميقة تتعلق بإنهاء حالة العداء لإسرائيل والاعتراف بشرعية الاحتلال وشرعية وجود كيان الاحتلال كدولة، واقامة سلام معه لاحقاً، من دون الاستناد الى عوامل مساعدة على تحقيق ذلك، وثمة اسباب دستورية وقانونية وسياسية كثيرة تمنع إنهاء حالة العداء مع الكيان الاسرائيلي في الوقت الحالي تحتاج الى معالجة سياسية داخلية، والى تنسيق مع الدول العربية التي تنقسم ايضاً بين ذاهب للسلام مع كيان الاحتلال وبين رافض له قبل حل القضية الفلسطينية وانهاء الاحتلالات في فلسطين ولبنان وسوريا، وهي اسباب استند اليها معارضو الاتفاق، بينما استند مؤيدوه الى نص اتفاق الطائف والدستور القاضي ببسط سلطة الدولة على كامل اراضيها بالقوى الشرعية فقط، برغم وجود بند حق الدفاع عن النفس وتحرير الارض سواء في الدستور او في اتفاق تشرين الثاني 2024 او اتفاق الاطار، لكن هل تمكن لبنان الرسمي من الدفاع عن ارضه وحدوده بقواه الذاتية؟.

مخاطر في نصوص الاتفاق

  ثمة مخاطر كثيرة في هذا الاتفاق، لكن الخطر الاكبر والسقطة الكبيرة للبنان الرسمي هي في البنود التي تضمنت اشارات واضحة “باسقاط حالة العداء لاسرائيل والاعتراف بها كدولة في المنطقة، والتوجه نحو السلام معها لاحقاً،(البند 1 الذي يقول: تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المتبادلة في العيش بأمن كدولتين ذاتي سيادة ومتجاورتين. وتعلن إسرائيل ولبنان بموجب هذا الإطار نيتهما إنهاء النزاع بينهما بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما بصورة رسمية). وهذا التعهد اللبناني أمر يخالف الدستور اللبناني اولاً، ويخالف مقرارات جامعة الدول العربيه ثانياً، ويخالف حق لبنان الطبيعي في مواجهة الاحتلال في حال استمراره على اي موقع في ارض الجنوب.

وثمة مخاطر كثيره تضمنها هذا الاتفاق منها ايضا تكليف الجيش اللبناني موضوع جمع السلاح جنوب نهر الليطاني، وهو امر يعلم الكل ان دونه عقبات وصعوبات، لا سيما انه يرتبط بمشروع فتنة وانقسام خطير حذر منه الرئيس نبيه بري وعدد آخر من السياسيين والاحزاب، واعترف به “محلل القناة 13 الاسرائيلية للشؤون العسكرية” بقوله: “إن إسرائيل تدفع بلبنان​ إلى حرب أهلية، وأن مواجهة بين الحكومة اللبنانية و​حزب الله​ قد لا تكون سيئة بالنسبة لإسرائيل، وأن ذلك كان الهدف منذ البداية لتتفرغ إسرائيل للمراقبة من وراء الحدود”.  

  وثمّة خمسة بنود مترابطة ( 3 و4 و5 و8و9 ) تنص على موضوع نزع السلاح واعتبار حزب الله ميليشا غير شرعية، وهو امر سبق ان وقعت به الدولة اللبنانية وتجاوزته المقاومة باستمرار عملياتها ضد قوات الاحتلال جنوبي الليطاني وفي جميع المناطق الاخرى المحتله.

  هذا الاتفاق يتضمن ايضا بنوداً خطيرة جداً لعل اسوأها ايضاً، أن يتم لاحقاً إسقاط كل الشكاوى التي تقدم بها لبنان ضد الاعتداءات الاسرائيليه منذ سنوات طويلة وحتى هذه اللحظة.(البند 13 الذي يقول: :وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية).  اما التفاصيل التقنية الاخرى كتشيكل هيئة او لجنة ثلاثية لمراقبة ومتابعة التنفيذ او الاتفاق على مناطق الانسحاب التجريبية، فهي بنود لا تحمل مخاطر كبيرة بقدر ما تؤخر عملية إنهاء الاحتلال أشهراً طويلة، وهو امر يمكن تجاوزه او تسريعه اذا ما تدخل الوسيط الاميركي بقوة كافية لإجبار اسرائيل على تنفيذ المطلوب منها.

