Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / تركيا وإسرائيل.. تضارب المصالح واحتمالات المواجهة العسكرية!

تركيا وإسرائيل.. تضارب المصالح واحتمالات المواجهة العسكرية!

“إن إسرائيل أصبحت عبئا على الإنسانية كلها..فهي لا تستطيع العيش دون عدو، ولهذا قد تكون تركيا هي العدوة المقبلة لها.” ..تصريح على لسان هاكان فيدان وزير الخارجية التركي وهو التصريح الذي أثار غضب إسرائيل ووصفته أنه خطير جدا. والذي جاء في إطار حالة من التراشق السياسي والحرب الكلامية بين تركيا وإسرائيل. فقد كانت هناك تصريحات عدائية على الجانب الآخر أيضا ضد تركيا على لسان مسؤولين إسرائيليين منهم رئيس الوزراء نتنياهو الذي قال: “على أردوغان أن يهدأ.. ما يحدث في تركيا هو نتيجة لتراجع نفوذ إيران..لن نسمح لتركيا بتدمير إسرائيل”، وعميشاي شيكلي وزير شؤون الشتات الذي قال: “إن عصر (الإمبراطورية الشيعية في إيران) قد انتهى..هناك محور جديد على خطاه..إنه محور الإخوان المسلمين المتمثل في تركيا وسوريا وقطر في عهد أردوغان، ومن الأفضل أن تفتحوا أعينكم الآن..سيناريو إقدام تركيا على عمل عسكري ضد إسرائيل وارد بالتأكيد.” وهي تصريحات تعكس درجة من التصعيد في إعلان العداء المتبادل بين البلدين.

هذه التصريحات العدائية والاتهامات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل قد تبدو عادية ولكن مع اشتعال الحرب في غزة زادت حدتها بشكل يشي بوجود تصعيد خطير خاصة مع الإعلان مؤخرا عن صفقة الطائرات إف-35 التي ستحصل عليها تركيا من الولايات المتحدة الأمريكية.

تحول خطير

ولم يتوقف الأمر عند التصريحات العدائية بل امتد لسلوكيات أشد عداء من جانب إسرائيل عندما حاولت الأخيرة إحياء التوترات بين اليونان وتركيا بشأن قبرص وشرق المتوسط، وتزويد قبرص بصواريخ الدفاع الجوي باراك إم إكس، إلى جانب الحرص على الحصول على وضع مميز داخل قاعدة بافوس الجوية القبرصية، في إشارة إلى أنها تتحدى تركيا وقوتها البحرية المتنامية في البحر المتوسط.

وتكشف تقارير عبرية أن إسرائيل باتت قلقة من التمدد التركي عبر شرق المتوسط والشرق الأوسط، والقوقاز، والبلقان وإفريقيا وتنظر إليها باعتبارها تمثل تحديا أكبر من إيران، خاصة في ظل إمكانياتها العسكرية وقدراتها الرادارية وطائراتها المسيرة، مما دفع جيلا غامليل وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا للاعتراف أن “إسرائيل تعد العدة لمواجهة الامبراطورية العثمانية” إشارة إلى تركيا.

واقع الأمر أن تصعيد الأمر إلى هذاالمستوى من العداء المتبادل بين الدولتين يعد مؤشرا خطيرا على حدوث تحول دراماتيكي في العلاقات التركية الإسرائيلية، والتي قد يبدو للبعض أنه ليس بجديد في ظل تظاهر تركيا الدائم بخصومتها مع الكيان الصهيوني وترويجها لصورتها كمناصرة للقضية الفلسطينية أمام العالم وخاصة العرب، ولكن ما يخفى في كواليس سياستها الخارجية تجاه إسرائيل يكشف عن تاريخ طويل من التعاون وتبادل المصالح بشكل يرتقي إلى درجة الصداقة، قبل انقلاب الأوضاع والتحول للعداء اللدود في الأونة الأخيرة. 

أول من اعترف بالدولة الصهيونية!

رغم هذه الصورة التي تحاول تركيا أن تصدرها للعالم عن نفسها، إلا أن خفايا وتفاصيل علاقتها بالكيان الصهيوني تبدو مثيرة ومتناقضة مع هذه الصورة وهي علاقة تجاوز عمرها 75 سنة. لقد كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949 وكان بن جوريون مؤسس الكيان الصهيوني حاملا للجنسية العثمانية آنذاك، واستعانت تركيا بالفنيين الإسرائيليين في تحديث الطائرات الحربية التركية. وعلى مدار عقود طويلة كانت العلاقة بينهما جيدة سواء في عهد الحكومات العلمانية، أو مع الحكومات ذات الطابع الإسلامي مثل حكومة عدنان مندريس في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وحكومة طورغوت أوزال في الثمانينيات، أو  في ظل حكم أردوغان ممثل حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وحتى عندما كان يتم اتخاذ مواقف تركية معلنة ضد الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه وخاصة في فلسطين، فإن تلك المواقف لم تكن تتجاوز حدود الشعارات وعبارات الشجب والتنديد والتصريحات الإعلامية الاستهلاكية لدغدغة المشاعر الإنسانية دون اتخاذ مواقف أو سلوكيات واقعية عقابية أو رادعة، بل كانت قنوات التواصل الدبلوماسي والاقتصادي وربما الأمني مفتوحة تحت مظلة هذه الشعارات. وحتى في الحالات التي تعرضت فيها العلاقات التركية الإسرائيلية لأزمة لم يكن يحدث انقطاع كامل بل كان التواصل مستمرا في الكواليس والدليل على ذلك أن ما حدث من صدامات كلامية بين تركيا وإسرائيل خلال منتدى دافوس 2009 لم يمنع وجود تبادلات تجارية بلغت قيمتها بالمليارات.

تعاون كبير وخصومة مؤقتة!

على مدار تلك العقود الطويلة منذ نشأة الكيان الصهيوني شهدت علاقة تركيا به تطورات خطيرة بدأت بمرحلة التعاون الاستخباراتي السري والتي امتدت لما يقرب من نصف قرن، قبل أن تتطور إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي الرسمي والمعلن 1996-2002 والذي ارتقى إلى درجة الشراكة الأمنية لمواجهة وتطويق الخطر السوري والإيراني. وبعد فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي والمقرب في مواقفه من المقاومة في فلسطين، لم يحدث تغير جوهري في العلاقة واستمر التعاون العسكري رغم الخلافات السياسية العلنية بين عامي 2002-2008.

وحتى عندما تم طرد السفير الإسرائيلي في تركيا 2010 لم يكن دفاعا عن الفلسطينيين بل ردا على قيام القوات الإسرائيلية بقتل عشرة أتراك في غارة على سفينة كانت تقل نشطاء تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، ومع ذلك عادت العلاقات طبيعية عام 2016. تجددت الخصومة عام 2018 بعد قيام إسرائيل بطرد السفير التركي اعتراضا على استضافة بلاده لقياديين من حماس عقب مقتل عشرات الفلسطينيين أثناء مشاركتهم في احتجاجات عنيفة على حدود غزة. وكانت لتركيا مساع لرأب الصدع مع إسرائيل عام 2020 أثمرت عن قيام الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوج بزيارة تركيا في مارس 2022، وأعقبها تبادل زيارات من وزيري خارجية البلدين. وهو ما يرسم ملامح وطبيعة العلاقة بين تركيا وإسرائيل واستئنافها عقب كل خلاف، لذلك لم تقلق إسرائيل بإعلان تركيا قطع علاقاتها معها العام الماضي لأنها واثقة من عودتها، وهو ما أكدته تصريحات صحفية لمسؤول إسرائيلي قال إن: ” تركيا سبق أن أعلنت في الماضي قطع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، لكن العلاقات استمرت رغم ذلك!”

بالنظر إلى الوقائع التاريخية التي شكلت ملامح العلاقات التركية الإسرائيلية خاصة في عهد أردوغان، نجد أنه في الوقت الذي كان يقدم نفسه كحامٍ للإسلام وعروبة القدس والمتحدث باسم المسلمين، وممارسته لسلوكيات مظهرية للتعبير عن ذلك كأن يشارك في وقفات لدعم الفلسطينيين ويخطب في المتظاهرين منددا بجرائم إسرائيل، كان في الوقت نفسه يحرص على عدم المساس بالتوازن في علاقته مع إسرائيل بل أحيانا كان يتخذ مواقف عملية على حساب الشعارات التي ينادي بها لاعتبارات المصلحة، حتى لو اضطره الأمر لمطالبة وفد حماس بمغادرة البلاد كما حدث عندما تم ذلك مع إسماعيل هنية والوفد المرافق له في أكتوبر 2023 عقب عملية طوفان الأقصى التي فجرت الأوضاع في المنطقة لاحقا.