هذا في العلن عن بنود الاتفاق، اما في الملحق الامني السرّي، فقد تسربت امور خطيرة ايضاً كشفتها التسريبات الإسرائيلية وتتضمن أبرز بنود هذا الملحق:

عدم وجود انسحابات تلقائية لقوات الجيش الإسرائيلي، رغم أن إسرائيل لا تزال تخشى من أن ضغوطاً إيرانية عبر المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تعرقل تنفيذ الاتفاق.

وتتضمن المادة الرابعة من الملحق بنداً يمنح الجيش الإسرائيلي حرية العمل ضد التهديدات الناشئة والفورية داخل المنطقة الأمنية، وهو بند تعتبره إسرائيل أولوية قصوى في ظل المخاوف من أن مفاوضات واشنطن وطهران قد تحد من قدرتها على الرد على التهديدات التي تواجه قواتها من حزب الله. كما تنص المادة نفسها على التزام واضح من الطرفين، بعدم تنفيذ أي انسحاب تلقائي أو وفق جداول زمنية محددة، بل أن أي عمليات إعادة انتشار ستتم بناءً على التطورات الميدانية.

انسحاب مشروط وتدريجي: ربط عمليات انسحاب القوات الإسرائيلية بالتقييم الميداني ونجاح “المناطق التجريبية”، وليس بجدول زمني ثابت.

تفكيك البنية العسكرية: يتضمن مسارات وآليات لتفكيك البنية التحتية العسكرية ونزع السلاح غير الرسمي.

   ولعل عدم تجاوب كيان الاحتلال مع المطلب اللبناني المُحق بوضع الخطوات التنفيذية للإنسحاب المجدول زمنياً والمحدد مناطقياً، يحمل توجهاً بمزيد من المماطلة وكسب الوقت وتعطيل اي خطوة تنفيذية مطلوبة منه على الارض، لتوسيع مناطق الاحتلال في منطقة النبطية بشكل خاص اذا استطاع، لإبتزاز المفاوض اللبناني اكثرفي جلسات التفاوض اللاحقة، لا سيما ان بعض المعلومات افادت ان وفد الاحتلال رفض الكثير من الاقتراحات اللبنانية والاميركية ايضا حول مناطق الانسحاب، وهو الامر الذي ادركه الرئيس نبيه بري بطلب ان تشمل المناطق التجريبية للإنسحاب كل اقضية الجنوب دفعة واحدة، تفادياً للتأخير والمماطلة من قبل العدو، ولتسريع انتشار الجيش وعودة الاهالي الى قراهم.

وكشف مصدر دبلوماسي لبناني أن استهداف النبطية وتأخير الانسحاب من المناطق التجريبية يهدفان إلى استمرار تفريغ الجنوب، لافتاً إلى وجود محاولة إسرائيلية للتفلت من تطبيق هذه المناطق قبل الانتخابات الإسرائيلية. فيما قال مصدر عسكري مسؤول لـ “الحصاد” ان الكيان الاسرائيلي الذي وصل الى قلعة الشقيف ومحيطها لن ينفّذ اي خطوة قبل انهاء مهمته العسكرية بشكل تام في المنطقة التي يعتبرها خاصرة أمنية حساسة له. لذلك لا ينصاع للضغوط الاميركية، وربما يحظى بغض نظر اميركي عن القيام بعمليات عسكرية محدودة لكن نوعية ومؤثرة في هذه المنطقة للخلاص من مواقع المقاومة لأنه يرى فيها استمراراً للتهديد الامني.