ورغم التوتر التركي الإسرائيلي المعلن أمام الناس أثناء حرب غزة، استمرت العلاقات التجارية التركية الإسرائيلية طبيعية مما أثار غضب الشارع التركي وأجبر عمر بولات وزير التجارة التركي لتبرير موقف بلاده والذي دافع عنه بالإشارة إلى أن التبادل التجاري يتم من خلال شركات خاصة وليست حكومية.

وقد شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تصاعدا ملحوظا منذ ظهور أردوغان على الساحة خاصة في مجال الاقتصاد والاستخبارات والنواحي الأمنية. وسجلت الأرقام خلال الفترة من 2002 و2022 ارتفاعا في حجم التجارة بين تركيا وإسرائيل بلغ ستة أضعاف! وهذا الأمر جعل محللين يصفون تركيا بالتلون والتحرك تبعا للظروف وحسابات المصالح.

وبينما كانت المجازر تجري في فلسطين كان التعاون مستمرا ولم تتخذ تركيا موقفا حاسما بقطع العلاقات مع الدولة العبرية إلا في أغسطس 2025 أي بعد ما يقرب من مرور عامين على مذابح غزة. 

أمام هذه الوقائع تتكشف حقيقة واحدة هي أن تركيا تعمل في اتجاهين؛ رفع شعارات رنانة تدغدغ المشاعر وتروج لزعامتها العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت تتخذ مواقف سياسية تجاه إسرائيل وفق حسابات المصالح ومقتضيات التوازن.

تضارب مصالح ودوائر صراعات!

بعد هذه السنوات الطويلة من التعاون وفق حسابات المصالح واعتبارات التوازن، يبدو أن علاقة تركيا وإسرائيل الحالية تجاوزت هذه المسألة ووصلت لمستوى تضارب المصالح، والذي يفسر لنا التصريحات العدائية الشرسة والمتبادلة بين البلدين مؤخرا.

فقد شهدت الفترة الأخيرة مجموعة من المتغيرات ساهمت في تحول العلاقة من تحالف وشراكة إلى صراع على الهيمنة والنفوذ ومنافذ الطاقة والسيادة الإقليمية.

في مقدمتها حرب غزة والحرب على إيران والتي أثارت التساؤل حول من يرث النفوذ الإيراني في المنطقة خاصة في سوريا ولبنان وغزة.

وتعد سوريا من أهم دوائر الصراع التركي الإسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد حيث تسعى تركيا لوجود دولة مركزية في سوريا تحول دون وجود كيان كردي مستقل يهدد وحدتها، بينما تخشى إسرائيل قيام دولة قوية في سوريا وخاصة لو كانت ذات طبيعة إسلامية وذات علاقات قوية مع دولة إسلامية بحجم تركيا. بل تفضل أن تكون دولة غير قوية حتى لا يكون لها جيش يواجه الأطماع الإسرائيلية وفي ذلك تسعى إسرائيل إلى اللعب على وتر الأقليات السورية واستغلالها لبث الفرقة وتقطيع أوصال الدولة السورية.

وتعتبر غزة من بين دوائر الصراع التركي الإسرائيلي حيث تخشى إسرائيل من أي دور تركي في إعادة الإعمار أو الإدارة أو الوساطة، لأنه قد يفتح الباب أمام حضور تركي دائم في الملف الفلسطيني وإن كان ليست بقوة الحضور الإيراني لأن تركيا لا تستطيع فرض ترتيبات ميدانية كما كانت إيران.

وفي لبنان تخشى تركيا أن تفرض إسرائيل ترتيبات أمنية تخل بالتوازن الإقليمي ويمنح الأفضلية لها في رسم قواعد المنطقة بعيدا عن الآخرين.

وتأتي دائرة الصراع التالية في شرق المتوسط حيث التنافس المحموم على الغاز والموانئ وخطوط النقل، والتعاطي مع القضية القبرصية حيث تسعى إسرائيل لترتيبات تثبت موقعها ضمن محور مع مصر واليونان وقبرص وأوروبا في غياب تام لتركيا وهو ما ترفضه الأخيرة خشية إخراجها من معادلة الطاقة. يضاف لذلك الصراع على قضايا الأمن البحري والتحالفات الإقليمية.

كما تعد ممرات التجارة والطاقة من أهم مناطق صراع المصالح بين تركيا وإيران، خاصة بعد أزمة مضيق هرمز وتهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، على خلفية الحرب على إيران، وهو الأمر الذي دفع الجميع للتفكير والبحث عن طرق بديلة. وهنا يزداد القلق الإسرائيلي من التقارب التركي السعودي السوري الهادف إلى إحياء ممرات تجارة تتجاوزها بما يعني ضرب الممر الاقتصادي الإسرائيلي الذي يهدف إلى التواصل بين آسيا وأوروبا في مقتل، لأن تركيا كانت قد دفعت بمشروع طريق التنمية الذي يربطها بميناء الفاو العراقي إلى أوروبا. وأدى تغير النظام في سوريا إلى تحول جديد اتخذته أنقرة متمثل في إحياء سكة الحجاز التاريخية وفتح مسار بري بدون الحاجة إلى إسرائيل.

لكل ذلك فإن المرحلة الحالية في العلاقة بين تركيا وإسرائيل ليست كغيرها من المراحل لأنها قائمة على صراع المصالح الذي خلق خصومة وعداء.

هل تقع حرب تركية إسرائيلية؟

هنا يثور التساؤل حول إمكانية الانتقال إلى المواجهة العسكرية في المرحلة التالية فهل نرى حربا جديدة بين تركيا وإسرائيل في المستقبل؟

رغم قوة التصريحات العدائية بينهما، لكن التدافع الاستراتيجي بين البلدين لا يرقى إلى الدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة لوجود عوامل تعمل كالكوابح المانعة للتصعيد نحو الحرب.  يأتي في مقدمتها المصالح الإقليمية المشتركة حيث يجمع بين البلدين ملفات حيوية منها ما هو اقتصادي أوسياسي مرتبط باحتواء النفوذ الإيراني.

كما أن عضوية تركيا في حلف الأطلنطي مانعا قويا سياسيا وقانونيا في مواجهة إسرائيل إذا ما فكرت في توجيه ضربات لها، وكذلك تفرض هذه العضوية قيودا صارمة على تركيا لمنعها من التورط في أي مواجهة عسكرية خارج الناتو.

يضاف إلى ذلك المظلة الأمريكية التي تغطي البلدين، فإسرائيل حليفتها، كما أن تركيا أصبحت تتمتع بعلاقات طيبة وهو ما أكدته تصريحات ترمب عن تركيا وأردوغان في قمة الناتو الأخيرة والتي وعد فيها بمد تركيا بصفقة طائرات إف-35 والتلويح بإمكانية رفع العقوبات عن تركيا (فرضتها واشنطن على تركيا عام 2020 بسبب حصولها على منظومات دفاع جوي روسية). ومن ثم فإن كلا الطرفين حليفان استراتيجيان لأمريكا التي ستمنع حتما أي تصعيد عسكري محتمل.

وعليه فإن سيناريو الحرب المباشرة بين تركيا وإسرائيل غير مرجح، ولكنه لايمنع استمرار الخصومة السياسية وتبادل رسائل الصراع في سوريا وشرق المتوسط وربما يصاحبها مناوشات أو احتكاكات جوية وبحرية سريعة يمكن احتواؤها دبلوماسيا.

ولاشك أن طبيعة المرحلة المقبلة والتي تشهد انتخابات ساخنة أمام نتنياهو وأردوغان تؤخذ في الحسبان لأنها تلعب دورها في زيادة حدة التصريحات المتبادلة.

ولكن ماذا عن الدور العربي في هذه الحرب الباردة بين طرفين غير عربيين يسعيان لملء الفراغ الاستراتيجي الذي تركته إيران في محاولة للهيمنة على الشرق الأوسط؟

هل يقف العرب متفرجين أم يكون لهم دور ترجيحي في هذه العلاقة؟

هذا ما ستكشفه تطورات الأحداث.